تناول الكاتب الصحفي «يوري فريدمان» في تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، التقرير الذي نشره «كيفن رود» رئيس الوزراء الأسترالي السابق، بشأن الدور المنتظر للأمم المتحدة، وأسباب ضعف المنظمة الدولية، وذلك في الوقت الذي ينتظر أن يشهد فيه شهر سبتمبر (أيلول) عقد الانتخابات لاختيار الأمين العام الجديد، خلفًا للأمين العام الحالي للأمم المتحدة « بان كي مون».

وقد استهل الكاتب تقريره بالقول: «ماذا لو لم تكن الأمم المتحدة موجودة؟ إنه سؤال من السهولة أن نجيب عنه، لأنها تقريبًا لم تكن موجودة في أغلب فترات التاريخ البشري. يخبرنا التاريخ أن النظام في العلاقات الدولية هو الاستثناء وليس القاعدة، كما يقول كيفن رود رئيس الوزراء الأسترالي السابق».

وأشار التقرير إلى ما كتبه رود في مقال له حول المستقبل غير المؤكد للأمم المتحدة قائلًا: «منذ ظهور الدولة القومية الحديثة، سواء قبل أو بعد صلح وستفاليا في عام 1648، كانت الفوضى السمة الغالبة على العلاقات بين الدول».

وأضاف التقرير أننا نميل إلى التفكير في الأمم المتحدة على أنها جزءٌ راسخٌ من النظام العالمي. ولكنها في الواقع إضافة حديثة.

مرحلة انتقالية

 

على مدى السنوات الخمسمائة الماضية، كما يقول رود، «كانت هناك أربعة جهود كبيرة في أوروبا لتأسيس منظمة دولية بعد فترات من المذابح المستدامة: في عام 1648، بعد حرب الثلاثين عامًا وحرب الثمانين عامًا. في عام 1815، بعد حروب الثورة الفرنسية. في عام 1919، بعد الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية».

كانت المحاولات الثلاثة الأولى في أحسن الأحوال، سجلات غير مكتملة للنجاح. وما زالت المحاولة الرابعة قيد التقييم.

تلك المحاولة الرابعة للأمم المتحدة، هي الآن في مرحلة انتقالية في الوقت الذي يقترب فيه السباق على أعلى منصب في المنظمة من نهايته. إنها أحد أهم الانتخابات التي لم يسمع عنها أحد من قبل، وتتوقف على صناديق الاقتراع السرية في مجلس الأمن.

رود، الذي ورد اسمه من قبل بين المتنافسين المحتملين ليحل محل «بان كي مون» أمينًا عاما، ليس من بين المرشحين الحاليين (رئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تورنبول رفض ترشيحه). ولكن الدراسة التي طرحها هذا الأسبوع كرئيس للجنة المستقلة حول التعددية، هي دليل على القوى العالمية التي ستواجه كل من سيتولى المنصب، بما في ذلك إمكانية  أن تشهد الأمم المتحدة نفسها، على الرغم من أنه من غير المرجح أن تنهار في أي وقت قريب، اضمحلالًا تدريجيًّا، بحسب ما أورده التقرير.

ويتابع التقرير بقوله إن مفهوم الإنتروبيا في العلاقات الدولية هو مفيد هنا، ورود يكتب: «في ظل هذه الحجة، أي نظام دولي، بعد إنشائه، يخضع مباشرة للعمليات الطبيعية من التدهور والاضمحلال، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى العودة إلى الفوضى».

ويستشهد على ذلك بما أورده رود نفسه أن: «هناك أدلة متزايدة على تحرك الدول القومية من خلف الأمم المتحدة لحل المشاكل الرئيسية، وبعد ذلك ربما العودة إلى الأمم المتحدة عندما يتم كل ذلك، كنوع من الاستدراك الدبلوماسي».

المرشحون الحاليون

وعند سؤال «فريدمان» له، عما إذا كان المرشحون المتبقون لمنصب الأمين العام يدعون إلى أنواع الإصلاحات التي يريد تنفيذها في الأمم المتحدة، أجاب رود بقوله: «أنا… أفهم أنه في عملية اختيار تنافسية مثل هذا، فإن العديد من المرشحين يرغبون في أن يكونوا دبلوماسيين بشكل علني بشأن هذا النوع من المشاكل التي تواجهها الأمم المتحدة».

وتابع رود: «نحن نواجه أكبر مجموعة من التغيرات الخارجية والتحديات التي تواجه النظام العالمي منذ عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. على مدى السنوات الـ25 الماضية، لم نر أي شيء مشابه للحالة الراهنة للعلاقات بين القوى العظمى. لم نر أي شيء مشابه للشدة الحالية من عملية العولمة. لم نر أي شيء مشابه لما يمثله الإرهاب، على سبيل المثال، من تهديد سائد في كثير من المجتمعات في جميع أنحاء العالم».

يتضمن تقرير رود، بحسب فريدمان، العديد من الوصفات لإعادة اختراع المؤسسة، من التوصل إلى اتفاق دولي جديد حول إعادة توطين اللاجئين، يراعي بشكل أكثر صرامة نتائج مبادرات الأمم المتحدة. وقال رود إن الأمم المتحدة تؤدي بشكل أفضل بكثير في الاستجابة للأزمات من توقعها ومنعها. وهو يقترح أن الاستثمار فيما يسميه «الدبلوماسية الوقائية»، أي الإنفاق على الموظفين، وتخطيط السياسات التي يمكن أن تحلل الاتجاهات العالمية عدة سنوات في المستقبل. وكمثال على ذلك، استشهد بتعيين الأمم المتحدة في عام 2013 للرئيس السابق لتيمور الشرقية «خوسيه راموس هورتا»، كممثل خاص في غينيا- بيساو في غرب أفريقيا، التي شهدت انقلابًا عسكرّيًا، والذي ساعد على تشكيل إجماع سياسي كافٍ لإجراء الانتخابات.

عوامل الضعف

يرى الكاتب أن تشخيص رود لأسباب تداعي الأمم المتحدة هو الأمر الأكثر أهمية. صعود الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الجماعات الإرهابية، وتكثيف التنافس بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وردود الفعل العنيفة ضد العولمة، كلها تتحدى الافتراض في العقود الأخيرة أن ديناميات مزيد من التكامل العالمي لم يكن بالإمكان وقفها بطريقة أو بأخرى.

وفقًا للتقرير، فإنه على الرغم من العديد من إخفاقاتها، فإن الأمم المتحدة ساعدت على تفادي حرب عالمية أخرى. كما لعبت دورًا في الحد بشكل كبير من نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع؛ خلقت نظامًا من المؤسسات لتسوية المنازعات لمواجهة «التاريخ الطويل والخبيث من النزاعات الإقليمية والتجارة» التي أثارت الصراع الدولي، وأحبطت انتشار الأسلحة النووية، الذي بدأ على الأرجح في وقت مبكر من الستينات. وقدمت الإغاثة الإنسانية إلى السكان المستضعفين، الذين كانوا، قبل ظهور الأمم المتحدة، في كثير من الأحيان «يتركون للموت ببساطة».

لكن السنوات الأخيرة، كما ذكر التقرير، جلبت علامات مثيرة  للقلق من الضعف، وفقًا لرود. لم تشارك الأمم المتحدة في المحادثات الدولية لتقييد البرنامج النووي الإيراني، على الرغم من أن إحدى مؤسساتها، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كلفت بمساعدة تنفيذ الاتفاق الناتج عن المحادثات. وقد غابت الأمم المتحدة بالمثل عن جهود التصدي لتحديات أمنية كبيرة أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا، وتسارع البرنامج النووي لكوريا الشمالية. واستجابت ببطء لمواجهة وباء إيبولا في غرب أفريقيا، وأزمة اللاجئين في الشرق الأوسط وأوروبا. وفشلت في منع الفظائع الجماعية وحل النزاعات المزمنة في بلدان مثل جنوب السودان، وسوريا.

وفي الوقت نفسه، يشير التقرير إلى أن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة، والصين على الفضاء الإلكتروني، والنزاعات الإقليمية في بحر الصين شرقًا وجنوبًا، وبين الولايات المتحدة، وروسيا بشأن توسع الناتو والإجراءات الروسية في أوكرانيا، يهدد بتعطيل مجلس الأمن كما كان عليه خلال الحرب الباردة.

ويضيف رود أيضًا أنه ومع انتشار الإرهاب في جميع أنحاء العالم، ليصبح أعلى أولوية أمنية للعديد من البلدان، فشلت الأمم المتحدة في الاستجابة على نحو كافٍ، أو حتى تحديد المشكلة.

ووفقًا للتقرير، فإن أكثر ما يلفت الانتباه هو تقييم رود لمأزق القادة السياسيين الوطنيين، نظرًا لأنه كان واحدًا منهم. هؤلاء القادة، كما يكتب رود، «لم يعودوا قادرين على تقديم حلول وطنية مكتفية ذاتيًّا للمشاكل التي تواجه شعبهم»، والتي «تساهم في أزمة شرعية ذات صلة بالمؤسسات الدولية، وبناء الدول القومية».

هذه الأزمة الشرعية لها تأثير مباشر في مستقبل الأمم المتحدة. البلدان تنقسم بشكل متزايد بين أنصار العولمة وبين المحليين، وخصوصًا في ظل النمو الاقتصادي الضعيف في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008، وهذا يعد بمثابة بداية لخلق فضاء سياسي خصب للحركات السياسية الأكثر تطرفًا، سواء من أقصى اليسار أو أقصى اليمين، مدفوعًا بالاحتجاج الشعبي ضد إجماع العولمة، وفق ما يشير إليه رود.

واختتم الكاتب تقريره بالقول: «بشكل يومي، نسمع تقارير عن إحجام الأمم المتحدة عن فعل هذا أو ذاك، أو نجاحها في فعل هذا أو ذاك. ولكننا نادرًا ما نتوقف للنظر في ما تقوله هذه النجاحات والإخفاقات حول أهمية الأمم المتحدة في عالم اليوم، وما سيبدو العالم عليه بدونها. تقرير رود يمكن في نهاية المطاف أن يقرأ على أنه نداء من أجل شيء أساسي جدًّا: عدم النظر إلى وجود الأمم المتحدة كأمر مفروغ منه».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد