أعد الكاتب والصحافي ستيفن أ. كوك مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، يتحدث فيه عن فوز بشار الأسد في الحرب السورية، في حين خسرت أمريكا، وهو ما اعتبره أمرًا جديرًا بالنقاش.

يقول الكاتب –الذي صدر كتابه الأخير حديثًا بعنوان «الفجر الكاذب: التظاهر والديمقراطية والعنف في الشرق الأوسط الجديد»- إنه في وقت سابق من الشهر الجاري رفعت قوات النظام السوري علمها احتفالًا فوق المنطقة الجنوبية من مدينة درعا. على الرغم من أنه سيكون هناك المزيد من إراقة الدماء في ما بعد، إلا أن رمزية الحدث لم يكن ليغفلها أحد.

إن الانتفاضة التي بدأت من هذه المدينة –درعا- في 6 مارس (آذار) 2011 تم سحقها أخيرًا –يقول الكاتب- كما أن الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، وزعزعت أجزاءً من الشرق الأوسط وحتى أوروبا ستنتهي عاجلًا غير آجل. إن بشار الأسد، الرجل الذي كان سقوطه من المفترض أن يكون «مسألة وقت»؛ قد انتصر على شعبه بمساعدة روسيا وإيران وحزب الله.

إن واشنطن مشغولة للغاية بما يحدث الآن عن التفكير في حقيقة أن السوريين أصبحوا الآن أقل، بحوالي نصف مليون شخص، عما كانوا عليه عندما كتب مجموعة من الأولاد على جدران مباني درعا «الشعب يريد إسقط النظام»، منذ سبع سنوات مضت. لكن الآن –يضيف الكاتب- بينما حسمت الأزمة السورية، فإنه يجدر التفكير في غاية ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الجديد. يرى كوك أن أول ما يجب على بلاده أن تقوم به هو التخلص من الشعارات التي طالما كانت جوهر السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، والتي ساهمت في تخبط الولايات المتحدة وشللها في سوريا، وما هو أبعد منها.

يقول الكاتب إنه على الأغلب لا يوجد مسؤول أمريكي إلا وقد نُبِه في وقت ما من مسيرته المهنية إلى مخاطر التفكير بطريقة القياس. لكن ذلك لا يعني أن هذه الدروس وجدت من يصغي إليها. إن الانتفاضة السورية جاءت في وقت خيالي حينما كانت الحرية في الشرق الأوسط تبدو وكأنها تخرج من كل مكان.

إن إثبات قوة الشعب التي بدأت من درعا –التي جاءت مبكرًا بعد سقوط قادة حكموا لزمن طويل في تونس ومصر- كانت محركة ومؤثرة. كما أنها أضفت ضبابية على أحكام الدبلوماسيين وصناع السياسة والمحللين والصحافيين، وجعلتهم غير قادرين على إدراك الفروقات بين «أسد المنطقة» و«بن علي المنطقة»، أو الفروقات بين بنية النظام السوري ونظيره المصري، بحسب تعبير الكاتب.

ولأن المجتمع السياسي لم يتوقع أن يصمد الرئيس السوري كل هذا الوقت، فإنه ظهر عاجزًا عندما اتبع الأسد الاستراتيجية الأكثر وضوحًا وتأثيرًا بفجاجة: مواجهة الانتفاضة بالسلاح. يضيف الكاتب أن الميليشيات السورية المتنافسة، في ذلك الوقت، والجهاديين والقوى الإقليمية، بالإضافة إلى التدخل الروسي، كل ذلك جعل من الصعب قراءة المصالح الأمريكية في الأزمة. لذلك، فإن واشنطن أدانت حمام الدماء، وأرسلت مساعدات للاجئين، وبفتور دربت معارضين «مختارين بعناية»، وقصفت «داعش»، لكنها في ما عدا ذلك ظلت خارج الحرب الأهلية السورية، بحسب كوك.

وحتى لا يصدق أحد أن هذه السياسة كانت تخص فقط الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وتخدم هدفه بالخروج من أزمات الشرق الأوسط وليس الانغماس فيها؛ فإن سياسة الرئيس اللاحق لم تكن مختلفة جوهريًّا، باستثناء أن الرئيس ترامب صريح في ما يخص ترك سوريا لموسكو بعد تدمير «داعش».

يقول كوك: «إن سوريا بالطبع تختلف عن رواندا ودارفور وسربرينيتسا –حتى نقول خلاف ذلك سيكون الأمر تفكيرًا بالقياس- لكنها حالة أخرى من القتل الجماعي الممنهج التي تشل واشنطن. إنه يبدو أن حتى هؤلاء المتمرسين والخبراء في التاريخ لا يمكنهم تجنب إعادته».

الكثير من المحللين والساسة الذين فضلوا أن تظل الولايات المتحدة خارج سوريا، أو تحجيم دورها هناك قد وصلوا إلى هذا الموقف بصدق. ويوضح الكاتب أن هؤلاء نظروا إلى اجتياح العراق عام 2003، وانتقدوا بشدة ما تسبب به هذا الاجتياح من زعزعة للمنطقة، وتمكين إيران، وتدمير علاقات واشنطن بحلفائها، وتغذية عنف المتطرفين، بالإضافة إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة في المنطقة.

لكن كوك يرى أن هؤلاء المحللين والساسة قد فاتهم أن تراخي الولايات المتحدة تجاه الأزمة السورية فعل الأمر ذاته: أدى إلى عدم استقرار إقليمي، وتمكين إيران، وتخريب العلاقات الأمريكية مع أصدقاء في المنطقة، بالإضافة إلى تعزيز جماعات إرهابية عابرة للحدود. مع ذلك فإن قرار الابتعاد قد يكون جيدًا سياسيًّا، لكنه أتى بتكلفة ثقيلة على وضع واشنطن في الشرق الأوسط.

إن تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة وتأثيرها اللذين كشفتهما أزمة سوريا سريعًا، هو تطور لم يفكر فيه المجتمع السياسي؛ لأنه لم يكن من المفترض أن يحدث. يقول كوك إنه بأي مقياس تقليدي للنفوذ، فإن الولايات المتحدة بعد كل شيء، ليس لها نظير. لكن النفوذ مفيد فقط عند تطبيقه، وواشنطن قد برهنت إما أنها غير قادرة وإما غير مستعدة لتشكيل الأحداث في الشرق الأوسط، كما كانت تفعل في الماضي –يمكن القول إنها تنازلت عن تأثيرها. ويضيف الكاتب أن ذلك ربما يكون تطورًا إيجابيًّا. فلا أحد يريد تكرار مأساة العراق.

وبدلًا من واشنطن، فإن موسكو هبت لتعرض نفسها شريكًا أفضل وأكثر كفاءة لدول الشرق الأوسط. لا يوجد الكثير من المتعاونين مع موسكو حتى الآن باستثناء السوريين، لكن مع ذلك، يبدو أن هناك كثيرين آخرين مهتمون، والأزمة السورية هي السبب الرئيسي في ذلك.

ويقارن الكاتب بين الطريقة التي ظهر بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنقاذ حليفه من الأزمة –الأسد-، وبين الطريقة التي أدرك بها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أن أوباما قد ساعد لإطاحة حسني مبارك من الرئاسة بعد 30 عامًا. إن المصريين والسعوديين والإماراتيين والإسرائيليين وغيرهم ربما لا يحبون الأسد كثيرًا، لكن رد الفعل القوي الذي قامت به روسيا في البداية لمنع سقوط الديكتاتور السوري، ثم جهود موسكو لتمكين الأسد من انتصار واضح؛ قد أذهل كل هؤلاء.

إن سوريا الآن تعتبر حجر الأساس ومحور استراتيجية روسيا لفرض نفسها قوة دولية، كما أن نفوذها المتجدد في الشرق الأوسط يمتد من دمشق شرقًا باتجاه حكومة إقليم كردستان وحتى إيران، ومن العاصمة السورية جنوبًا حتى مصر قبل الانحناء غربًا إلى ليبيا.

يضيف الكاتب أن إسرائيل وتركيا ودول الخليج ما زالوا ينتظرون القيادة من واشنطن، لكنهم بدؤوا في طلب المساعدة لتأمين مصالحهم في الكرملين. فرئيس الوزراء الإسرائيلي أصبح ثابتًا في جانب بوتين، والرئيس التركي ونظيره الروسي أصبحا جنبًا إلى جنب مع القادة الإيرانيين، شركاء في سوريا، كما أن الملك سلمان قام بأول زيارة يقوم بها ملك سعودي لموسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، بالإضافة إلى أن الإماراتيين يؤمنون أن الروس يجب أن يكونوا «على الطاولة» من أجل المناقشات ذات الأهمية الإقليمية.

يقول كوك: «إن العهد الذي كانت تحدد فيه الولايات المتحدة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وتحافظ على نظام إقليمي جعلها من السهل نسبيًّا وبأقل الخسائر تمارس نفوذها؛ قد استمر 25 عامًا. لكنه انتهى الآن».

إن الموقف في سوريا يكشف التناقض العميق لدى الأمريكان تجاه الشرق الأوسط، وإغفال مصالح الولايات المتحدة هناك التي طالما اعتبرها المسؤولون الأمريكيون مهمة: البترول، وإسرائيل، والهيمنة الأمريكية على المنطقة لضمان النقطتين السابقتين. يضيف الكاتب أن الأمريكيين يتساءلون: لماذا تنتشر قواعد بلادهم العسكرية في الخليج العربي إذا كانت الولايات المتحدة تستعد لتصبح أكبر منتج للبترول؟ بعد حربين حاسمتين خلال 17 عامًا، فلا أحد يمكنه أن يعرض سببًا وجيهًا على الأمريكان حول لماذا يعتبر نظام الأسد مشكلتهم. إن إسرائيل ما زالت تتوسع، وخلال 70 عامًا أثبتت أنها تستطيع الاعتماد على نفسها. كما أن أوباما وترامب خاضا الانتخابات ببرامج تقشف وفازا بالفعل.

يقول كوك إن ربما الآن وبعدما فاز حزب الأسد- بوتين- خامنئي، ستكون هناك فرصة للأمريكيين لمناقشة ما هو المهم في الشرق الأوسط ولماذا. ومع ذلك، لن يكون الأمر سهلًا. كما أن الكونجرس يعاني شللًا واستقطابًا. إن نهج ترامب تجاه المنطقة يحدده فقط جرأة الرئيس وشجاعته. فهو استمر في سياسات عهد أوباما بمحاربة الجماعات المتطرفة، لكنه بعد ذلك خالف سلفه ونقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس. كما انسحب ترامب من اتفاق إيران النووي، ومع ذلك، فإنه لم يفعل منذ ذلك الحين بخصوص إيران سوى إطلاق تصريحات حادة. كما أنه يريد مغادرة سوريا «قريبًا جدًا»، حتى مع تعهد مستشاره للأمن القومي بالبقاء هناك طالما تواجدت إيران.

وبرغم هذا التشوش وبسببه أيضًا، فإن الآن هو الوقت المناسب للنقاش بشأن الشرق الأوسط. إن الجدال الذي يفرض نفسه –بحسب الكاتب- هو أن المصالح الأمريكية تتطلب دورًا أمريكيًّا فعالًا في المنطقة، كما أن جدالًا آخر يفرض نفسه بالقوة نفسها، وهو أن أهداف الولايات المتحدة يمكن حمايتها من دون حروب، أو مشاريع هندسة اجتماعية، وعمليات سلام، ومفاوضات في جنيف. لكن الآن، فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تتراوح في شكلها بين التناقض والتراخي.

ويختتم كوك مقاله قائلًا: «تحت هذه الظروف فإن سوريا وروسيا وإيران سيستمرون في الفوز».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد