في تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، تناول أورين كيسلر، نائب مدير الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، دور جماعة الإخوان المسلمين في فترة ما بعد ثورة 25 يناير، وأسباب إطاحتها من الحكم.

وجهات نظر مختلفة عن الثورة

تأتي للرواية المعتادة عن الثورة المصرية كالتالي: في فبراير (شباط) 2011، تنحّى حسني مبارك عن منصبه بعد 18 يومًا من الاحتجاجات كان أشهرها في ميدان التحرير، بعدما استمر في رئاسة جمهورية مصر العربية لنحو 30 عامًا. بعد ذلك، اختطفت جماعة الإخوان المسلمين الثورة، إذ حصلت على أغلبية في البرلمان، ونجحت في تنصيب أحد أعضائها – محمد مرسي – رئيسًا للبلاد. مرّ عام على جماعة الإخوان في رئاسة الجمهورية، ثم عاد المصريون إلى الشوارع مجددًا، لكن هذه المرة للتظاهر ضد الجماعة. انقلب الجيش على السلطة وعزل محمد مرسي، وعادت مصر إلى الحكم العسكري الذي عاشت تحت مظلته طوال ستة قرون.

في كتابه «الخريف العربي: كيف نجح الإخوان المسلمون بحكم مصر وخسارته في 891 يومًا – Arab Fall: How the Muslim Brotherhood Won and Lost Egypt in 891 Days »، يرى إريك تراجر، الزميل في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى والخبير في السياسة المصرية، أن جماعة الإخوان المسلمين كان لها وجود قوي منذ بداية المظاهرات في 2011، وأنها لم تختطف أي شيء، فهم الحركة المصرية الوحيدة المنظمة بما يكفي لمنافسة النظام القديم في الانتخابات. ورأى تراجر أيضًا أن تحرك الجيش ضد مرسي لم يكن بسبب عزم الجيش على الإطاحة بالإخوان بعيدًا عن السلطة، وإنما بسبب غياب الرؤية والكفاءة عند الإخوان مما دفع حشودًا بأعداد غير مسبوقة تنزل إلى الشارع مطالِبة بالإصلاح.

بداية الجماعة

جماعة الإخوان المسلمين هي أقدم وأكبر جماعة إسلامية في العالم، وقد تأسست عام 1928 على يد حسن البنا. كان البنا مقتنعًا بأن الإسلام يقدم كل ما يحتاجه الإنسان للارتقاء سياسيًا وماديًا وأخلاقيًا، لذلك كان شعار جماعة الإخوان المسلمين – ولا زال- «الإسلام هو الحل».

بدأ برنامج البنا من القاعدة إلى القمة، فرأى ضرورة إصلاح الفرد، ثم تقوم الأفراد بتأسيس بيوت إسلامية نموذجية، والتي تشكل مجتمعًا مؤمنًا يخشى الله، أي دولة إسلامية حسب قول البنا، والتي تتواصل مع مجتمعات إسلامية أخرى لاستعادة الخلافة الإسلامية، بحسب ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال.

وعد زائف

في الشهور التالية للثورة، تعهد الإخوان بعدم خوض انتخابات الرئاسة أو السعي وراء أغلبية في البرلمان، حتى لا يشعر المصريون بالقلق من هدف الإخوان لإقامة دولة إسلامية. لكن الإخوان لم يلتزموا بهذه التعهدات، وقاموا بترشيح محمد مرسي لانتخابات الرئاسة، بعد استبعاد مرشحهم الأول في السباق الرئاسي.

يقول كيسلر إن الإدارة الأمريكية لم تعلم عن محمد مرسي سوى القليل، إلا أن تراجر كان قد قابله قبل عامين في القاهرة. عرف تراجر أن مرسي يمثل المعارضة الداخلية داخل جماعة الإخوان المسلمين، وأنه من أتباع فكر سيد قطب المفكر المنتمي للإخوان المسلمين الذي أعدمه نظام جمال عبد الناصر، والذي ألهمت رسالته أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة. وقد قال مرسي لتراجر أثناء لقائهما «برنامجنا طويل الأجل، ليس برنامجًا على المدى القصير. هدفنا ليس أن نصبح حكامًا، بلدنا يجب أن يحكمه الإسلام».

بحلول وقت انتخابات عام 2012، كان واضحًا ابتعاد الإخوان عن قوى المعارضة الأخرى من الليبراليين، والذين كانوا خيارًا أفضل في نظر الحكومات الغربية. يقول تراجر في كتابه أنه بعد فوز مرسي بالانتخابات الرئاسية، بدأ المسؤولون الأمريكيون في التقرب من الإخوان، الأمر الذي كان مفاجئًا للإخوان أنفسهم.

أخطاء قاتلة

بمجرد توليه الرئاسة، بدا مرسي يفتقد إلى الكفاءة لأداء مهام الحكم. يقول تراجر إن جماعة الإخوان المسلمين ليست لديها رؤية سياسية حقيقية باستثناء تعيين مسؤولين في الحكومة ممن ينتمون للإخوان أو لديهم أفكار مشابهة. على سبيل المثال، من أجل إنقاذ الاقتصاد المصري المتدهور، اقترحت حكومة مرسي مشروع النهضة الذي وعد بخفض التضخم إلى النصف، وفي الوقت ذاته «حماية كرامة الفقراء» ومضاعفة عدد الأسر التي تحصل على ضمان اجتماعي. ولم يفسر الإخوان أبدًا كيف يمكنهم تحقيق هذه الأهداف المتناقضة.

انتقالًا من الاقتصاد إلى الصحافة، اتهم مرسي العديد من الصحفيين بإهانة الرئيس، فوصل عدد من اتهمهم خلال أول سبعة أشهر له في الحكم أربعة أضعاف عدد من اتهمهم مبارك على مدار 30 عامًا.

بعد ذلك، تحديدًا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، قام مرسي بتحصين قراراته من السلطة القضائية، الأمر الذي لم يجرؤ مبارك على فعله. وبعد أسابيع، أصدر الدستور الذي أعده نواب أغلبيتهم من الإخوان والسلفيين.

ومع تصاعد المعارضة خلال الأشهر التالية، لجأ مرسي إلى نظريات المؤامرة، مصرحًا بأن المعارضة مدعومة إما من أجانب، أو من فلول نظام مبارك، أو رجال أعمال لهم مصلحة في وجود حالة الاضطراب تلك. وفي يونيو (حزيران) 2013، نزل مئات من الإخوان مجهزين بالخوذات والدروع والعصي من أجل «حماية الثورة» على حد قولهم، مما يعني حدوث اشتباكات بين المؤيدين والمعارضين، وبالتالي تصبح الفرصة سانحة للجيش للتدخل.

يقول تقرير وول ستريت جورنال إن مرسي عندما حاول تدارك الموقف في 2 يوليو (تموز) 2013، كان الأوان قد فات. بعد تدخل الجيش، ظن الإخوان أن احتجاجهم لفترة طويلة سوف يسقط النظام، فيمهد الطريق لعودة مرسي. يقول تراجر «لقد أخطأ الإخوان في حساباتهم مجددًا. لقد بالغوا في تقدير قدراتهم، واستهانوا بقدرة النظام الجديد على سحقهم». وأوضح تراجر أيضًا أن فترة ما بعد حكم مرسي كانت بمثابة معركة وجودية للجيش، مثلما كانت كذلك للإخوان.

الآن، بعد مرور ثلاث سنوات من عزل مرسي، تضاءلت قوة الإخوان إلى حد كبير مع اعتقال قادتها والعديد من أعضائها وداعميها، أو نفيهم أو قتلهم في عهد السيسي. وفقًا للتقرير، فإن هذا لا يعني أن انتهاء وجود الجماعة، إذ أن جماعة عمرها 88 عامًا لا تختفي بين عشية وضحاها، لكن في الوقت ذاته ستحتاج الجماعة لسنوات أو حتى عقود حتى تعود لقوتها السياسية.

وخلص التقرير في نهايته إلى أن ما نتعلمه من الثورة المصرية، هو أن المشاركة في الانتخابات ما هي إلا عنصر واحد من عناصر الحكم الديموقراطي، وأنه مهما كان الوضع سيئًا فمن الممكن أن يصبح أسوأ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد