قد لا تكون مبالغة إذا قلنا إنه من الصعب جدًا أن نصادف شخصًا لا يأكل الجبن إطلاقًا، حتى من يأنف نوعًا أو اثنين فهو على الأرجح سيعثر على أنواعٍ أخرى ترضي ذوقه، وربما تكون مفضلة لديه، ومن لا يأكل الجبن وحده، قد يفضل إضافة أنواعه المختلفة إلى أطباقه المتنوعة مثل البيتزا أو المعكرونة، أو حتى السلطة كأبسط مثال، ويبدو أن للجبن تاريخًا قديمًا قدم البشرية، ويبدو أنه لطالما كان عنصرًا مميزًا في طعام الإنسان على مر العصور.

وفي تقرير لها في موقع «ذا كونفيرزيشن»، تأخذنا بيني بيكل -المحاضرة في علم الآثار في جامعة يورك، والباحثة المتخصصة في العصر الحجري الحديث- في جولة سريعة إلى عالم الألبان عمومًا والجبن خصوصًا، مستكشفة ما تبقى من آثاره في مسام جدران الآنية الفخارية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين، ومثيرة أسئلة حول الطرق التي صنع به أجدادنا الأولون الجبن، وحول مركزية الألبان في نظامهم الغذائي.

تفتتح بيني تقريرها ذاكرة أقدم مثال للجبن في العالم، والذي يرجع إلى الكتلة الصلبة البيضاء التي عثر عليها علماء الآثار قبل عدة سنوات في جرةٍ مكسورة بقبرٍ مصري قديم يعود إلى بتحامس الذي كان مسؤولًا مصريًّا رفيع المستوى، وبعد أن حدد فريق علم الآثار الجزيئات الحيوية للبروتينات الموجودة في المادة، رجح أنها كانت مصنوعة من لبن الأغنام أو الماعز.

وترى بيني أن هذا الاكتشاف الذي يعود إلى 3200 عام يعد مثيرًا؛ لأنه يظهر المصري القديم وقد شاركنا حبنا للجبن إلى حد منحه هبةً جنائزية، ليس هذا فحسب، بل يتناسب أيضًا مع فهم علم الآثار المتزايد لأهمية الألبان في تطور النظام الغذائي البشري في أوروبا.

الألبان في الأنظمة الغذائية على مر العصور

وفي مقارنة بين استهلاك البالغين في عصرنا الحالي للألبان، وبين استهلاك البالغين من أسلافنا لها، تقول بيني إن حوالي ثلثي سكان العالم حاليًا يعانون من عوز اللاكتوز، بالرغم من أن الجبن يعد جزءًا من النظام الغذائي اليومي للكثيرين ممن يعيشون في شمال الهند وأمريكا الشمالية، أما سابقًا فإن شرب البالغين للبن لم يكن مسموحًا به إلا بدءًا من العصر البرونزي، وعلى مدار 4500 عام مضت.

تخلص بيني إلى نتيجة مفادها أن البالغين في معظم تاريخ البشرية لم يكونوا قادرين على استهلاك الحليب عقب فترة الرضاعة، وينطبق هذا اليوم على من يعانون من عوز اللاكتوز، إذ لا يكونون قادرين على إنتاج إنزيم اللاكتيز بعد فطامهم، وهو إنزيم ضروري لتحطيم سكريات اللاكتوز في اللبن الطازج إلى مركبات سهلة الهضم، كما يتعرضون لأعراض مزعجة عند تناولهم للألبان، كالانتفاخات والغازات والإسهال.

Embed from Getty Images

أنواع مختلفة من الجبن والألبان

وقد كشف تحليل الحمض النووي للهياكل العظمية البشرية القديمة في أوروبا ما قبل التاريخ؛ أن أول ظهور لجين اللاكتيز الذي يحافظ على إنتاج البالغين للاكتيز كان في عام 2500 قبل الميلاد، لكن هناك ما يكفي من الأدلة من العصر الحجري الحديث على استهلاك الألبان في الفترة ما بين (6000 ق.م– 2500 ق.م).

وهذا ليس مفاجئًا تمامًا، فالعصر الحجري الحديث شهد بداية الزراعة في معظم أرجاء أوروبا، وأول مرة عاش فيها البشر على مقربة من الحيوانات، وعلى الرغم من تعذر هضم الحليب على سكان ذلك العصر، فإننا نعلم أنهم عالجوه في موادٍ يمكن استهلاكها.

دهونها عالقة في شقوق الآنية القديمة

باستخدام تكنيك يعرف بـ«تحليل الدهون» يمكن تحليل الشقوق في آنية الفخار القديمة -بحسب بيني-، ومن ثم تحديد الدهون التي امتصها الطين، ما يسمح لعلماء الآثار في ما بعد بمعرفة ما تم طهيه أو تخزينه داخل تلك الآنية.

ويمكن تمييز دهون الألبان بالرغم من عدم إمكانية تحديد أنواع الحيوانات التي أنتجتها حتى الآن -كما تصف جيني-، كما تقول إنه يصعب أيضًا معرفة التقنيات التي كانت تستخدم لجعل منتجات الألبان آمنة للاستهلاك، فتخمير اللبن على سبيل المثال، يكسر سكر اللاكتوز إلى حمض اللاكتيك (حمض اللبنيك)، كما يحتوي الجبن على القليل من اللاكتوز لأنه يصنع من الرائب الذي يفصل عن مصل اللبن، والذي تبقى فيه غالبية سكريات اللاكتوز.

وقد عثر على غرابيل من الطين في بولندا شبيهة بغرابيل الجبنة الحديثة، وتحمل مسامها دهون ألبان، ما يرجح استخدامها في فصل الرائب عن مصل اللبن، وليس من المعروف ما إذا كان الرائب المفصول يستخدم في ما بعد، أو ما إذا كانت هناك محاولات لحفظه عبر ضغطه ليتحول إلى جبنٍ صلب، لقد استطاع أجدادنا تخمير اللبن، وإن كان من الصعب على علماء الآثار بالتقنيات المتوفرة لديهم حاليًا أن يستكشفوا كيف تم ذلك.

هل صنعوا الجبن قديمًا كما نصنعه اليوم؟

تشير بيني إلى أن تقنيات علم الأحياء الحيوية أطلعتنا على هذه التفاصيل المذهلة عن الأنظمة الغذائية في العصر الحجري الحديث، وهنا يقف دوره مفسحًا الطريق أمام علم الآثار التجريبي ليستكشف ما كان ممكنًا آنذاك.

فقد كان الجبن يصنع منذ وقت مبكر باستخدام الآنية والنباتات والتقنيات التي كانت متاحة للمزارعين في العصر الحجري الحديث، وليس الهدف من التجارب الوصول إلى إعادة إنتاج الأجبان القديمة، ولكن البدء بالتقاط بعض القرارات التي توفرت لصانعي الجبن الأولين، وقد أسفرت هذه التجارب عن بعض النتائج الشيقة.

فبمساعدة هذه التقنيات القديمة، توصلنا إلى إمكانية تخثير اللبن عبر طرق مختلفة، تنتج كل منها أشكالًا وأطعمة وكميات مختلفة من الجبن.

Embed from Getty Images

سيدتان تعملان في صناعة الجبن

وقد تكون هذه المعرفة المتخصصة شبيهة بانتشار صهر البرونز في العصر الحجري الحديث، وقد يكون لمنتجات الألبان وضع خاص بين المواد الغذائية، على سبيل المثال في الموقع الرئيسي للولائم في نهاية العصر الحجري الحديث، والمعروف باسم «دورينجتون وولز»، والذي كان معاصرًا لستونهنج ويقع على مقربة منه، عثر على بقايا ألبان في نوع معين من الآنية الفخارية كانت ترتكز في منطقة تحيط بدائرة خشبية، وهو شكل من أشكال النصب التذكارية التي تعود إلى نهاية العصر الحجري الحديث.

في العصر البرونزي قدم استمرار اللاكتيز مزية لبعض الذين استطاعوا تمريره إلى ذريتهم، ويبدو أن هذه المزية لم تكن بسبب زيادة السعرات الحرارية والمغذيات وحسب، ولكن أيضًا للمكانة المميزة التي حظيت بها منتجات الألبان، وقد تطور التكيف البيولوجي مع اللبن الطازج بعد أن عثر الإنسان على طرق آمنة لإدخال منتجات الألبان إلى النظام الغذائي.

وفي ختام حديثها تقول بيني: هذا دليل على أن البشر ليسوا فقط قادرين على التعامل مع طعامهم لجعله صالحًا للأكل، بل إن ما نستهلكه يمكن أن يقود إلى تكيفات جديدة في بيولوجيتنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد