كتبت خبيرة التسويق كلاير أوترونج مقالًا تحكي فيه قصتها مع ترك العمل كامل الدوام لصالح العمل الحر غير المقيد بأوقات محددة، إلى العودة مرة أخرى إلى تبني نظام العمل ثماني ساعات يوميًا، وشرحت الأسباب التي دفعتها لذلك ونصائحها لمن يبدؤون العمل الحر لتحقيق أعلى قدر من الإنتاجية وتجنب المزالق التي وقعت فيها. قالت كلاير:

عندما بدأت العمل بالمراسلة/ العمل الحر Freelancing، كنت متحمسة لتجريب حرية العمل وقتما أحب، والمرونة الكاملة في حياتي. لم يسعني الانتظار لإلقاء نظام العمل ثماني ساعات يوميًا في سلة المهملات، وتبني حياة العمل عن بعد.

لم أكن أبحث عن خيالات الإنستغرام، بالعمل في أرجوحة على الشاطئ، لكنني لطالما كنت قد تخيلت حياة ملأى بليالٍ من العمل الشاق والجلوس على المقاهي أفعل كل ما يحلو لي.

كنت أتخيل أنني في حياتي الجديدة سوف أتمشى مع كلبي وقتما أريد. أجري وقتما أريد. أغتسل وقتما أريد. ولما كان لدي 24 ساعة كل يوم متاحة للعمل، فإنني سوف أشعر بالكاد أنني أعمل لو عملت لنوبات تستمر كل واحدة منها ساعتين أو ثلاث ساعات كلما شعرت بالرغبة في ذلك. أليس ذلك صحيحًا؟

بعد ذلك بـ9 أشهر، كنت قد عدت إلى نظام العمل ثماني ساعات يوميًا. هذا المقال يحكي مفارقة اكتشافي الحرية، والإنتاجية، وراحة البال، التي تصاحب العمل 40 ساعة يوميًا.

المرحلة الأولى: التمرد على العمل 40 ساعة في الأسبوع

 

العمل 40 ساعة في الأسبوع هو الرقم المعياري لساعات العمل في الأسبوع في وظائف الدوام الكامل. لكنَّ الحال لم يكن هكذا دومًا. إنَّ وراء هذا الرقم الاعتباطي، تاريخًا مذهلًا من كفاحات العمال، وخط التجميع، وهنري فورد، والبراغماتية الرأسمالية.

استطاع ممثلو العمال الحصول على قوانين، لم تطبق بشكل جيد، تحدد العمل 8 ساعات يوميًا، مع بدايات القرن التاسع عشر. ثم طبق فورد هذا النظام، طواعية، في كل مصانع السيارات التي يملكها عام 1926. أصبح العمل 40 ساعة في الأسبوع، ببطء، القاعدة المقبولة، قبل أن يصدر قانون العمل العادل الذي سنه فرانكلين د. روزفلت عام 1940.

كانت أسباب السياسة التقدمية غير المتوقعة لفورد أبعد ما تكون عن الإيثار. كانت فكرته تحديد عدد ساعات العمل ــ كانت ساعات العمل المعتمدة في وقته 48 ساعة في الأسبوع ــ لكنه طلب نفس مستوى الإنتاج لكل موظف. كان هذا الأمر من شأنه أن يزيد الإنتاج، وفي الوقت ذاته يشجع الموظفين على إنفاق رواتبهم في الاقتصاد المحلي خلال الساعات التي يقضونها خارج العمل.

باختصار: ركز نظام العمل 40 ساعة في الأسبوع على الإنتاج بدلًا من التركيز على عدد الساعات. لو مددنا الخط على استقامته متبعين منطق هذه الفكرة، فليس ثمة سبب على الإطلاق يدعونا للعمل 40 أو 48 أو أي عدد من الساعات المحددة على الإطلاق.

عادة ما ينظر لجداول العمل المرنة بأنها تصب في مصلحة الموظف (وهذا صحيح!)، لكن من الممكن أن تصبح هذه الجداول في مصلحة صاحب العمل أيضًا. إنَّ أماكن العمل التي تمكن الموظفين من تحديد جداول عملهم تشهد زيادة في الإنتاجية وتقليلًا في الضغط والغياب.

بدأت الصناعات من كل الأنواع في الاعتراف بأنّ الانتقال من نظام العمل 40 ساعة في الأسبوع يعطي فرصًا أكثر بكثير لهياكل جدولة مختلفة من شأنها أن تلائم الطرق المناسبة لعمل كل واحد منا. المنطق هنا أنَّ من الأفضل أن تعمل عندما تشعر بالتحفيز وعندما تكون لديك الطاقة بدلًا من إجبار نفسك على الالتزام بجدول اعتباطي؟

لما ذهبت لحياتي العملية المرنة، كنت قد استوعبت كل هذا. كنت أعرف عيوب العمل الاعتباطي لـ40 ساعة أسبوعيًا، وكنت مستعدة للتخلي عن كل هيكل في يومي عندما غامرت بالعمل الحر عن بعد.

ظننت أنَّ مستقبل العمل أن يعمل الواحد منا متى أحَبَّ.

المرحلة الثانية: القبول على مضض بفوائد النظام

هكذا بدا لي العمل متى أحببت:

كنت أعمل طوال الوقت. أصبحت كل ساعة من ساعات اليوم ساعة عمل محتملة. ولم تعد لدي حدود بين العمل وغير العمل.

صرت أرسل رسائل البريد الإلكتروني والشيكات المستعجلة من السرير. أصبحت أنظم قائمة مهامي، وبطاقات موقع Trello في الحديقة بينما أتنزه مع كلبي. طورت استجابة بافلوفية الطابع للإشعارات الحمراء تشبه استجابتي أيام إشعارات هاتف البلاك بيري.

صرت أشعر أن كل ما يمكن عمله ينبغي عمله.

لم أسترخ أبدًا بنفس الطريقة التي كنت أسترخي بها عندما كنت في مناوبة في المطعم، حيث كنت أعمل أيام الجامعة. لم أشعر قط بهذا الشعور بأنني قد انتهيت تمامًا من مشاغلي وصرت بلا مسؤوليات حتى اليوم التالي.

لم يكتف العمل بمتابعتي إلى منزلي، لكنَّ عملي كان في منزلي، وفي هاتفي، وفي حاسوبي، وفي كل الأشياء الأخرى التي اعتدت استخدامها في أنشطة غير متصلة بالعمل. كان عمل حد فاصل بين العمل وغير العمل أمرًا شبه محال.

عندما تتاح الفرصة للكثير من الموظفين أن يختاروا جداولهم المرنة، فإن الكثير منهم يضغطون على أنفسهم كثيرًا. فقد عمل موظفو شركة نيفير سيتل إل إل سي، لبرامج الحاسوب، بدنفر، بمعدل 52 ساعة أسبوعيًا عندما أتيحت لهم الفرصة لاختيار جداولهم دون الاستفادة من وجود هيكل تنظيمي واضح أو مثل يحتذون به.

حتى في بيئات العمل المرنة، لا يزال الكثير من الناس يستخدمون الساعات وسيلة لقياس الإنتاج والتقدم، وهي فكرة أصبحت متأصلة في تجربة العمل الأمريكية.

لهذا الرقم (52) صدى في نفسي لأنه قد انتهى بي المطاف بالعمل حوالي العدد نفسه من الساعات. صرت أتوق شوقًا لهيكل يمكنني من معرفة متى كان ينبغي ليومي أن ينتهي.

والمدهش أن جدول العمل «المرن» بالنسبة لي كان يعني العودة إلى العمل 40 ساعة أسبوعيًا.

المرحلة الثالثة: وضع هيكل عملي

الجانب المظلم من الجدول المرن أننا عادة ما نتلقى الحساب عليه بشيكات ترسل على البريد الإلكتروني في التاسعة مساءً، ومكالمات بينما ننتظر أطفالنا في تدريب كرة السلة. إنَّ التكنولوجيا والعقلية ذاتها التي تسمح لنا بالبقاء مرنين بإمكانها أيضًا أن تجبرنا على العودة إلى العمل في أي وقت.

بعض الشركات صارت تعتمد سياسة الأربعين ساعة أسبوعيًا فحسب، أي أنك ينبغي لك أن تعمل 40 ساعة في الأسبوع دون تشتيت، أما باقي الوقت فهو ملكك تمامًا. وتطلب بعض الشركات من موظفيها أن ينفصلوا عن العمل تمامًا عندمًا يغادرون مقر الشركة.

ونتيجة ذلك بيئة تخلو تمامًا من المشتتات أثناء العمل ــ لا فيسبوك، أو الكثير من الدردشة الفارغة ــ لأنَّ الموظفين يعرفون أنَّ أمامهم 40 ساعة فحسب للانتهاء من عمل الأسبوع.

هذه الفكرة ذات مردود إيجابي على هيكلة يوم عملك. لو كنت تعرف أن أمامك عددًا محددًا من الساعات، فمن المرجح أنك سوف تركز حتى تصل إلى وقت الخروج. عندما أعتبر يوم العمل ممتدًا من وقت استيقاظي لوقت نومي فبإمكاني دومًا أن أؤجل أي شيء لـ«وقت لاحق» لأنَّ هناك دومًا «وقتًا لاحقًا».

لذا فقد عدت لنظام العمل ثماني ساعات في اليوم لأقدم لنفسي هيكلًا واضحًا وإمكانية للتنبؤ بيومي، ووسيلة تسمح لي بأن أنتهي من اليوم وأقول: «سوف أفعل هذا غدًا» وحدودًا بين العمل وغيره. وهكذا استطعت فعل هذا الأمر:

أنشئ جدولًا محددًا مع القليل من المرونة

قالت كلاير عن نظام عملها اليومي: أعمل أربع ساعات في الصباح، وأربع ساعات بعد الظهر، أيًا كانت الظروف.

لو اخترت أن أمضي وقتًا أطول في الغداء أو الخروج لتمشية ما، فإنني قد «أخرج من العمل» مبكرة أو متأخرة لتعويض هذا الفارق. ساعدني هذا الالتزام الصلب بساعات العمل الثابتة ألا أعمل أكثر من اللازم، وهذه المرونة الطفيفة ساعدت على تخفيف الأمر عليّ لئلا يتطلب مني عزيمة كبيرة. بعض التسامح مع نفسك يحدث فرقًا هائلًا في عقليتك.

طبعًا هناك أيام يكون عليَّ فيها أن أعمل أكثر من ثماني ساعات. لو حاولت ألا أطيل عطلة نهاية الأسبوع، بألا أعمل الخميس أيضًا، فإنني أعمل أكثر من ثماني ساعات. المهم أن يكون هناك هيكل وأن يكون العمل الكثير استثناءً لا قاعدة.

استخدم قائمة مهام تستطيع من خلالها ترتيب أولوياتك

استخدم مؤقتات وأغلق الإشعارات للوصول إلى تركيز أفضل

أستخدم تطبيق Pomodoro ليذكرني بعد كل 50 دقيقة عمل، ثم أرتاح عشر دقائق أفعل فيها ما يحلو لي ــ تصفح المنصات الاجتماعية، أو مشاهدة الفيديوهات أو إرسال الرسائل… إلخ ــ المهم أن أبتعد عن المكتب بينما أفعل هذا الشيء.

وقالت كلاير عن اختيار الهيكل المناسب لك:

تذكر هذه الأشياء دائمًا

جرب كثيرًا. إنَّ ما يفيدك اليوم قد لا يفيد بعد ستة أشهر أو عام عندما تتغير ظروفك.

لا تبالِ كثيرًا بأنك لا تحيا «الحياة الكاملة للعاملين عن بعد». لن أكذب عليكم، حينما عدت لنظام الأربعين ساعة أسبوعيًا شعرت بأنني أخون العاملين عن بعد. شعرت بأنه ينبغي لي إما أن أكون على شاطئ في منتصف اليوم أو أن أعمل ليلاً أو أية طريقة أخرى تظهر اختلافًا ضخمًا عن يوم العمل «العادي». لكنَّ هذا سبب بحثك عن المرونة: أن تخلق جدولاً يناسبك. لا يتوجب أن يكون هذا الجدول مناسبًا لمفهوم جميع الناس عن معنى الحياة المرنة.

في النهاية، قالت كلاير: لقد عدت للعمل أربعين ساعة في الأسبوع، لكنني ما زلت أعتقد أنَّ قياس الإنتاج بالساعات في هذا العصر لا معنى له. لقد وصلت لهذا العدد من خلال التجربة، إذ اتضح لي أن العمل ثمان ساعات يوميًا كاف لإنجاز ما يكفي من العمل، مع السماح لي بالكثير من الوقت لإعادة شحن طاقتي والقيام بأنشطة غير متصلة بالعمل.

ربما يكون المستقبل في تقليل ساعات العمل إلى 35 أو حتى 30 ساعة أسبوعيًا، مع إنجاز القدر ذاته من العمل. عدد الساعات العمل الأسبوعية في فرنسا 35 ساعة، وفرنسا هي ثاني أكثر دول العالم إنتاجية بعد ألمانيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد