قبل الهواتف الذكية، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي بعقود، تنبأ البروفيسور مارشال مكلوهان، الذي عمل على نظرية الإعلام، بحرب عالمية مستقبلية تُستخدم فيها المعلومات سلاحًا. فبينما شُنَّت الحرب العالمية الأولى والثانية باستخدام الجيوش والتعبئة الاقتصادية، رأى مكلوهان أن «الحرب العالمية الثالثة ستكون حرب عصابات معلوماتية دون تفرقة بين المشاركة العسكرية والمدنية فيها»، وهي النبوءة التي أوردها مكلوهان كتابَ تأملاته الصادر عام 1970 تحت عنوان «الثقافة هي عملنا».

ربما كانت توقُّعات مكلوهان غريبة عن عصره، إلا أنها تبدو قريبة جدًا من واقع حاضرنا. هكذا بدأ مرتضى حسين مقاله في موقع «ذي إنترسبت» الذي تحدَّث فيه عن دور مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الشعبي في الثورات والصراعات المسلحة ومعارضة الأنظمة الديكتاتورية، وكيف تؤثر في موازين القوى. يقول حسين: قبل عقود، كانت العقبات في طريق الدخول إلى عالم الإذاعة والنشر مرتفعة للغاية، فكانت المؤسسات المُعترَف بها هي وحدها التي تستطيع المشاركة بشكلٍ مؤثر في نشر الأخبار، لكن على مدار السنوات العشر إلى الخمسة عشر الماضية، مُنح الأفراد بصورة جذرية القدرة على تسجيل المعلومات ونشرها وإذاعتها للملايين حول العالم، وبأقل تكلفة.

وأضاف حسين أن الأثر الثوري لهذه البيئة الجديدة للمعلومات أدَّى إلى فُقدان المؤسسات الإعلامية العريقة سلطتها على بوابة عالم المعلومات، وإتاحة الفرص أمام المجموعات التي ظلَّت مضطهدةً لزمنٍ طويل لكي تُسمع رواياتها: فالفلسطينيون، والنشطاء الأمريكيون ذوو الأصول الإفريقية، ونشطاء الحركة النسوية، والمدافعون عن البيئة، والجماعات المعارضة في المجتمعات السلطوية، تستطيع أن تجد سبيلًا لإيصال أصواتها، وإن لم يخل الأمر دائمًا من بعض المتاعب.

ومع هذا، خلق هذا المشهد الإعلامي الجديد أيضًا عالمًا معرّضًا للتأثر بمستويات غير مسبوقة من الدعاية، والمؤامرات، والمعلومات المضللِّة. فهذه الفوضى المعرفية الناجمة عن الانفجار العالمي لـ«الأخبار»، المشكوك في مصداقية بعضها، قد أدت فعلًا إلى اضطرابات خطيرة في كل من السياسة والحياة اليومية. إلا أن هناك جانبًا آخر من جوانب الحياة ربما يكون الأكثر تأثرًا بتغيُّر المشهد الإعلامي، ألا وهو: الصراع المسلح.

الصراع المسلَّح والإعلام

يقول الكاتب إن الدعاية وحرب المعلومات كانتا في يوم ما من اختصاص الدول والجيوش وأجهزة الاستخبارات. أما اليوم، فالأشخاص العاديون أصبحوا لاعبين مهمين في هذه الحملات. والمعارك حول السرديات والمعلومات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحروب والسياسات الحديثة؛ فقد أثبت الدور الذي يلعبه المدونون والنشطاء و«المواطنون الصحافيون» في تشكيل السرديات أهميته الحيوية.

تتراكم الأمثلة سريعًا خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. فقد ساعد المواطنون الصحافيون والنشطاء العَرَضيون (الذين اكتسبوا شهرة مفاجئة) في تغيير مسار التاريخ إبّان الثورات في مصر، والبحرين، وتونس، وسوريا، وليبيا، وكذلك أثناء حرب إسرائيل في عام 2014 ضد الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل. فسريعًا، تمكَّن الأشخاص الذين كانوا يُعدُّون ضحايا الحرب وسياسات القوى العظمى من أن يصبحوا فاعلين سياسيين. فخلال القصف الإسرائيلي في عام 2014 على غزة، وقصف الطيران الروسي في عام 2016 على مدينة حلب السورية التي كان يسيطر عليها الثوار، جذبت شابات وأطفال الاهتمام الدولي بنقلهم آخر الأخبار من مناطق الحرب، مساعدين على إشعال معارك لتشكيل الرأي العام العالمي.

على خلاف الحروب المعلوماتية التقليدية التي تشنّها الدول، تستفيد روايات الأشخاص العاديين من حِسٍّ أعظم بالمصداقية الشخصية والترابط العاطفي؛ فلطالما كانت هذه العملة صعبة المنال بالنسبة للمؤسسات الإعلامية؛ بينما تتحقق بطريقة طبيعية للأفراد والنشطاء. لقد نسفت قدرة منصات التواصل الاجتماعي على تخطي الحراس التقليديين لبوابة الإعلام العقبات أمام الأصوات المهمَّشة، المتمثلة في السيطرة السياسية والمؤسساتية على النشر.

وينقل الكاتب عن مات سينكيفيتش، الأستاذ المساعد في الاتصالات والدراسات الدولية بجامعة بوسطن ومؤلف كتاب «القوات الجوية الأخرى: جهود الولايات المتحدة لإعادة تشكيل إعلام الشرق الأوسط منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)» إن: «المؤسسات القوية لا تزال موجودة ومؤثرة للغاية، إلا أن هناك عُملة أخرى ظهرت نتيجة وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، يمكنك تسميتها بالمصداقية أو القبول العاطفي».

ويضيف سينكيفيتش: «يركز الجميع على دور منتجي المادة الإعلامية في تشكيل الرأي العام، ولكن عادة ما كان مستوى نشر المعلومات هو النقطة الأهم. وهذا ما قد غيرته وسائل التواصل الاجتماعي جذريًّا. ومع أن هناك تركيزًا كبيرًا على الجانب القبيح، من معلومات مضللِّة ومؤامرات منتشرة على الإنترنت، إلا أن هناك أيضًا ما يدعو إلى التفاؤل، لأن هناك قصصًا عديدة كانت ستبقى متجاهَلة، أما الآن فهي تُسمع».

ويلفت الكاتب إلى أن ظهور المواطن الصحافي عبر الإنترنت أدى أيضًا إلى زيادة ضبابية الفوارق بين المشاركين وغير المشاركين في الصراع، وكذلك بين النشطاء والصحافيين. وبالنسبة لمن يفتقرون إلى تعليم إعلامي جيد، يصبح التمييز بين الحقيقة والزيف مهمة عبثية أكثر فأكثر.

بعد البحث في أحداث السنوات القليلة الماضية، بدأ عدد قليل من الكتاب يفحصون الطرق التي شكلت بها وسائل التواصل الاجتماعي فهمنا وخبرتنا بالصراعات والسياسات الحديثة. فكتاب «الحرب في 140 حرفًا» للصحافي والمؤلف ديفيد باتريكاراكوس، وكتاب «الحرب العالمية الرقمية» لهارون أوللا، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، كلاهما يمثلان محاولات مبكرة لفهم خطورة أزمة المعلومات الحالية التي نمر بها.

ومع طمس الفوارق الجوهرية المتعلقة بالصراع المسلح –بين وقت السلم ووقت الحرب، وبين المقاتلين والمدنيين– فإن وسائل التواصل الاجتماعي لديها القدرة على جر العالم كله إلى منطقة رمادية حيث الفوراق بين المشاركين وغير المشاركين في الصراع غير واضحة. بينما كانت الحرب العالمية الأخيرة صراعًا واضحًا بين الدول باستخدام الجيوش المرتدية بزاتها العسكرية النظامية، فإن حرب المعلومات المدفوعة تكنولوجيًّا في عصرنا الحديث يمكنها أن تصبح بلا شكل محدد ومحيطةً بكل شيء لدرجة تمكنها من التسرب إلى كل جوانب المجتمع، مغيِّرة أثناء هذه العملية خبرتنا بالسياسة والحرب.

دور السوشيال ميديا في توازن القوى في حرب غزة

يقول الكاتب إن حرب عام 2014 بين إسرائيل، والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة قد تكون الحرب الأولى التي يستخدم فيها الطرف الأضعف مواقع التواصل الاجتماعي استخدامًا ناجعًا لموازنة القوى بين الطرفين. ففي الحروب السابقة بين إسرائيل والفلسطينيين، ساعدت قدرة الحكومة الإسرائيلية على الدخول إلى أرض المعركة في تشكيل روايتها للحرب، مصورةً الحرب بالطريقة التي تفضلها، على أنها حرب على الإرهاب. ولكن مع انتشار الهواتف الذكية، وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي في غزة على مدار السنوات العديدة الماضية، انتهى الأمر بمختلف المراقبين وهم ينظرون إلى هذا الصراع بطريقةٍ مغايرة للغاية.

ومع انهمار القنابل على أحياء غزة، متبعة نمطًا يشمل قتل العديد من المدنيين وتشويههم، سارع الفلسطينيون إلى مواقع التواصل الاجتماعي لمشاركة روايتهم الخاصة للحرب. فقد شارك الشباب والشابات القاطنون في القطاع صورًا لفظاعات جلية مقترفة بحق المدنيين، غالبًا إلى جانب تحديثات مؤثرة حول تجربتهم محاولين النجاة من عدوان الجيش الإسرائيلي. ففي الصراعات السابقة، لم تكن معظم هذه الأصوات لتُسمع أبدًا. فالنشر مباشرةً على النطاقات العامة العالمية لموقعي تويتر وفيسبوك جعل تجاهل العالم للشهادات حول المعاناة والمقاومة الفلسطينية أمرًا مستحيلًا.

ونقل الكاتب ما قاله يوسف الحلو على موقع «ميدل إيست آي» عن دور مواقع التواصل الاجتماعي في الصراع: «حتى عند انقطاع الكهرباء، تمكَّن المواطنون الصحافيون من نشر صور أجساد الموتى، والأحياء المدمَّرة، والمصابين، إلى العالم الخارجي. دائمًا ما كانت للتصوير الفوتوغرافي قوة هائلة، إلا أن حرب غزة كانت إحدى أوائل الحروب التي يصورها الهواة ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل رئيسي، مما سمح لتلك الصور بالانتشار طولًا وعرضًا بنقرة زر، مساعِدةً أهل غزة في كسب العقول والقلوب، ومسبِّبة بالتالي غضبًا غير مسبوق تجاه إسرائيل. ففي تظاهرات حول العالم، كبّر المتظاهرون مثل هذه الصور ورفعوها، مطالبين حكوماتهم المعنية بالتحرك لوقف العدوان الإسرائيلي».

ومع تصاعد صيحات الاحتجاج العامة تجاه الحرب –يقول الكاتب– حتى منابر الإعلام المؤسسي في الولايات المتحدة اضطُرت إلى الإشارة للتجربة الفلسطينية في الصراع. وردًّا على كارثة العلاقات العامة المتفاقمة بسبب صور قتلى مدنيين غزاويين، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حكومة حماس في القطاع باستخدام «أمواتٍ فلسطينيين ذوي جاذبية تليفزيونية لتحقيق أهدافها»، وهو التصريح الذي فشل في إخماد السخط الدولي المتزايد بسبب القتلى المدنيين.

من الناحية العسكرية، لم يكن هناك تكافؤ حقيقي بين الجانبين. فعند نهاية الصراع، قُتل أكثر من 2100 فلسطيني، مقارنة بـ66 إسرائيليًّا فقط. كما عانت البنية التحتية المادية للقطاع المحاصر من أضرار مدمرة ، إضافة إلى انقطاع المياه والكهرباء عن سكان قطاع غزة بسبب الهجمات الإسرائيلية. ومع تفوقهم في القوة الغاشمة، وأعداد القتلى غير المتكافئة، وتدمير منطقة إحدى الجانبين فقط، إلا أنه لم يكن واضحًا أن الإسرائيليين كسبوا الصراع. ففي المعركة على سردية الحرب –وهي معركة حاسمة في صراع تتأثر ديناميكيات القوى فيه تأثرًا كبيرًا بقوى خارجية– تمكن الفلسطينيون من كسب دعم كبير من أجل قضيتهم.

بدلًا من أن تكون هذه حالة أخرى لجيش إسرائيلي يهاجم مجموعة من «الإرهابيين الإسلاميين»، وهي الرواية المضادة عن الصراع، والمنتشرة عالميًّا. في هذه النسخة من الأحداث، لم تكن إسرائيل دولة ديمقراطية تشن حربًا على الإرهابيين للدفاع عن نفسها؛ بل كانت جيشًا هائلًا مدعومًا من الولايات المتحدة الأمريكية يدك أهل منطقة فقيرة. ويبدو أن عدد القتلى أثبت للعالم استخدام قوة غير متكافئة ضد إقليم ضعيف ومعزول.

ويقول باتريكاراكوس في كتابه: «خلال عملية الجرف الصامد -وهو الاسم الذي أطلقه الجيش الإسرائيلي على الحملة- عانى الفلسطينيون أشد معاناة تحت حصار قوات الجيش الإسرائيلي المتفوقة عسكريًّا»، ثم يعلق باتريكاراكوس على تمكن الفلسطينيين من سرد قصصهم على العالم وقت الحرب قائلًا: «إن هذه هي عملية إرساء الديمقراطية في سرد رواية الحرب، واستفاد منها جانب واحد فقط: الفلسطينيون».

«فرح بكر» وتغريدات الحرب

خلال الحرب، لم يكن هناك شخص أكثر رمزية لتغيُّر ديناميكيات القوى من فرح بكر. يروي الكاتب عن الفتاة الفلسطينية ذات الأعوام الستة عشر التي لفتت أنظار العالم بنقلها أخبار الحياة في غزة إلى مواقع التواصل الاجتماعي. لم تكن فرح مرتبطة بأي جماعة سياسية، وكانت نظرتها إلى الحرب نظرة شخصية، ومع ذلك قذف حضورها على مواقع التواصل الاجتماعي بها إلى دائرة الاهتمام العالمي، ومكّنها من سرد الرواية الفلسطينية سردًا أثار تعاطف العالم مع القضية الفلسطينية، ومكنها أيضًا من أن يكون لها دور سياسي فعال، وهو الأمر الذي لم تكن لتتوقعه أبدًا، ولم يكن ليحدث مُطلقًا في أي من الصراعات السابقة.

فعادة كان سيُنظر إلى فتاة مراهقة تعيش تحت القصف الجوي باعتبارها متفرجة في أحسن الأحوال، أو ضحية في أسوئها. ولكن بفضل تدوينات فرح على موقع تويتر حيث شاركت كلًّا من مخاوفها ومحاولاتها أن تعيش حياة طبيعية وسط الحرب، أصبحت فرح جزءًا مهمًا من الجهود الفلسطينية لاستمالة الرأي العام حول الصراع.

فكتب باتريكاراكوس: «في السادسة عشر من عمرها فحسب، أدركت فرح، ولو غريزيًّا، أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في وقت الحرب، خاصة بالنسبة لطرف مستضعَف دائمًا مثل الفلسطينيين، أدركت القوة التي تمنحها مواقع التواصل الاجتماعي للفرد الواحد ولمجموعة من الأفراد، قوة كانت مستحيلة قبل ذلك».

في غزة، كما في سوريا وأوكرانيا، نُشرت في بعض الحالات ادعاءات كاذبة عن معاناة وفظاعات لتحقيق أهداف دعائية. ومع ذلك، غيرت مواقع التواصل الاجتماعي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الصراع في غزة، من خلال قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على توفير شهادات من مصادر متعددة من قلب الحدث، والتحقق من صحة المعلومات، ومشاركة الأدلة، فيستطيع المراقبون الخارجيون أن يتحققوا بشكل أفضل من مصداقية التقارير الصادرة من قلب الحدث.

خلال الحرب على غزة، حاولت «قوات الدفاع الإسرائيلية» (الجيش الإسرائيلي) رد هجوم صحافة المواطن الفلسطينية بحرب معلومات خاصة بهم، فنشروا إنفوجرافيك وفيديوهات لعرض الجانب الإسرائيلي للحكاية. لكن في النهاية -يقول الكاتب- كان الإسرائيليون في موقف ضعف؛ فالمصداقية الشخصية لشباب غزة العارفين بالتكنولوجيا تردد صداها بصورة طبيعية بين جمهور المراقبين أكثر من التصريحات الرسمية والرسائل المبهرجة التي نشرها مسؤولون في الجيش الإسرائيلي، والتي طُبِعت بوجه البيروقراطية المنفِّر طباعة لا يمكن محوها.

لقد كان أثر عدم التكافؤ ملحوظًا، ففي عمود بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إبان الحرب بعنوان «حول هزيمة إسرائيل في غزة»، تحدث ديفيد روثكوبف الباحث المتخصص في العلاقات الدولية عن الأثر العالمي الذي خلفته صور الدمار الناجم عن الحرب في غزة، ومنها صور لأطفال صغار قتلهم الجيش الإسرائيلي على الشاطئ. فكتب روثكوبف: «لا توجد قبة حديدية -وهي منظومة دفاعية إسرائيلية مضادة للصواريخ متطورة وباهظة الثمن- يمكنها أن تحذف صور المعاناة والدمار التي حُفرت في ذاكرتنا، أو أن تزيل الضرر الذي أصاب شرعية إسرائيل نتيجة مثل هذه المذبحة الوحشية».

ومع أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد دعمت إسرائيل أثناء الصراع، داعية كلا الطرفين إلى ضبط النفس، إلا أنه بعد ذلك بعامين، بينما كان أوباما يستعد لمغادرة البيت الأبيض، اتخذت الولايات المتحدة خطوة مهمة نائية بنفسها عن إسرئيل في مجلس الأمن، فقد سمحت بمرور قرار يدين التوسعات الاستيطانية الإسرائيلية «بامتناعها عن استخدام حق النقض (الفيتو) لعرقلة مشروع القرار»، في حالة نادرة للولايات المتحدة تستجيب فيها للاستنكار العام تجاه الأفعال الإسرائيلية. ومع أن هذه الخطوة بعيدة عن أن تعد تحولًا كبيرًا في موقف الولايات المتحدة إزاء الصراع، إلا أنها عكست استياءً متزايدًا من الأفعال الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، ومع أن إدارة ترمب لا تتبنى الأفكار نفسها، لكن هذا الاستياء من أفعال إسرائيل لا تزال أصداؤه تتردد بين مسؤولين سابقين رفيعي المستوى.

وبطريقتها الخاصة البسيطة، بتغريداتها ونقلها آخر الأخبار إبان الحرب، لعبت فرح بكر دورًا في تحويل سردية النزاع وإجبار العالم على محاولة فهم الرواية الفلسطينية للصراع. قالت فرح في مقابلة شخصية مع باتريكاراكوس في بيتها بغزة: «لا أستطيع أن أحمل سلاحًا، ولا يمكنني أن أقتل أحدًا أبدًا، لذا فسلاحي الوحيد كان نشر الحقيقة وإخبار الناس بما يحدث هنا، لقد كنت مؤثرة تأثيرًا أكبر مما كنت أتخيل مطلقًا، بسبب أعداد المتابعين التي حصلتُ عليها، ولأن أشخاصًا كثيرين جدًا أخبروني بأنني قد غيرت نظرتهم إلى الحرب وفتّحتُ عيونهم».

السوشيال ميديا والثورات العربية

خلال الموجات الأولى لمشاعر الحماس العارمة حيال ثورات الربيع العربي في عام 2011، لاحظ المراقبون مدى الفاعلية التي استخدم بها النشطاء الشباب مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها أداة تنظيمية. ربما تكون مبالغة أن ننسب الثورات نفسها إلى مواقع التواصل الاجتماعي (مثلما أشارت بعض التحليلات العاطفية آنذاك)، ومع هذا لا يمكن إنكار تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والهواتف النقالة ومحطات التلفاز الجديدة في التعبئة للثورات ونقل المعلومات في هذه المجتمعات. ففكرة الشباب –يقول الكاتب– وهم يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي لإسقاط أنظمة ديكتاتورية تماشت مع سردية «اليوتوبيا التكنولوجية»، التي كانت رائجة في ذاك الوقت، والتي تثير فكرة أن التغيرات السياسية المستقبلية يمكن تنظيمها «من أسفل» من خلال القوة المحرِّرة للإنترنت.

لقد دحضت السنوات الكالحة التي تلت الثورات العربية هذه السردية. فبينما كان النشطاء الليبراليون ماهرين في التنظيم عبر الإنترنت، كذلك كان «السياسيون الإسلاميون» و«الجماعات الجهادية». فهذه الجماعات كانت أفضل تمويلًا وأحسن تنظيمًا، وكان بالفعل لديها خبرة في العمل السري مستخدمة أحدث الوسائل التكنولوجية من أجل الدعاية، والتجنيد، والتواصل. وبمرور الوقت، كان «الجهاديون» و«الجماعات الإسلامية» مثل «الإخوان المسلمين» هم من انتقلوا إلى طليعة الثورات، منحّين جانبًا النشطاء الليبراليين الذين أسروا مخيلة العالم في بادئ الأمر.

كتاب «الحرب العالمية الرقمية» هو تحليل للكيفية التي استخدمت بها الحركات المعارضة والإسلاميون على وجه الخصوص مواقع التواصل الاجتماعي أداةً لشن الحرب على المؤسسات الحكومية، ومؤلفه هارون أوللا مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، وخبير في حركة «جماعة الإسلام» الباكستانية. وعلى خلاف كتاب باتريكاراكوس، «الحرب العالمية الرقمية» هو تحليل أكاديمي رصين للكيفية التي تغير بها مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل التكنولوجية الأخرى الديناميكيات بين الحكومات المركزية والحركات المعارضة، الإسلامية والليبرالية. ويتناول كتاب هارون أيضًا جوهر الآلية التي تقلب بها مواقع التواصل الاجتماعي ديناميكيات القوى التقليدية التي تحكم الحرب والسياسة.

ربما يكون جانب التكنولوجيات الحديثة الأكثر زعزعة للاستقرار هو الكيفية التي من المحتمل أنها قد زادت بها من سرعة التغيير السياسي زيادة كبيرة: فالثورات التي قادها الشباب في مصر وتونس قد بدأت وانتهت في غضون أسابيع، مطيحة حكومات كانت على رأس السلطة عقودًا. ومع أن كلتا الدولتين قد عانتا من مشاكل هيكلية طويلة الأمد، إلا أن الشرارات التي أشعلت كلتا الثورتين كانت بسبب اعتداءات فردية –الفساد ووحشية الشرطة– انتشرت واكتسبت شعبية سريعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومع أن العديد من المتفرجين انضموا لاحقًا إلى الثوار لأسباب أخرى، إلا أن سرعة وحجم التنظيم في بداية الثورة كان سيصبح مستحيلًا في عصر ما قبل الهواتف الذكية والإنترنت.

ويعلق الكاتب: لقد صعّبت سرعة هذه الحركات بناء نظام مستدام من حطام الأنظمة القديمة. ومع أنه حقيقي أن التعبئة عبر الإنترنت لعبت دورًا في إطاحة كل من طاغية مصر حسني مبارك، والديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي، إلا أنها أيضًا لم تسمح بالوقت الكافي لظهور قادة جديدين، أو للاتفاق على برامج سياسية. فمع أن الناس الذين نزلوا إلى الشوارع كانوا متحدين في سخطهم على الظلم، وفي معارضتهم للنظام القديم، إلا أنهم كانت لديهم أفكار مختلفة اختلافًا شديدًا حول مستقبل بلادهم. وعندما انهارت هذه النظم، كانت الأطراف الوحيدة المستقرة وذات الشعبية بما يكفي للاستفادة من الفرصة هي الأطراف المنتمية إلى جماعة «الإخوان المسلمين» التي كانت مقموعة لفترةٍ طويلة.

كَتب هارون بخصوص الثورة التونسية والانتخابات التالية التي فاز بها حزب «النهضة» الإسلامي الليبرالي: «لا يتعلق الأمر بكون الإسلام سمة محددة للهوية التونسية، بالرغم من ادعاءات الإسلاميين؛ بل كان الفوز نتيجة طبيعية للانشقاق الحتمي بين طبيعة الثورة، وجاهزية الإسلاميين للحكم».

إيران.. ثورة أشرطة الكاسيت!

لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي هي تكنولوجيا المعلومات الأولى التي تساعد في التعبئة لتغيير ثوري: فالراديو والتلغراف والصحافة المطبوعة كلها ساعدت على دفع عجلة التحولات الاجتماعية السياسية في الماضي، فقد ساعدت الصحافة المطبوعة كما هو معروف على ظهور حركة الإصلاح البروتستانتي.

ويروي الكاتب في وقت أقرب إلى الحاضر، وُضع الأساس التي قامت عليه الثورة الإيرانية في عام 1979 بمساعدة تكنولوجيا حديثة نسبيًّا: فقد كانت الخطب الشعبية لقائد الثورة آية الله روح الله الخميني تُسجَّل وتُنسخ على أشرطة كاسيت، ثم كانت هذه الأشرطة تُستنسَخ وتنتشر سريعًا بين الناس. ولكن بخلاف حركات مواقع التواصل الاجتماعي التي تستطيع إغلاق الدائرة بين الغضب الشعبي والمظاهرات في غضون أيام، بذل الخميني سنوات من العمل الإعلامي الدقيق حتى يتمكن من بناء قاعدة شعبية لحركة معارضة في إيران. وحينما نزل الإيرانيون أخيرًا إلى الشارع ضد الشاه –مدفوعين بالعديد من التيارات الأيديولوجية المختلفة– كان الخميني قائدًا روحيًّا معروفًا وشعبيًّا ضمن المعارضة. فعندما سقط النظام الملكي، كان الخميني في وضع جيد لتهميش منافسيه الأيديولوجيين، وترسيخ سيطرة رجال الدين على الدولة.

لماذا نجحت الثورة الإيرانية وفشلت ثورات الربيع العربي؟

يشير الفرق الشاسع بين الثورة الإيرانية والثورات المعاصرة التي ليس لها قائد إلى أحد المخاطر الرئيسية للنشاط السياسي على شبكة الإنترنت. فالتنظيم والدعاية عبر الإنترنت –يقول الكاتب– يمكن أن يكونا ناجعيْن لدرجة معقولة في زعزعة استقرار الأنظمة، ولا سيما الأنظمة السلطوية المتشددة التي تحتاج إلى السيطرة على تدفق المعلومات سيطرة صارمة، ولكن بسبب السرعة التي تستطيع بها تعجيل تحقيق التغيير، لذا فهي أقل نجاعة في بناء الشبكات والتنظيمات اللازمة لملء الفجوة التي تنشأ عندما تسقط الحكومات القديمة فعلًا.

وقد كتب هارون في هذا السياق: «عندما يغيب القائد الأوحد التي تلتف الحركة السياسية حوله –مثل الخميني أو مانديلا أو لينين– ربما تكون هناك ثورات أكثر وأسرع من السابق، ولكن ستكون هناك سيناريوهات ونتائج ثورية أقل. فعندما تخلع الثورات نظامًا ديكتاتوريًّا –وهو النظام الأوحد والأقوى في الدولة بموجب تعريفه وممارساته– مثلما حدث في ثورات الربيع العربي، لا يحدد الذين أسقطوا الديكتاتور من يملأ الفراغ في السلطة».

صراع السلطة بين الحكومات ومنصات السوشيال ميديا

في ورقة بحثية عام 2007 بعنوان «شبكات وأمم»، اعتقد جون أركيلا، الخبير في الأنماط الجديدة للحرب بكلية الدراسات العليا البحرية في ولاية كاليفورنيا، أن مجموعة الشبكات العالمية والإقليمية الفضفاضة التي أوجدها الإنترنت، قد بدأت تتحدى سلطة الدول بالطريقة نفسها التي تحدّت بها الدول سلطة الإمبراطوريات قبل عقد من الزمان.

وفي السنوات الأخيرة، تمكنت الجماعات المسلحة العابرة لحدود الدول، ونشطاء المجتمع المدني، وقراصنة المعلومات من إلحاق خصومهم من الدول الكبرى بالهزائم، وتم ذلك –جزئيًّا– عبر الاستفادة من سرعة الاتصال والتواصل التي يوفرها الإنترنت. فكتب أركيلا: «جاءت الشبكات لتدفع وتنخز وتواجه، جاءت لحل المشكلات العالمية من ظلم وانعدام مساواة وتدهور بيئي، والتي ترى الشبكات أن أي دولة قائمة على نظام رأسمالي لا تستطيع أن تعالجها على نحو كافٍ. باختصار، جاءت الشبكات لتغير الأشياء، فهي لم تأت مسالمةً؛ بل جاءت ومعها سيوف».

ويرى الكاتب أن القرن الحادي والعشرين شهد تصاعد «صراعات المنطقة الرمادية»، إذ تختلط القوة المسلحة والسياسة والإعلام ببعضها، كما حدث في حرب عام 2014 بين إسرائيل وغزة. ونادرًا ما تكون صراعات المنطقة الرمادية حروبًا أهلية؛ بل من المرجح أن تكون انتفاضات شعبية، أو صراعات بين دول وجماعات مسلحة، أو تمردًا مسلحًا داخليًّا. وكما كتب الباحثان ديفيد بارنو ونورا بنساهل، فإن هذه الصراعات «تنطوي على بعض العدوان أو استخدام القوة، ولكن من نواحٍ كثيرة، فإن سمتها المميزة هي الغموض، حول الأهداف النهائية، والمشاركين، وما إذا كانت المعاهدات والقواعد الدولية قد انتُهِكت، والدور الذي يتعين على القوات العسكرية أن تلعبه في هذه الصراعات».

وفي ظل هذه البيئة الغامضة، تلعب حرب المعلومات التي يشنها النشطاء –أفرادًا ومجموعاتٍ– عبر الإنترنت دورًا مهمًا، وحاسمًا حتى في بعض الأحيان. ومع تبخر هيمنة الدول على تدفق المعلومات، فإن قدرتها على التحكم في مسار الصراعات عن طريق إدارة الرأي الدولي والحفاظ على سلطتها الداخلية آخذةٌ في التآكل أيضًا».

الحرية والرقابة في زمن الإنترنت

لقد أدى تهديد هذا التغيير، إضافة إلى التأثير السياسي للمعلومات المضللة المنتشرة عبر الإنترنت، إلى ظهور دعوات من بعض الجهات مطالِبةً شركات التكنولوجيا بتنظيم وتدخل أكبر لوضع قيود على الخطاب عبر الإنترنت. ومع أن تحسين التعليم الإعلامي لعامة الجمهور هو أمر ضروري على الأرجح، إلا أن أي حنين إلى عصر سابق كانت فيه المعلومات خاضعة لسيطرة عدد قليل من المؤسسات الإعلامية المهيمنة هو شعور في غير محله إلى حد بعيد.

ويقول سينكيفيتش: «إذا سمحنا للمشاكل القائمة مع وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيات الحديثة أن تُستخدم ذريعةً للعودة إلى الوراء، ستكون هذه هي الجريمة القصوى. إن البيئة الإعلامية القديمة حيث لم تكن لدى بلايين الناس سُبل تذكر كي يرووا قصصهم –إذ حكمت المؤسسات الإعلامية على فئات كاملة من الناس بأنهم لا يستحقون أن تُنقل أخبارهم– ليست شيئًا ينبغي أن نرغب في العودة إليه. علينا أن نتصدى للمشاكل القائمة في وسائل الإعلام الجديدة، لا أن نحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء معتبرين هذا كله تجربة فاشلة».

واختتم حسين مقاله قائلًا: بفضل وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، ظهرت نسخة من «حرب العصابات العالمية» التي تنبأ بها مارشال مكلوهان –وهي حرب على المعلومات تجتذب الدول والجيوش والنشطاء والأشخاص العاديين بالقدر نفسه– إلى حيز الوجود. ومن المرجح أن تؤدي العواقب إلى تغيير السياسة والصراع والحياة اليومية للأجيال القادمة. وقد اقترح مكلوهان نفسه أن النجاة في هذا العالم الجديد ستكون ممكنة فقط من خلال اعتناقٍ واعٍ للتغيير بدلًا من التقهقر إلى سياسات رجعية.

قال مكلوهان في مقابلة مع مجلة «بلاي بوي» الأمريكية في عام 1969: «إن البيئات التكنولوجية الجديدة تولد أكبر قدر من الألم بين أولئك الأقل استعدادًا لتعديل هياكل القيم القديمة الخاصة بهم، فعندما تشعر مجموعة انفرادية أو اجتماعية بأن هويتها بالكامل معرضة للخطر من جرّاء تغير اجتماعي أو نفسي، يكون رد فعلها الطبيعي هو اللجوء إلى إحدى آليات الدفاع النفسي، وهي الانفجار غضبًا».

«وباستثناء مَراثيهم كلها، لقد حدثت الثورة بالفعل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد