ربما ليس الرجال من المريخ حقًا، لكن – وبالمقارنة مع النساء – فإن لديهم طرقهم المختلفة في التواصل.

هكذا بدأ كوري فلويد، أستاذ الاتصال بجامعة أريزونا بالولايات المتحدة، تدوينته التي نشرت في موقع «The Conversation»، وأضاف فلويد: «ليس هناك علاقة أكثر دلالة على ذلك من علاقة الآباء بأبنائهم. فظاهريًا، كثيرًا ما تبدو روابط الآباء بالأبناء بعيدة وغير وطيدة. وبينما لا يتردد ابن في معانقة وتقبيل أمه لا يقدم على أكثر من مصافحة متكلفة باليد مع والده. في الوقت ذاته قد يمطر الآباء بناتهم بالعاطفة دون أن يقدموا على مصارحة أبنائهم من الذكور بحبهم لهم. وعادة ما تلوم الزوجات والأمهات الرجال على عدم إظهار عاطفتهم تجاه آبائهم أو أبنائهم».

وهذه الانتقادات تتغاضى عن الحقيقة الأكبر، والتي أمضيت سنوات في استكشافها بصفتي باحثًا في مجال التواصل: غالبًا ما يظهر الرجال عاطفتهم بالفعل أكثر ما يعبرون عنها بالكلام. وطرقهم في التواصل والحب خفية. وبينما يبدو هذا للمراقبين ضعفًا في المودة، لكن بالنسبة للآباء والأبناء ليست الكلمات والقبلات والعناق كل شيء.

اقرأ أيضًا: «أريد أبي فقط».. ما الذي يعنيه تفضيل الطفل أحد والديه على الآخر؟

طرق مختلفة للتعبير عن الحب

لدى جلين (41 عامًا) والمشارك بإحدى دراساتي علاقة يمكن أن نطلق عليها نموذجية مع والده آر جيه. يصطحب جلين زوجته في أيام الآحاد لزيارة والديه. وبينما تتسامر زوجته مع حماتها، يشاهد جلين مع آر جيه التلفاز أو يقومان بأعمال صيانة منزلية دون أن يتبادلا الكثير من الكلمات.

في العديد من العلاقات، يبدو هذا السلوك باردًا أو ينم عن بعد المسافة. ولكن في حالة جلين وآر جيه، يفضلان ببساطة الأفعال عن الكلمات.

تظهر أبحاثي عن السلوك العاطفي أن الرجال، في العموم، يفضلون إظهار الدعم بالفعل في التواصل العاطفي عوضًا عن التعبير اللفظي سواء بقول أو كتابة «أحبك».

وبينما وجدت أن هذا ينطبق تحديدًا في علاقات الرجال بآخرين، فهو ينطبق أيضًا على علاقاتهم مع النساء. فمع الأصدقاء الذكور يظهر الرجل عاطفته بتنظيم رحلة أو إصلاح سقف البيت عوضًا عن قول «أنا أهتم بك». كما يميل إلى مساعدة زوجته أو أمه في المهام التي تستلزم مجهوده مثل تبديل إطارات السيارات أو جز العشب أكثر من إرسال بطاقة بريدية.

من السهل التقليل من شأن هذه الأنواع من السلوكيات كبديل عن المودة «الحقيقية». على سبيل المثال، تعتقد زوجة جلين أن زوجها ووالده يعطون الأولوية للأنشطة المشتركة لأنهم لا يعرفون كيفية التعبير عن الطريقة التي يشعرون بها تجاه بعضهم البعض.

ومع ذلك، يقول جلين ووالده إن أفضل الأوقات التي يقضونها معًا هي التي يمارسون فيها أنشطة ومهامَّ معينة. بالنسبة لهم، هذا هو التعبير المثالي عن الحب: فإنه يدل ويعزز كيف يشعرون تجاه بعضهما البعض.

اقرأ أيضًا: «نيويورك تايمز»: كيف أفسدت الرومانسية فكرتنا عن الزواج؟

التوتر بين العاطفة والذكورة

ومن السهل أن تظهر علاقة الآباء بالأبناء باردة وكأنهم غير مبالين ببعضهم البعض، فعلى الأقل في ثقافتنا، عادة ما تظهر المودة من خلال التعبيرات اللفظية وأيضًا من خلال الإيماءات غير اللفظية كالمعانقة.

وكلتا الطريقتين غير شائعتين في العلاقات بين الرجال، ما يجعلها تبدو مفتقدة لشيء ما. ولكن ما الذي يلعب دورًا كبيرًا في سوء فهم مدى تعقيد علاقات الأب بالابن. وقد وجدت أنا وعالم اتصالات الأسرة مارك مورمان أن رابطة الأب بالابن تحتاج إلى الكثير من الموازنة المعقدة بين الذكورة والألفة.

من ناحية، إن العلاقة بين الآباء والأبناء هي علاقة أسرية. والناس يميلون إلى الشعور بالقرب من أسرهم والاستثمار فيها أكثر من أي روابط اجتماعية أخرى. ومن ناحية أخرى، إن الرابطة بين الأب والابن هي علاقة بين ذكرين – وهي موضع توقع ثقافي لكيفية أن يتصرف الرجال تجاه بعضهم البعض. وتتمتع الذكورة التقليدية بخصائص مثل المنافسة والاستقلال والاكتفاء الذاتي. ويأتي هذا على حساب التعبير عن العاطفة، والتي قد تؤول إلى الضعف.

تمني المزيد

جلين أخبرني أن والده صار أقل إظهارًا للعاطفة منذ أن بلغ جلين سن المراهقة. وقد وجدت أن هذا التطور في العلاقة شائع جدًا. عند نقطة معينة، العديد من الآباء والأبناء سيقيمون علاقاتهم على الأنشطة المشتركة عوضًا عن الكلمات. في غضون ذلك لن يميل الآباء إلى انتهاج نفس السلوك مع بناتهم، ولا الأمهات مع أبنائهن وبناتهن.

تمامًا مثل زوجة وأم جلين، العديد من النساء يتساءلن على الدوام لماذا الرجال الذين في حياتهن ليسوا أكثر انفتاحًا للتعبير عن مشاعرهم، من وقت لآخر، حتى جلين نفسه تمنى أن يتحدث مع والده عن مشاعرهم تجاه بعضهم البعض بشكل أكثر مباشرة.

كما أشرح في كتابي «علاج الوحدة – The Loneliness Cure» لا عيب أبدًا في الرغبة في علاقة يكون فيها الطرفان أكثر تعبيرًا عن مشاعرهما. في الواقع، العديد من الرجال ينجحون في التعبير عن عاطفتهم لفظيًا مع آبائهم وأبنائهم.

وهناك درس هام هنا، أن العديد من علاقات الذكور هي أكثر ثراءً ووضوحًا عما تبدو عليه، وأن هناك علاقة فريدة بين الرجال تستحق التكريم بدلًا من التقليل من شأنها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد