بلغت تكلفة بناء السفارة الأمريكية مترامية الأطراف ما يقرب من 806 ملايين دولار، وقد تستولي عليه طالبان في النهاية

كتب نيت بيرج – صحافي يغطي المدن، والعمارة، والتخطيط الحضري، ونشر أعماله في العديد من الصحف والمجلات الكبرى – مقالًا نشره موقع «فاست كومباني» الإخباري عن المصير المحتمل لمجمع السفارة الأمريكية في أفغانستان، والذي تكلف بناؤه أكثر من 800 مليون دولار، بعد الانسحاب الأمريكي من البلاد، واحتمال استيلاء طالبان عليها. 

ويستهل الكاتب مقاله بمعلومات عن مبنى السفارة ومساحتها قائلًا: عندما سحبت الحكومة الأمريكية وجودها العسكري رسميًّا من أفغانستان هذا الشهر، تركت وراءها قطعة عقارية ثمينة. إنها السفارة الأمريكية في كابول، وهي عبارة عن مجمع مترامي الأطراف، يمتد على مساحة 15 فدانًا، ويضم أكثر من 12 مبنىً ومبنىً ملحقًا، وبلغت تكلفة بنائه نحو 806 ملايين دولار.

دولي

منذ 4 أسابيع
«الإندبندنت»: ما نوع الأسلحة التي استولت عليها طالبان بعد الانسحاب الأمريكي؟

ومع تولي طالبان زمام الأمور في أفغانستان ستستحوذ الحركة فعليًّا على كل ما كان يخص النظام السابق، بما في ذلك القصر الرئاسي الذي استولت عليه. كما يمكن أن تستولى على السفارة الأمريكية، التي كانت مستقر الوجود الطويل والمضطرب للولايات المتحدة في أفغانستان لأكثر من 20 عامًا. وامتنعت وزارة الخارجية عن التعليق على ذلك الأمر.

إن هذه ليست المرة الأولى التي تحزم فيها الولايات المتحدة أمتعتها وتترك سفارة وراءها؛ ففي الصومال عام 1991 أدَّت التوترات المتصاعدة إلى إخلاء السفارة الأمريكية في مقديشو. وأدَّى «عنف الميليشيات الخارج عن السيطرة» إلى إخلاء السفارة الأمريكية في طرابلس بليبيا عام 2014. ومن الأحداث المشهورة جدًّا احتشاد مسؤولي السفارة الأمريكية على درج يفضي إلى سطح المبنى للصعود إلى طائرة هليكوبتر، وإخلاء السفارة في مدينة سايجون بفيتنام عام 1975. وأصبحت صور الإخلاء بمثابة اختزال مثير للصورة الذهنية التي تخص التدخل العسكري المشؤوم الذي تقوم به الولايات المتحدة.

سايجون مرة أخرى

من وجهة نظر كثيرين يصعب تجاهل أوجه التشابه بين أفغانستان وفيتنام. وكان مشهد طائرات الهليكوبتر التي تنقل موظفين أمريكيين من السفارة في كابول إلى مطار حامد كرزاي الدولي القريب يذكرنا على نحو صارخ بالمشهد في فيتنام منذ ما يقرب من 50 عامًا. لكن الموقف الرسمي للولايات المتحدة مختلف. وقال وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين لشبكة «سي إن إن» في 15 أغسطس (آب): «هذه ليست سايجون»، دافعًا بأن المهمة الأمريكية في أفغانستان بدأت للتعامل مع مرتكبي هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأن تلك المهمة كانت ناجحة.

وبدأت السفارة في نقل الموظفين إلى بلادهم في أبريل (نيسان)، لكن الإخلاء الكامل في أغسطس أفرغ مجمع السفارة فعليًّا. إنه احتمال قد تكون وزارة الخارجية خطَّطت له، وذلك من خلال بروتوكولات وسياسات، وحتى كتيبات إرشادية مفيدة للموظفين: «لقد جرى إجلاؤُك. فماذا بعد ذلك؟».

ويظل مستقبل المباني نفسها غير واضح المعالم. ووفقًا للخبراء في تصميم السفارة والمباني الدبلوماسية جرى تصميم بعض الإجراءات على الأقل منذ البداية لضمان عدم تحوُّل المباني إلى أهداف.

Embed from Getty Images

التطوير في تصميم السفارات والمباني الدبلوماسية

تقول باربارا نادل، مديرة شركة «بابارا نادل» المعمارية في نيويورك، ومحررة كتاب عن تصميم السفارات والمباني الأخرى ذات الإجراءات الأمنية المشددة: إنه «لا يمكنك أبدًا أن تتنبأ تمامًا بما سيكون عليه الوضع السياسي بعد 10 أو 20 عامًا من اكتمال المبنى. لهذا السبب يجب أن تكون هناك بعض المعايير الأساسية للسلامة والأمن». وتقول باربارا: إن تصميم السفارات قد تطور في العقود الأخيرة لإعطاء الأولوية لأمنها في مواجهة الهجمات والاضطرابات، والتعلم من الهجمات على السفارات في بيروت بلبنان عام 1983، ودار السلام بتنزانيا ونيروبي بكينيا عام 1998، وكذلك هجمات مثل 11 سبتمبر 2001. وكانت تلك الأحداث – كما تقول باربارا – بمثابة «دعوة للاستيقاظ بأن هناك أشخاصًا يريدون تدمير هذه المباني لأنها رمزية».

وفيما يتعلق بمبنى السفارة في كابول، يشير الكاتب إلى أنه جرى تصميم المبنى الرئيس للسفارة الأمريكية لمقاومة مثل هذه الجهود. والمبنى عبارة عن هيكل كبير مطلي بالجص ذي اللون البيج، ويحتوي على مكاتب وشقق، وتتصدره واجهة زجاجية كبيرة مقاومة للكسر تغطي الجدران المسلحة بالخرسانة تغطية كثيفة، والمبنى محصن لمقاومة انفجارات القنابل، وبعيد جدًّا عن الطرق القريبة لتوفير حاجز مادي ضد إطلاق النار المحتمل. وصممته شركة «سورج» المعمارية في واشنطن العاصمة، وجرى افتتاح المبنى – الذي تبلغ مساحته نصف مليون قدم مربع – عام 2013، وبلغت تكلفة إنشائه أكثر من 350 مليون دولار. وفي رسالة عبر البريد الإلكتروني قالت المعمارية سومان سورج إنها غير قادرة على التعليق على ميزات تصميم المبنى، وأحالت الأسئلة إلى وزارة الخارجية.

مرونة في التصميم

وأوضح الكاتب أنه عادةً ما تصمم مثل هذه المباني الضخمة لتستوعب وجود الولايات المتحدة على المدى الطويل، وفقًا لمايكل مينتون، المهندس المعماري الذي أمضى سابقًا 26 عامًا في مكتب عمليات المباني الخارجية بوزارة الخارجية. يقول مينتون، وهو الآن أحد كبار المشاركين في شركة الهندسة المعمارية «دي إل آر جروب»: «من الصعب أن نصمم منشأة وفي أذهاننا أنها ستتعرض للإغلاق. ونصمم منشآتنا مع مراعاة المرونة، ونصممها أيضًا مع وضع النمو المستقبلي في الاعتبار».

ومع ذلك فإن المخاوف المتعلقة بالسلامة تؤدي أحيانًا إلى مغادرة المسؤولين الأمريكيين لمدد قصيرة أو طويلة. يقول مينتون: في هذه المواقف من غير المحتمل أن تبقى المباني بلا جدوى. ويضيف: «كان هناك عدد من البعثات الأمريكية في الخارج التي جرى سحبها وأصبحت المباني التي كانوا يسكنون فيها غير مأهولة، لكن يجب الحفاظ عليها. لذلك سيكون هناك موظفون موجودون لصيانة المرافق حتى لا تتجمد أو تغمرها المياه، وحتى يجرى التعامل مع أية مشكلات تتعلق بالصيانة». ويتابع: «سيجرى الاعتناء بالسفارة وحمايتها وصيانتها».

Embed from Getty Images

ولكن حتى مع الإخلاء التدريجي، فإن ترك سفارة هو عملية معقدة. يقول أحد أفراد البحرية الأمريكية المتقاعدين من فريق «نيفي سيلز» – والذي يتمتع بخبرة 20 عامًا – والذي طلب عدم الكشف عن هويته: إن عمليات الإجلاء هي ببساطة «فوضوية». وقد ساعد هذا الرجل في التخطيط لإخلاء سفارة في دولة بشمال أفريقيا خلال انتفاضة تمرد قصيرة، ويقول إن عملية الإخلاء كانت عبارة عن مزيج من توجيه أفراد من داخل المجمع، وأولئك الذين قد يعيشون خارج أسواره، ومساعدة أفراد وكالة المخابرات المركزية عادةً داخل السفارة على تدمير الوثائق، والمستندات، والمعدات الحسَّاسة، وترك أي شيء غير ضروري.

النظم الأمنية في السفارات

قد تظل السفارة التي جرى إخلاؤها آمنة لبعض الوقت. وتقسَّم معظم السفارات الأمريكية وفق أنظمة أمنية تتحكم في الوصول إلى الأجنحة والممرات والغرف التي بداخلها. وفي كابول، كما يقول عضو نيفي سيلز السابق، من المرجح أن تدخل إليها طالبان، ولن تكون أنظمة الأمن هذه قادرة على الصمود أمام جهود الاقتحام.

ويقول: «سوف يهزمون تلك الآليات بمرور الوقت، وسيصلون إلى كل ما يحتاجون الوصول إليه. لكن في نهاية المطاف هل تعتقد أن المسؤولين عن السفارة سيتفهَّمون ذلك؟ هل سنتمتع بالحماية لأننا حصلنا على هذا النظام الآمن والرائع فحسب؟ سوف يُختَرق هذا النظام لأننا لن نعود ثانيةً».

عرين التجسس الأمريكي

ولفت الكاتب إلى أن هناك سفارات أمريكية أخرى استمر استخدامها حتى بعد إخلائها أو التخلي عنها، وحدث ذلك بشكل أو بآخر. وأُنقِذت السفارة الأمريكية السابقة في كراتشي – التي شارك في تصميمها الحداثي ريتشارد نيوترا، وتتميز بأسقف مقببة أسطوانية ملساء – من الهدم على يد خبراء الهندسة المعمارية الباكستانيين من أنصار الحفاظ على المواقع التاريخية بعد نقل السفارة، وأخلت الولايات المتحدة المبنى في النهاية عام 2011.

Embed from Getty Images

وفي طهران عاش مبنى السفارة الأمريكية الذي اشتهر بسبب أزمة الرهائن عام 1979 باعتباره متحفًا، حيث يحتفظ به جناح من الحرس الثوري الإيراني خلال السنوات التي تلت قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتخلت الولايات المتحدة عن المبنى. وسمِّي المبنى «متحف عرين التجسس الأمريكي»، وهو نوع من الحفاظ على السفارة ربما لا يكون المسؤولون الأمريكيون سعداء به.

ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنه ليس من الواضح ما هي الخطط المستقبلية – إن وجدت – الموضوعة لسفارة الولايات المتحدة في كابول. وبعد استثمار مئات الملايين من الدولارات لبناء مجمع السفارة، يبدو أن الولايات المتحدة تترك مجمعًا من المباني مكلفًا وآمنًا في أيدي «قوة احتلال» جديدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد