قال كل من كولن كلارك وأحمد يايلا في مقال لهما على موقع «فورين بوليسي»: إن الولايات المتحدة تخاطر بشدة بإسناد مهمة القضاء على «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» إلى تركيا؛ لأن الأخيرة لا تهتم بمحاربة التنظيم، وإنما تصب كل تركيزها على القضاء على النفوذ العسكري للأكراد في شمال سوريا.

وأوضح الكاتبان أن اعتزام ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا يعني أن تركيا باتت مسؤولة عن القضاء على (داعش). وهذا سيتيح للتنظيم المتطرف استجماع قوته مجددًا في مرحلة حاسمة من الصراع.

فاجأ ترامب الجميع بقرار الخروج من سوريا، رغم زعمه أنه كان يخطط لذلك طوال الوقت. كان جون بولتون، مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب، قد صرح في سبتمبر (أيلول) بأن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا حتى مغادرة الإيرانيين.

وكان ترامب قد اتخذ قراره المفاجئ بعد محادثة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – يشير الكاتبان – فبعد فترة قصيرة من المكالمة الهاتفية، غرد ترامب على تويتر بالقول «الآن بات (داعش) مهزومًا إلى حد كبير، ويجب أن تتمكن بقية الدول الأخرى، بما في ذلك تركيا، من الاعتناء بكل ما تبقى». وأضاف أن الزعيم التركي «أبلغني بحزم أنه سيقضي على ما تبقى من (داعش) في سوريا».

تركيا غير متحمسة لقتال (داعش)

بصرف النظر عما تقوله أنقرة علنًا، فهناك مشكلة أساسية في هذا الطرح. فكثيرًا ما أظهرت أنقرة ترددًا في مواجهة (داعش) بشكل مباشر، مفضلة تركيز طاقتها ومواردها على مواجهة الأكراد ومعارضي أردوغان. ظلت تركيا لسنوات تلعب لعبة مزدوجة. يهدف أردوغان بالأساس إلى منع الأكراد السوريين من الحصول على حكم ذاتي على طول الحدود التركية الجنوبية. لذا فالقضاء على (داعش) في سوريا – وشبكاتها داخل تركيا – هو أولوية ثانوية بالنسبة لتركيا.

ومع ذلك، ولأن الدولة الإسلامية قد وجدت موطئ قدم لها في تركيا، فإن القرار الأمريكي الأخير بالانسحاب من سوريا يمكن أن يقوي التنظيم؛ مما يعرض الجنود والمدنيين الأتراك في الداخل للخطر، ويسمح للمجموعة بالعودة إلى سوريا.

لا تزال حدود تركيا آمنة – يشدد الكاتبان – ويسعى (داعش) إلى بناء قاعدة لوجيستية قوية. وسوريا تعتبر منطقة الصراع الأنسب للتنظيم، لكن تركيا – مع الاتصالات الحديثة والمواصلات وصلاتها مع الاقتصاد العالمي – تعتبر بلدًا مثاليًا لكي تستغله مجموعة إرهابية كقاعدة أو مركز لوجستي، لكن أجهزة الأمن والاستخبارات التركية لها موارد محدودة، ولا تزال موجهة في المقام الأول نحو محاربة حزب العمال الكردستاني، وهي جماعة تعرف تركيا جيدًا وتحاربها منذ ما يقرب من أربعة عقود.

 

Embed from Getty Images

الأتراك يستعدون لعملية عسكرية ضد الميليشيات الكردية

كانت نقطة الخلاف بين أنقرة وواشنطن منذ بداية التدخل الأمريكي في سوريا هي أن أمريكا تعتمد على وحدات حماية الشعب والميليشيات الكردية كقوة رئيسية في مواجهة (داعش)، وهي امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا تنظيمًا إرهابيًا. وبما أن الولايات المتحدة كانت تدعم وحدات حماية الشعب باعتبارها العنصر الأساسي في قوات سوريا الديمقراطية، فهي في نظر أنقرة ترعى الإرهاب. هذه الرسالة لها صدى لدى أنصار أردوغان، ولكن لأن وحدات حماية الشعب هي القوة الأكثر فعالية ضد (داعش)، فإن الولايات المتحدة لا تكترث لانتقادات أنقرة.

تواجه تركيا أردوغان مشكلة على جبهتين – ينوه الكاتبان – إذ يتعين عليها القضاء على (داعش) في سوريا، وتفكيك خلايا التنظيم الصغيرة المتحصنة بالفعل في تركيا. بعد الهجمات البارزة في أنقرة وإسطنبول وغازي عنتاب على مدى السنوات القليلة الماضية، أثبت تنظيم الدولة الإسلامية قدرته على الوصول وقدراته العملياتية.

 

لا يمكن لأنقرة القضاء على التنظيم بمفردها

فيما يتعلق بالقضاء على التنظيم في سوريا، تفتخر تركيا بوجود جيش هائل في الشمال السوري، لكن حتى مع قيام الدولة الإسلامية بمحاصرة المدن والقرى الصغيرة على طول وادي نهر الفرات الأوسط، لم تكن الولايات المتحدة قادرة على القضاء التام على بقايا الجماعة. إذًا لماذا يعتقد ترامب أن الأتراك سيكونون قادرون على تحقيق هذا الهدف؟ يتساءل الكاتبان. إن انسحاب الولايات المتحدة يأتي وسط موجة من التقارير التي تفيد بأن تنظيم الدولة يخطط لمعركة طويلة ويستعد لشن تمرد في معقل السنة في شرق سوريا.

سيكون من الصعب محاربة (داعش) بعد أن أقالت أنقرة العديد من قيادات قوات الأمن التركية منذ أواخر عام 2013 عندما أطلقت تركيا تحقيقًا في مكافحة الفساد، تم تسريعه بعد محاولة انقلاب فاشلة في يوليو (تموز) 2016. وقد أدى عدم الاستقرار إلى خلافات بين الجيش والقيادة الاستخباراتية. كما قامت الحكومة التركية بالتخلص من مئات الآلاف من الموظفين العموميين في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الشرطة وضباط الجيش والمدعين العامين والقضاة. ونتيجة لذلك، بقيت الدولة مع موظفي مكافحة الإرهاب والاستخبارات غير المدربين بشكل كافٍ، وغالبًا ما يعانون من عيوب تشغيلية خطيرة ويرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان.

ولذلك – يستدرك الكاتبان – ظلت سياسة أردوجان الأمنية رهينة إما محاربة الأكراد أو الدولة الإسلامية. لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية من جانب الحكومة التركية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو أمر مثير للقلق إلى حد ما في ضوء الهجمات التي نفذها التنظيم على الأراضي التركية. مثل حادث مطار أتاتورك في يونيو (حزيران) 2016 في إسطنبول أو الهجوم على ملهى رينا الليلي في يناير (كانون الثاني) 2017. ينبغي أن يكون لتركيا مصلحة في اقتلاع جماعة إرهابية من أراضيها، لكن في الشرق الأوسط لا يزال ينظر إلى عدو العدو على أنه صديق، لذلك ينظر إلى الدولة الإسلامية على أنها مصدر «عمق استراتيجي» ضد الأكراد، على غرار الطريقة التي تستخدم بها المخابرات الباكستانية حركة طالبان، على الرغم من الهجمات التي شنتها الأخيرة ضد باكستان.

 

Embed from Getty Images

قوات سوريا الديمقراطية دحرت تنظيم الدولة من معاقله الرئيسة

ينطوي الأمر أيضًا على زاوية طائفية، حيث كانت الدولة الإسلامية تقاتل نظام بشار الأسد الشيعي، في حين عمل أردوغان باجتهاد لتعزيز صورته كزعيم للإسلام السني في المنطقة. بدأت التحالفات بالتحول بالفعل، حيث طلبت وحدات الحماية الشعبية مؤخرًا من قوات الأسد الانتشار في منبج بالقرب من الحدود التركية. يدرك بعض صانعي السياسة في الولايات المتحدة كيف أن العلاقة المتنامية بين الأسد والأكراد قد تكون ضارة لذا سارعوا إلى إقناع ترامب بإبطاء – أو حتى إلغاء – الانسحاب المخطط له.

إن عواقب قتال الأكراد وتجاهل (داعش) يمكن أن تكون ذا ضرر مضاعف بالنسبة للأتراك – يوضح الكاتبان – فإذا استمر أردوغان في مهاجمة الأكراد في شمال سوريا، فإنه سيبقي على الجيش التركي كقوة احتلال؛ مما قد يدفع المسلحين الأكراد في تركيا إلى الانتقام.

على مر السنين ضربت الجماعات الإرهابية الكردية بشكل موجع في قلب تركيا؛ ففي صيف عام 2015 قتل متشددون أكراد جنديًا تركيًا وأصابوا العديد من الأشخاص الآخرين في أديامان، في حين قُتل شرطيان بالرصاص في سيلانبينار. لذا فمع انتشار القوات في بلد آخر، فضلًا عن التحقيقات وعمليات مكافحة الإرهاب الجارية ضد الإرهابيين الأكراد داخليًا، من المشكوك فيه إلى حد كبير أن يتمكن أردوغان من الوفاء بوعده إلى ترامب بالقضاء على ما تبقى من الدولة الإسلامية في سوريا.

(داعش) يخطط لإعادة ترتيب صفوفه

ستكون العواقب وخيمة إذا تمكن تنظيم (داعش) من بناء نفسه مجددًا داخل تركيا – يقول الكاتبان. سيستخدم التنظيم تركيا كقاعدة للدعم اللوجستي، مما يغذي تمرده عبر الحدود في سوريا. كما يمكن أن تقوم عناصر مارقة بشن هجمات في تركيا، بينما قد تسعى خلايا أخرى إلى التخطيط لشن هجمات في أوروبا.

لم تكن تركيا جادة في حربها على (داعش)، وغالبًا ما كانت ترسل رسائل متضاربة إلى الأصدقاء والأعداء على حد سواء. انخرط ما بين 8 آلاف و10 آلاف تركي للقتال في صفوف الإرهابيين في سوريا والعراق منذ بداية النزاع. ووفقًا لاستطلاع الاتجاهات الاجتماعية الذي أجرته تركيا، والذي نُفذ بين 1500 شخص في جميع أنحاء تركيا في عام 2015، قال حوالي 9% من الأتراك إنهم يعتقدون أن تنظيم (داعش) ليس منظمة إرهابية، وقال أكثر من 5% إنهم يؤيدون عملياته.

 

Embed from Getty Images

ترامب قرر سحب القوات الأمريكية على مراحل

من المقرر أن تجري تركيا انتخابات محلية في 31 مارس (آذار) 2019. وقد أعرب أردوغان عن قلقه من نتائج هذه الانتخابات وسط الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا. كان القتال ضد حزب العمال الكردستاني في كثير من الأحيان أداة في يد أردوغان لتعبئة قاعدة الناخبين القومية في تركيا، وقد تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية في الانتخابات المقبلة. ويُعتقد أن السياسة الداخلية هي مبرر رئيس لمنطق أردوجان عندما أعلن قبل أسبوعين من اتصاله الهاتفي مع ترامب أن تركيا سوف تبدأ عملية عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية.

سيكون من الصعب على تركيا محاربة الدولة الإسلامية بفعالية – يكشف الكاتبان – إذ تقع غالبية جيوب الدولة الإسلامية المتبقية على بعد أكثر من 300 ميل من حدود تركيا. وبالتالي يكاد يكون من المستحيل بالنسبة للجيش التركي وحلفائه المحليين الوصول إلى هذه المناطق للقتال بفاعلية ضد الدولة الإسلامية والسيطرة الكاملة على هذه المنطقة.

يعتمد أردوغان على الجيش السوري الحر في المناطق التي يحتلها. ولعله يخطط لاستخدام الجيش الحر خلال هجومه الموعود ضد قوات سوريا الديمقراطية، ولكن هناك مجموعة من القضايا المعقدة التي يجب وضعها في الاعتبار. أولًا الجيش الحر قوة غير منظمة، وهناك تقارير عن الفظائع التي ترتكبها هذه القوات، ففي أعقاب عملية قام بها المتمردون السوريون المدعومون من تركيا في عفرين في مارس، وردت تقارير واسعة النطاق عن نهب وسرقة ممتلكات السكان المحليين.

وما يثير القلق أكثر هو أن بعض مقاتلي الدولة الإسلامية انضموا إلى الجيش السوري الحر وصعدوا إلى مناصب قيادية. على سبيل المثال: سيف أبو بكر، قائد فيلق حمزة في الجيش السوري الحر، هو عضو سابق في الدولة الإسلامية من مدينة الباب. كما أن العديد من مقاتلي الدولة الإسلامية يخدمون الآن في الميليشيا المدعومة من تركيا كقادة.

بالنظر إلى كل هذه العوامل، من الواضح أن أردوغان ليس صادقًا في وعده بالقضاء على الدولة الإسلامية – يقول الكاتبان – بل يركز الرئيس التركي على مساعدة حزبه على الانتصار في الانتخابات المحلية المقبلة، ووعده بالقضاء على الدولة الإسلامية هو مجرد أداة محلية لمساعدته على تعزيز شعبيته كقائد عسكري قوي.

ربما تؤتي مقامرة ترامب ثمارها، ولكن فقط إذا أوفى أردوغان بوعده بتدمير الدولة الإسلامية، لكن التاريخ يشير إلى أن رئيس تركيا لن يفي بوعده، بغض النظر عن مدى رغبة واشنطن في الإسراع بخططها الرامية إلى تخليص الولايات المتحدة من مستنقع الحرب الأهلية السورية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)