ترسم صناعة الغزل والنسيج صورة دقيقة للعولمة؛ تزداد قيمتها على طول مراحل الإنتاج، بينما يتم تجاهل الآثار البيئية والمعاناة الإنسانية تمامًا، يتتبع تقرير نشره موقع «ctxt» الإسباني آثار هذه الصناعة على البيئة والمجتمع، بحيث نرى ما الذي يسبق وصول آلاف القطع من الملابس التي نتجول في الأسواق لنختار منها ما يرضينا، ويكشف كيف أن آثارها أكبر مما نتخيل.

Embed from Getty Images

شهدت التجارة العالمية توسعًا كبيرًا على مدى العقود الماضية، تغذّيها عجلة لا يمكن وقفها من الإنتاج والاستهلاك، ووفقًا لهيئة الموارد الدولية، وهي هيئة تابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فقد تضاعف حجم التجارة وقيمتها الاقتصادية بين عامي 1980 و2010 ستة أضعاف. وبدلًا عن التركيز على التبادلات المباشرة للسلع الاستهلاكية، فإننا إذا ما نظرنا إلى متطلباتها من المواد الخام، أي إلى الوجه المادي للتجارة الذي يتم حسابه بالطن، فسنكتشف أن قدر المواد المستخدمة أعلى بكثير مما تخبرنا به التبادلات التجارية المباشرة. في عام 2010، وفقط لإنتاج 10 مليار طن من المنتجات المتداولة، استلزم الأمر استخراج 30 مليار طن من المواد الخام.

كل ما يلوث البيئة يتم في الدول الفقيرة

إن نظرة على التوازن المادي للتجارة تكشف لنا عدم وجود توازن في استخدام الموارد: هناك مناطق كبيرة تصدّر المواد الخام ومناطق كبيرة تستوردها. وهكذا لا يوجد سوى منطقتين رئيستين تستوردان المواد الخام: الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية.

Embed from Getty Images

تعتبر آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مصدرًا صافيًا للمواد الخام. وهناك ظروف بيئية مختلفة للغاية في مناطق الاستيراد والتصدير ترتبط بالتوزيع الجغرافي لمختلف العمليات في سلاسل القيمة. إن الهدف المتمثل في تعظيم القيمة مع تقليل التكاليف في الوقت نفسه يؤدي إلى إجراء الخطوات الأكثر كثافة في استهلاك المواد والطاقة – وبالتالي أكثر الخطوات الملوِثة للبيئة – في بلدان الجنوب، حيث يوجد سوق حر، والقليل من القيود فيما يتعلق بحماية البيئة، وفي الوقت نفسه تتم خطوات السلسلة ذات القيمة المضافة الأكبر (مثل التصميم)، والتي تُحدث تأثيرًا بيئيًا منخفضًا، في البلدان الغنية؛ الوجهة الأخيرة لهذه المنتجات، وهكذا يتمكن المنتجون من الالتزام نسبيًا بالتشريعات البيئية والاجتماعية وبيئية.

سوق عالمي للملابس

لا تتوقف صناعة النسيج عن النمو. في عام 2017 زادت المبيعات بنسبة 1.2% وارتفع حجم التجارة بنسبة 3.1% مقارنة بعام 2016، يقول التقرير: إن 65% من النمو المتوقع في قطاع الغزل والنسيج على مدى السنوات الخمس المقبلة سيحدث في بلدان بريكس – البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا – حيث يتم إنتاج الجزء الأكبر من الملابس التي نرتديها في البلدان المركزية. وبالتالي فإن صناعة النسيج ليست استثناءً من خطة التوزيع هذه التي تنقل التجارة فيها المشاكل البيئية المرتبطة بالأنشطة الإنتاجية من البلدان المستوردة الرئيسة إلى البلدان المصدرة الطرفية.

إنها المثال النموذجي، فالمتوقع أن يصل النمو العالمي للمبيعات في القطاع إلى تريليوني دولار على المدى القصير، بينما انخفض متوسط سعر الملابس في السنوات الأخيرة. ولا يمكن لهذا الفرق أن يتحقق إلا بمزيد من الضغط على الأفراد والبيئة في عملية إنتاج المنسوجات، بما يُحدثه ذلك من نتائج دراماتيكية حقيقية في الكثير من المجتمعات في دول الجنوب.

Embed from Getty Images

يوضح ولفجانج كورن ما يحدث بشكل جيد في قصة صغيرة عن العولمة العظيمة بعنوان: «جولة معطف أحمر في العالم» في صورة رُسمت لجمهور شاب، يحكي كورن فيها عن دورة حياة معطف من البوليستر منذ استخراج البترول وحتى تصنيعه ووصوله إلى المحطة الأخيرة في المتاجر الكبرى في ألمانيا. وخلال الرحلة التي يقطعها المعطف يرسم كورن صورة واقعية دقيقة لعدم المساواة، كيف يعاني سكان بلد مثل بنجلاديش – إحدى أكبر قوى النسيج في العالم – رغم ما لديها من احتياطيات نفطية خاصة، من انقطاع التيار الكهربي. وكيف يُضطر فيها العمال غالبًا إلى وضع أقدامهم أو أذرعهم العارية في خزانات من الأحماض والأصباغ السامة لتجنب انسداد الماكينات، وكيف أن صناعة الياقات الزرقاء تتسبب في كارثة تلوث المياه في بلد يمر منه فروع الأنهار، ثم تصب في خليج البنغال، والكثير منها أصبح ملوثًا.

هناك أكثر من 700 قطاع للغسل والصباغة والتجميع تصرّف مياهها في أنهار عاصمة بنغلاديش (دكا). العديد من هذه الصناعات النسيجية تتخلص من المياه دون معالجة. على الرغم من وجود صناعة النسيج لا يزال 70% من سكان البلاد يعيشون على الزراعة، وخاصة زراعة الأرز. وبسبب ما تُحدثه صناعة النسيج من تلوث لمياه الأنهار تغرق الحقول وتقضي على الأسماك؛ مما يجعل حصول السكان على مياه الشرب والغذاء أمرًا صعبًا.

Embed from Getty Images

تماثل ظروف صناعة النسيج في بنجلادش تلك القائمة في أمريكا الوسطى أو في مصانع النسيج الصينية؛ عاملات من الإناث وضعهن أقرب إلى الاستعباد في الغالب، شابات وفتيات يقتضين أجورًا بائسة ولديهن أطفال وأسر تعتمد فقط على دخولهن كمصدر للعيش، وساعات لا نهاية لها من العمل في أماكن مزدحمة تعانين فيها من سوء التهوية، فضلًا عن المعاملة المهينة من رؤسائهن، في ظروف من انعدام الأمن والافتقار التام للحماية وحقوق العمل. في أماكن مثل الصين؛ أكبر مصنّعي النسيج في العالم – والمورّد الرئيس لصناعة النسيج الإسبانية مثلًا – يتفاقم الوضع بسبب عدم الشفافية وغياب النقابات لمراقبة العمال وضمان حقوقهم، مثل تلك النقابات التي عادت للظهور بقوة في بلدان مثل بنجلاديش عقب حوادث مأساوية مثل انهيار مبنى سافار، التي مضى على حدوثها خمس سنوات.

تلك المأساة التي انهار فيها مبنى يضم مصانع النسيج مما تسبب في قتل وجرح أكثر من ثلاثة آلاف شخص، تبدو علامة فاصلة لما قبلها وما بعدها فيما يتعلق بظروف العمل في صناعة النسيج في الجنوب. ومع ذلك ، فكما حدث مع تعهدات أخرى من بعض القادة الأوروبيين الذين وعدوا بإعادة تشكيل الرأسمالية بعد الأزمة المالية لعام 2008، فإن كل هذه الوعود لإنشاء آليات تحكّم أكثر صرامة، وتنفيذ مبادرات أفضل لصناعة النسيج، وما إلى ذلك، ذهبت أدراج الرياح؛ لقد ارتفعت بالكاد الأجور، بينما لا تزال النقابات تعاني من التضييق المستمر.

مياه ملوثة وانبعاث غازات دفيئة

تُعتبر صناعة الغزل والنسيج إحدى أكثر الصناعات الملوِثة للبيئة وأكثرها استهلاكًا للمياه. يتم استهلاك 70% من المياه في العالم في الزراعة، جزء منها يخصص لزراعة القطن، وهو أكثر الألياف الطبيعية استخدامًا في هذا القطاع في جميع أنحاء العالم. وفقًا للصندوق العالمي للطبيعة WWF فإن صناعة قميص واحد تستهلك 2,700 لترًا من المياه، وهو ما يعادل الكمية التي يستهلكها شخص واحد خلال 900 يومًا. في صناعة النسيج تعتبر زراعة القطن هي الخطوة الأكثر استهلاكًا للمياه في سلسلة الإنتاج في هذا القطاع. مقارنة بالبوليستر والألياف الصناعية الأخرى، يمثل القطن 40% من المواد الخام المستخدمة في الملابس المصنعة. ورغم ذلك لا يمثل القطن العضوي سوى 0.5% من إجمالي إنتاج القطن.

Embed from Getty Images

تُعتبر صناعة الغزل والنسيج إحدى أكثر الصناعات تلويثًا للبيئة، على الصعيد العالمي هي السبب في تلوث 20% من المياه. ربع المواد الكيميائية التي يتم إنتاجها في العالم تدخل في صناعة النسيج. وبسبب تصاعد الانتقادات لهذه الآثار البيئية للمنتجات التي نرتديها انتشرت الملصقات الخضراء على الملابس، لكن يبقى التمييز في هذا القطاع صعبًا بسبب غياب الشفافية ووجود القليل جدًا من المعلومات عن عمليات الإنتاج. على سبيل المثال، تجنبًا لإنتاج الأنسجة المشتقة من البترول، مثل البوليستر، أو القطن، والتي تُنتقد بسبب استهلاك المياه، لجأ الكثير من المنتجين إلى إنتاج الفسكوز الذي يعتمد إنتاجه على الألياف النباتية، غير أنه أيضًا يحتاج لمعالجة كيميائية تسبب تلوثًا شديدًا للبيئة. ورغم تقديمه للمستهلكين – غالبًا – على أنه خيار لصالح البيئة، إلا أن الطلب المتزايد على الفسكوز في قطاع الأزياء يُخفي دمارًا فادحًا للحياة في دول مثل الصين والهند وإندونيسيا.

وفقًا للتقرير فإن إلقاء مياه صرف غير معالجة أمر يومي يحدث غالبًا في بيئة من الفساد وبتواطؤ من المسؤولين؛ مما يؤدي إلى تلوث مصادر المياه المحلية، مع ما يسببه ذلك من عواقب وخيمة على مجتمعات الصيادين والمزارعين ومربي الماشية الذين يعيشون في المنطقة، حيث لا يقتصر الأمر على اختفاء تلك الموارد، بل يمتد إلى إصابة السكان بالأمراض وحتى الموت بسبب تسمم المياه، يُشتبه في أن صناعة الفسكوز أحد أسباب ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السرطان في بعض مناطق الإنتاج. الشركات الكبيرة مثل: «زارا، وإتش آند إم، ودوكرز، وليفيس، وبينيتون»، تحصل على الفسكوز من بعض الأماكن التي تم إجراء البحث فيها.

يضيف التقرير أن حزمة التلوث المرتبطة بالإنتاج تتضمن أيضًا انبعاث الغازات الدفيئة. وفقًا لمجلة «نيتشر» فإن صناعة النسيج وحدها مسؤولة عن 5% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم.

المصنع الأكبر في العالم: الصين. هي أيضًا أكبر منتج عالمي لانبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن قطاع الغزل والنسيج. وهي بدورها أيضًا أكبر مصدر لتلك الانبعاثات المدمجة في الملابس والأحذية التي يسافر معظمها إلى بلدان مثل الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي، وباقي آسيا بدرجة أقل.

المستهلك النهائي

إن نمو عالم الموضة غير مستدام على الإطلاق، يتطلب نمو أرباح العلامات التجارية الكبرى اليوم شراء ملابس أكثر بنسبة 60% مما تم شراؤه عام 2000. ما يقرب من 60% من الملابس ينتهي بها المطاف إلى الحرق أو الإلقاء في مكبّ النفايات، بينما يُعاد تدوير 1% فقط مما تم إنتاجه. دون أي زيادة ، الإسبان – على سبيل المثال – يتخلصون من 160 طن من الملابس المستعملة كل عام.

Embed from Getty Images

حتى صلاحية النسيج، في الوقت الحاضر لم تعد نوعية الملابس جيدة، تتحمل القليل من الغسيل وسريعًا ما تبلى أو تنقطع. تدور العجلة دون توقف: ملابس، لا تبقى الملابس أحيانًا أكثر من أسابيع على شماعات متاجر الأزياء. في قطاع الأزياء، في الموضة أيضًا تدور العجلة بسرعة عالية جدًا بما يثير التساؤل حول التغييرات الرائعة التي يمكن إجراءها خلال هذا الدوران السريع.

لهذا السبب من المهم أن نلقي الضوء على أن إنتاج الملابس في ظل ظروف بيئية واجتماعية مروعة في بلدان العالم ثالث هو بالضبط ما يجعل تجديد الملابس نظير بضعة يوروهات أمرًا ممكنًا في الدول الأخرى، دون أن يرى أحدهم أو يدرك قدر الطاقة والمياه والتربة والمواد التي استلزمت إنتاج هذه القطع الرخيصة، ودون أن يدرك أيضًا حجم الاستغلال والمعاناة الإنسانية التي مر بها أناس آخرون، إن الضحايا الحقيقيين للموضة عاملات بنجلاديش أو الصين أو أمريكا الوسطى، هناك القليل من البدائل. وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات التي تعزز الموضة المستدامة، أو شراء المستعمل، يبقى أفضل طرق الشراء فيما يتعلق بالملابس الشراء القليل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد