شارك المسلمون التبتيون في الانتفاضة التبتية البوذية التي اندلعت عام 1959، وتأثروا بتبعاتها مثل البوذيين تمامًا. لذا، يروي صفوت زرجار، الصحافي من مدينة سريناغار، في المقال الذي نشرته مجلة «ذا ديبلومات» اليابانية بعض القصص التي تكشف معاناة المسلمين التبتيين في كشمير.

وذكر زرجار قصة آمان الله خارموهرا (63 عامًا)، المسلم التبتي، الذي احتفظ بتصريح سفره وكأنه أثر مقدس. ويحمل التصريح المغلف بين رقاقتين من البولي إثيلين الشفاف، صورًا لخارموهرا -في السادسة من عمره- ووالديه وشقيقيه. وهذه الوثيقة هي التي ضمنت دخول خارموهرا وعائلته إلى الهند في أعقاب انتفاضة التبتيين الفاشلة ضد الحكم الصيني عام 1959.

ففي مارس (آذار) عام 1959، دفعت الانتفاضة التي قادها سكان المنطقة -وغالبيتهم من البوذيين- الحكومة الصينية إلى شن حملة قمعية وحشية. وأدت الحملة أيضًا إلى نفي الدالاي لاما الرابع عشر، أبرز القادة الروحانيين البوذيين في التبت، إلى الهند. وسار آلاف البوذيين على خطى زعيمهم الروحاني ليستقروا في الهند، مخافة اضطهاد السلطات الصينية بحسب المقال.

وقال آمان الله خارموهرا في حديثه إلى مجلة «ذا ديبلومات»، من داخل مقر إقامته المكون من غرفتين، الذي خصصته له الحكومة داخل سريناغار، العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية: «لكننا اخترنا الاستقرار في كشمير لأنها موطن أجدادنا».

وكانت عائلة خارموهرا من بين 129 عائلة تبتية مسلمة سمحت لها الحكومة الصينية في التبت بالعودة إلى الهند، بحسب المقال. وجاء التصريح في أعقاب مداولات شابها التوتر بين القنصلية الهندية في التبت، والحكومة الصينية.

وأورد المقال المذكرة الصادرة عن وزارة الشؤون الخارجية في نيودلهي، والموجهة إلى سفارة الصين في الهند يوم 24 سبتمبر (أيلول) عام 1959، والتي نصت على التالي:

«… الأشخاص الذين ما يزال محل إقامتهم الدائم هو ولاية جامو وكشمير، والذين يزورون الهند بين الفينة والأخرى، والذين وُلد أبواهم -أو أحد أبويهم- في الهند غير المقسمة، هم مواطنون هنديون محتملون. وهم مجموعة الأشخاص الذين صرحوا للسلطات الصينية مرارًا وتكرارًا بأنهم مواطنون هنديون. ومن الواضح أنهم قدموا طلبات مكتوبة لتسجيلهم بصفتهم مواطنين هنديين، ويحق لهم المطالبة بفوائد الجنسية الهندية بموجب الأحكام المنصوص عليها في الدستور وقانون المواطنة».

وبمجرد السماح لهم بدخول الهند، تقضي العائلات بعض الوقت في حي كاليمبونج بولاية البنغال الغربية، قبل أن ينطلقوا في طريقهم إلى وادي كشمير. إذ استرجع خارموهرا ذكرياته قائلًا: «كنا نستقر في البداية داخل خيام مؤقتة في أرض إديجاه بسريناغار. لكن بمجرد دخول الشتاء، تنقلنا السلطات إلى مسكن حكومي».

Embed from Getty Images

الكشميريون في التبت

ذكر زرجار أن الخبراء جادلوا بأن المسلمين التبتيين، الذين يمثلون أقليةً في التبت، تعود أصولهم إلى المناطق الأربع الرئيسية المحيطة بالتبت: كشمير، ولداخ، والصين، ونيبال.

وكتب ألكساندر بيرزين، الأستاذ والمترجم البوذي، في مقاله حول تاريخ المسلمين التبتيين: «وقبل عام 1959، كان هناك قرابة 3 آلاف مسلم تبتي يعيشون في التبت الوسطى. وهم أحفاد التجار المسلمين الذين وصلوا إلى التبت قادمين من كشمير ولداخ ونيبال والصين، بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، وتزوجوا من النساء التبتيات ليستقروا هناك. وكانوا يتحدثون اللغة التبتية ويتبعون العادات التبتية».

وبحسب خارموهرا، فإن المسلمين من أصل كشميري في التبت كان يعرفون باسم «كاشي يول» بين التبتيين المحليين. وفي اللغة التبتية الأصلية، فإن كلمة «كاشي» تعني كشميري، في حين أن كلمة «يول» تعني البلد. وأورد زرجار أن السمة المميزة الأخرى للمسلمين التبتيين هي أسماء طائفتهم الكشميرية، مثل: لوني ومير وجاناي وبوت.

قطعة من التبت في كشمير

وأوضح زرجار أن وادي كشمير يستضيف اليوم أكثر من 1500 مسلم تبتي. وترتكز غالبية تلك العائلات تحديدًا داخل المدينة القديمة في سريناغار، حيث يعيشون في مقرات الإقامة والمنازل التي خصصتها لهم الحكومة، وأنشئت فوق أرض مستأجرة.

ورغم تأكيد المجتمع المسلم التبتي في كشمير أصوله الكشميرية، لكن ذلك لم يُترجم إلى مواطنة دائمة في ولاية جامو وكشمير بالنسبة لهم من وجهة نظر زرجار. مما يعيق ذلك المجتمع فعليًّا عن التقدم للوظائف الحكومية، وامتلاك العقارات غير المنقولة. وبموجب الدستور الهندي، فإن الهيئة التشريعية في ولاية جامو وكشمير هي الوحيدة التي تمتلك سلطة تحديد «المواطنين الدائمين» بالولاية، ومنحهم الحقوق الخاصة مثل: الوظائف الحكومية، وامتلاك العقارات، والحصول على المنح.

ويرى زرجار أن هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع قادة المجتمع إلى تأكيد أن الولاية حرمت المجتمع المسلم التبتي من الانتعاش الاقتصادي. إذ قال حفيظ أحمد، أحد أبناء ذلك المجتمع في سريناغار: «لا يملك أحدنا وظيفةً حكومية، ولا نستطيع شراء العقارات. ويعمل غالبيتنا في وظائف خاصة منخفضة الأجر، أو يفتحون مشاريعهم التجارية الخاصة».

وفي مثل هذه الحالة، أجدى المطبخ التقليدي والملابس التبتية نفعًا بحسب زرجار. ورغم أن أعدادهم ليست كبيرة، لكن تأثير الثقافة والمطبخ التبتي يبدو واضحًا في كافة أرجاء الوادي. فمثلًا، من المعتاد أن تشاهد المطاعم التي تبيع الطعام التبتي في كل ركن. وعلى المنوال نفسه، فإن المنسوجات التبتية المطرزة، التي تعرف محليًّا باسم «بوتا تيلا»، هي جزء أساسي من الأزياء الكشميرية التي يجب أن تحصل عليها العرائس المتزوجات حديثًا.

Embed from Getty Images

وقال حامد بوت (42 عامًا)، مالك أحد أقدم وأشهر المطاعم التبتية في سريناغار: «عانيت كثيرًا خلال السنوات الثلاث الأولى؛ إذ لم يكن هناك مفهوم للطعام التبتي في كشمير. لكن الأمر اكتسب زخمًا ببطء». وفي عام 2005، قرر بوت التخلي عن أعمال التطريز وتجربة شيء جديد. إذ أوضح قائلًا: «كان والداي يعرفان طريقة طهي الطعام التبتي التقليدي، لذا جربنا الأمر. واليوم، تجني ثلاث عائلات تبتية قوتها من هذا المشروع».

وتعلم بوت، الذي وُلد في سريناغار، كافة جوانب الثقافة الكشميرية المحلية. إذ يتحدث الكشميرية بطلاقة، ويجلس مع عملائه ليسألهم عن رفاهيتهم على الطريقة المحلية. وعلى غرار كافة العائلات التبتية، يفضل بوت المطبخ الكشميري المحلي في المنزل. إذ قال: «أنا تبتي المظهر فقط. ولكنني كشميري نقي… نحن نتناول الأرز على الطريقة الكشميرية، ونشرب النان شاي (الشاي المالح)».

ولكن زرجار أفاد أن ذلك لا يعني أن بوت لا يحمل في قلبه حبًّا للتبت. إذ يتزين مطعمه بصور المناظر الطبيعية لشينجوان وقصر بوتالا الشهير. وقال: «نحن نكِن احترامًا كبيرًا للدالاي لاما بصفته ملك التبت. إذ إن الدالاي لاما هو من منح المسلمين الكشميريين أرضًا ليستقروا عليها في التبت قبل قرون مضت».

الاستيعاب الثقافي

يعتقد زرجار أن عقود تقاسم الأرض في كشمير أدت إلى تقارب المسلمين التبتيين أكثر مع ثقافة المجتمع الكشميري المحلي. وخلال الأعراس الكشميرية، تقدم للضيوف وجبة من عدة أطباق، تعرف محليًّا باسم «وازوان». ويتناول المسلمون التبتيون الوجبة أيضًا للاحتفال بالأعراس، مع توخي الحذر.

إذ قال عبد الرحمن لوني (73 عامًا): «تتراوح أعداد الأطباق التي تقدم في الأعراس الكشميرية المحلية بين ثمانية و10 أطباق، لكننا أرسينا قانونًا صارمًا يحظر تقديم أكثر من أربعة أطباق». وحين يتعلق الأمر بالملابس، لا توجد الكثير من الاختلافات بين السكان المحليين، والمسلمين التبتيين؛ إذ إن «الشوبا»، الفستان الرسمي للمجتمع التبتي -وهو ثوب بطول الكاحل- يتم ارتداؤه فقط خلال الأعراس.

وكشفت الحكومة التبتية، المنفية في دارامسالا بالهند، عن اهتمامها بالقضايا المتعلقة بالمجتمع المسلم التبتي في كشمير، بحسب المقال. إذ قدم الدالاي لاما نفسه مساعدات مالية لتشييد البنية التحتية للمدرسة التبتية العامة في سريناغار. فضلًا عن أن أحد المراكز الصحية المجتمعية في سريناغار يجري تشييده بمعونة من وزارة الصحة في إدارة التبت المركزية.

وأوضح مسعود بوت، المدير المسؤول عن المدرسة: «هناك حوالي 680 طفلًا مسجلًا في هذه المدرسة، لكن أكثر من 85% منهم هم كشميريون محليون. ورغم أن الدالاي لاما ساعدنا كثيرًا، لكن المدرسة تخضع لإدارة (اتحاد الشباب المسلم التبتي)، وهي منظمة غير حكومية يديرها شباب مسلمون تبتيون محليون».

وبحسب أضفر راشد شاه، دكتور علم الاجتماع في الجامعة الملية الإسلامية بنيودلهي، فإن المجتمع استوعِب ثقافيًّا -وليس «نفسيًّا»- داخل المجتمع الكشميري.

وقال شاه، الذي درس المجتمع عن قرب، في حديثه إلى مجلة «ذا ديبلومات»: «لقد تقبلهم الكشميريون، وعاشوا هنا العقود الستة الأخيرة، ولم تظهر خلافات بينهم وبين الكشميريين المحليين. وقد امتزجوا مع المجتمع المحلي، ولكن ما تزال هناك فجوة. وهم مميزون لأنهم يؤمنون بأنهم متميزون. وبخلاف ذلك، فإن الاستيعاب الثقافي الكامل هو أمر ممكن في هذا الوقت».

وأحد الأدلة على أن تلك الفجوة بدأت تُسد أخيرًا، بحسب المقال، هو ارتفاع موجة الزيجات المتقاطعة بين الكشميريين المحليين، والمسلمين التبتيين. إذ قال أبناء المجتمع إن قرابة العشر زيجات من هذا النوع حدثت خلال السنوات الأخيرة.

دينهم مشهور بالمحبة والسلام.. تاريخ البوذيين مع الدماء!

لا مساحة للنمو

أفاد زرجار أنه في غياب احتمالية الحصول على وظيفة حكومية، والافتقار إلى وجود القطاع الخاص داخل ولاية جامو وكشمير المتنازع عليها، يشهد المجتمع هجرةً متزايدة للشباب المتعلم إلى المدن الهندية في البر الرئيسي، مثل دلهي، إلى جانب دول الخليج. وفي غالبية الأحيان، ينتهي بهم الأمر إلى العمل في وظيفة مرهقة بأحد مراكز الاتصالات من أجل إعالة أنفسهم، والحصول على المزيد من الدراسات.

إذ يقضي معين أحمد شيخ (26 عامًا) خمسة أشهر سنويًّا داخل العاصمة الهندية نيودلهي لبيع السترات. وطوال بقية أشهر العام، يعمل شيخ داخل متجر التطريز الخاص بوالده في منطقة إديجاه بسريناغار. وبعد أن اجتاز اختبار الصف العاشر، ترك شيخ دراسته للمساعدة في إعالة أسرته، بحسب المقال.

وأوضح شيخ: «أنا الابن الوحيد لوالديّ، ولم يعد والدي قادرًا على إدارة المتجر مثل السابق. في البداية، كنت أشغل وظيفة البائع، ولكنني تعلمت مع الوقت تنفيذ أعمال التطريز. ولم تكن الحياة لتختلف كثيرًا في حال أتممت دراستي؛ لأنني لست مؤهلًا للحصول على وظيفة هنا».

ولا يغيب ذلك الإدراك عن عقول أهالي الشباب المسلم التبتي، بحسب زرجار. إذ تشعر سلمى (45 عامًا) بالقلق حيال مستقبل ابنها. ونجحت سلمى، التي تعمل طاهيةً في مطعم تبتي محلي، وزوجها في توفير ما يكفي بالكاد لإعالة نفسيهما وطفلهما الوحيد، احتشام. وقالت سلمى آسفةً: «هو الآن في الصف الثاني عشر. ونخطط لإرساله إلى دلهي ليحصل على وظيفة خاصة ويواصل دراسته. ليس لدينا خيار آخر».

ويؤمن شاه بأن الصراع في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية سلط الضوء على المشكلات التي يواجهها المسلمون التبتيون في كشمير، وحال دون التوصل إلى حلول. إذ أوضح شاه: «كشمير هي منطقة حرب، حيث يكتنف عدم اليقين كل شيء. وفي ضوء سيناريو يتعرض خلاله غالبية سكان المنطقة لمعاملة المواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، فمن المضحك أن نتوقع أن أحدًا سوف يتحدث عن محنة المسلمين التبتيين. إذ إن القضية الرئيسية في كشمير هي الصراع، مما يهمش كافة القضايا الأخرى تلقائيًّا. وستظل قضاياهم دون حل».

ورغم أن عدم اليقين السياسي يشكل الخطاب الأكبر داخل الوادي، لكن شاه يرى أن هناك أيضًا «لا مبالاة أكاديمية وعدم اهتمام علمي» بالمجتمع داخل كشمير.

Embed from Getty Images

عائلات محطمة

كانت عائشة (73 عامًا) تبلغ من العمر 13 عامًا فقط حين غادرت عائلتها التبت في طريقها إلى الهند، بحسب المقال. وكان والدها، حاجي عبد القادر جامي، واحدًا من القادة المسلمين التبتيين الذين انتفضوا ضد الحكومة الصينية للمطالبة بحقوقهم. وإبان هجرتهم، احتجزت الحكومة الصينية جامي، إلى جانب أربعة قادة مسلمين آخرين.

واسترجعت عائشة ذكرياتها قائلةً: «أخبرتنا السلطات الصينية أن نغادر، وأكدت لنا أن والدنا سينضم إلينا بالقرب من حدود التبت. وانتظرت مع والدتي وشقيقاتي الأربع لمدة أسبوع، لكن والدي لم يظهر له أثر. وبمجرد وصولنا إلى كاليمبونج بولاية البنغال الغربية، انتظرنا هناك أيضًا. لكن ذلك الانتظار امتد لسبع سنوات. ثم انتقلنا في النهاية إلى كشمير. ولم يأت والدي مطلقًا، ولم نعلم ماذا حدث له».

وأوضح زرجار أن قصة عائشة ليست قصةً فردية؛ إذ إن كافة عائلات المجتمع لها أقارب ما يزالون في التبت. وليست هناك وسيلة تمكن أفراد العائلات من معرفة أحوال أقاربهم، أو إذا كانوا ما يزالون على قيد الحياة. وعلى مر السنوات، كانت عمليات الرقابة الصارمة وتصاريح السفر تعني الحد من الصلة بين العائلات المتفرقة، أو انعدامها من الأساس.

إذ قال عبد الله جامي (73 عامًا)، من هاوال بسريناغار: «أتى نجلا أخي الأكبر المتوفي لرؤيتنا في منتصف الثمانينيات، لكننا لم نستطع التواصل معهما منذ ذلك الحين. ورغم علمي بأن لدي عائلة أخي وأقاربنا هناك، ولكن الأمر يبدو (وكأنهم) لا وجود لهم».

كشمير.. «فلسطين الثانية» التي لا نعرف عنها الكثير

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد