منذ أكثر من أربع سنوات، علقت سوريا في حرب أهلية ضروس. نحو أربعة ملايين شخص نزحوا من البلاد وجرى تشريدهم. المدن السورية تحولت إلى أنقاض. حطمت الحرب اقتصاد البلاد، كما هو الحال مع سياستها وجغرافيتها. جعلت القوى الخارجية الحرب ملعبًا لمصالحها الخاصة. لم يعد حتى واضحًا ما قد يفضي إليه السلام أو النصر.

ولذا فإن هناك القليل مما يدعو للتفاؤل في سوريا، لا سيما في ظل الشائعات التي تتحدث عن تدخلات تركية وأردنية، فضلًا عن توقعات المحللين التي تشير إلى أن اتفاق إيران النووي سيفضي إلى تدفق المزيد من المال والمزيد من الأسلحة إلى خزائن النظام السوري بقيادة بشار الأسد.

تبدو القصة مختلفة قليلًا في العراق، الذي عانى من نوبته الخاصة من الفوضى. ومع ذلك، فإن الركود الدموي الحالي في بلاد الشام قد يكون الخطوة الأولى على طريق حل اللغز في المشهد السياسي في البلاد. روسيا والولايات المتحدة، واللذان يدعمان طرفي نقيض في الصراع السوري، وفي حالة روسيا، منحت غطاءًا دبلوماسيًّا دوليًّا لحكومة الأسد، شرعا في تبني وجهة نظر رئيسية واحدة: المسار الحالي في سوريا لا يؤدي إلى شيء.

كان ذلك رسالة ضمنية للندوة التي عُقدت مؤخرًا في مركز نيكسون، والذي تحدث فيها فيتالي نومكين، أحد كبار الخبراء المتخصصين في شئون الشرق الأوسط في روسيا، و مدير معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، جنبًا إلى جنب مع بول بيلار، أحد مسؤولي الاستخبارات الأمريكيين السابقين في منطقة الشرق الأوسط، ومحلل الاستخبارات المهنية والإرهاب.

وفي الوقت الذي لم يكن فيه أي منهما يتحدث بالنيابة عن حكومته، كانت درجة الاتفاق بين تقييماتهما للصراع ملحوظة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار الخلافات الأساسية بين موسكو وواشنطن حول العديد من القضايا الحالية الأخرى.

نومكين قال بأن هناك ثلاث قوى رئيسية تخوض الصراع السوري في الوقت الرهن: الحكومة وتنظيم الدولة الاسلامية، أو ما يعرف اختصارًا باسم “داعش” والمعارضة الإسلامية الأكبر التي تميل إلى تنظيم القاعدة.

تبدو الثلاث قوى، حسبما رأى، مصممة على مواصلة القتال، ولديها شهية قليلة لتقديم تنازلات، وتأمل أن تسود في ساحة المعركة. ويتبدى الصراع نفسه في ثلاثة مستويات: محلية وإقليمية وعالمية.

التوازن المحلي للقوى هو هش نسبيًّا: بينما تبدو الحكومة في بعض الأحيان وكأنها تفوز، تبدو في أحيان أخرى وكأنها تخسر. أما الصراع الإقليمي فهو أكثر قابلية للتنبؤ :المملكة العربية السعودية وإيران يبدوان على استعداد للقتال ” حتى آخر سوري”، كما ذكر نومكين. وأخيرًا، بات الصراع العالمي أكثر تعقيدًا، فالجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية يعوقها الاختلاف على مسألة متى وكيف يمكن لحكومة الأسد مغادرة السلطة. غير أنه قال بأن المواقف الأمريكية والروسية تتحرك ببطء نحو التقارب فيما بينهما.

نومكين أشار أيضًا إلى أن هناك قضية التباس واحدة رئيسية، ونعني بها هنا الأهمية المتزايدة للقضية الكردية في سوريا. الأكراد السوريون لديهم عدد من الخلافات مع الجهات الفاعلة الأخرى وتنظر إليهم تركيا باعتبارهم تهديدًا أكثر خطورة من تنظيم الدولة، ومع ذلك، فهم يشكلون قوة رابعة في الصراع.

وعلاوة على ذلك، ووفق ما ذكره القادة الأكراد من مختلف ألوان الطيف السياسي في تركيا لنومكين، فإنهم يرون المكاسب التي تحققت في “روج أفا”-المنطقة الكردية السورية- كنموذج يمكن البناء عليه. لا يمكن أن يكون ذلك مستساغًا لأردوغان.

من جانبه أشار بيلر إلى أن هناك العديد من الأسباب في الوقت الحاضر للاعتقاد بأن الحرب في سوريا لن تنتهي قريبًا:

أولًا: ليس هناك اتجاه واضح في الصراع نحو الحل؛ حتى أن الاستياء بين الهيئات المكونة لنظام الأسد، التي تحدثت بشأنه بعض التقارير، لا يبدو أنه يتخطى حاجز اللاعودة.

ثانيًا: الحرب متعددة الأطراف، وهذا يعني أنه لا يوجد فصيل واحد لديه فرصة جيدة لحشد أغلبية القوة والدعم، وحتى لو حاز فصيل واحد القوة والدعم، فمن المرجح أن يستمر هذا الصراع. (يبلر أشار هنا إلى سقوط نجيب الله في أفغانستان والقذافي في ليبيا كأمثلة سابقة من هذه الظاهرة.)

ثالثًا: التسوية غير محتملة: النظام ومؤيدوه يرون أنفسهم يخوضون حربًا للبقاء على قيد الحياة، في حين أن طبيعة تنظيم الدولة تعني أنه من غير المرجح أن يسعى لأية تسويات.

رابعًا: القوى الخارجية أيضًا في خلاف، ليس فقط حول الجانب الذي ستدعمه ولكن، في حالة داعمي المعارضة، حول أي من التنظيمات والجماعات ستدعمها وكذا آلية ذلك الدعم.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد