أنجيلا هناسكوم

أنجيلا هناسكوم متخصصة في العلاج الوظيفي ومؤسسة لأحد المراكز التي تتخذ البرامج القائمة على الطبيعة أساسا لعملها، ولها عدة مؤلفات تتناول آثار عدم كفاية وقت اللعب في المساحات المفتوحة على التطور الحسي في الأطفال.

زارني في المركز مجموعة من الصبيان من الصف الثالث، يمكن وصف هؤلاء الصبيان بالشغب والصخب والحركة الزائدة، في بداية جولتنا في الغابة، ساد في حديثهم الصوت المرتفع، بدأت جولتنا بلعبة قصيرة وشرح لبعض القواعد الأساسية التي يجب على الجميع اتباعها، ثم أتحنا لهم الفرصة للعب الحر؛ فوجئنا أن الهدوء قد ساد بينهم بمجرد أن شعر الأطفال بأن لهم الحرية للاستكشاف والبناء في الغابة. تفرق الأطفال ثم بدأ أغلبهم في العمل معا لبناء خيمة كبيرة.

أكثر ما يسعدني أن أرى الأطفال يعملون على بناء هيكل باستخدام فروع الأشجار، إلا أن إحدى المساعدات صاحت بالأطفال لتجنب اللعب بفروع الأشجار، هدأت من روعها وطمأنتها أني اتفقت معهم على السماح باللعب بالفروع، بشرط أن يحترم كل منهم مساحات الآخرين الشخصية، كان يمكنني في تلك اللحظة أن أمر الأطفال بالتوقف عن البناء، وأشجعهم على نشاط آخر أقل خطورة- من وجهة نظر المجتمع، لكني قررت أن أترك لهم الفرصة لمواصلة ما بدؤوا.

وبالفعل بنى الأطفال خيمة كبيرة من الفروع بمساعدة بعض البالغين، وعبروا عن سعادتهم البالغة باكتمال البناء.

أما خلال وقت البناء نفسه، قد تتعجبون إذا علمتم أن طفلا لم يصب حتى بأقل خدش! وهذا أمر نادر؛ فغالبا ما يصاب الأطفال ببعض الكدمات بعد اللعب في الغابة، فقد لازمتني الجروح والخدوش والكدمات خلال مراحل نموي، إلا أنه في هذا اليوم لم يصب أي طفل بأي من هذا.

ربما كان ذلك دليلا أن الأطفال لديهم القدرة على القيام بأكثر مما نسمح به في العادة.

بصفتي أمًّا لفتاتين، يمكنني -إلى حد ما- تفهم خوف الآباء، الذي غالبا ما يجعلهم يكررون عبارات التحذير في أثناء اكتشاف الأطفال للطبيعة، هذا أمر طبيعي، ولكن بصفتي من ناحية أخرى متخصصة في العلاج الوظيفي، أقضي ساعات في ملاحظة الأطفال في أثناء لعبهم في الأماكن الخارجية الطبيعية، أعلم جيدا أن تقييد حركة الأطفال وتقنين قدرتهم على اللعب في الخارج قد يؤذي أكثر مما يفيد.

ارتبطت ملاحظتنا لانخفاض مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال في الأماكن المفتوحة بارتفاع متزامن في عدد الأطفال الذين يعانون من قصور حسي. ونشهد ارتفاعا في عدد الأطفال الذين يحتاجون لأنشطة وظيفية لعلاج جهازهم الحسي.

من الآثار الثانوية أيضا لانخفاض الوقت الذي يقضيه الأطفال بانتظام في أماكن مفتوحة، أن زاد عدد الأطفال الذين لم يكتمل بعد نمو النظام الدهليزي الخاص بهم، وهو نظام حسي مسؤول عن حس التوازن والشعور بالمساحة بغرض تنسيق الحركة والتوازن ويشكل جزءا من الأذن الداخلية، مما يعني أن وعي الأطفال بجسدهم وشعورهم بالمساحة قد انخفض، وشاعت شكوى المدرسين من سقوط الأطفال من مقاعدهم بشكل متكرر واصطدامهم بعضهم ببعض في أثناء الجري والدفع بقوة زائدة، ويلاحظ خلل في توازنهم بشكل عام، مما يعني أنه كلما قيدنا حركة الطفل، أصبح في الواقع أكثر عرضة للمخاطر.

صمم الجهاز العصبي لدى الأطفال بما يجعله يبحث تلقائيا عن المدخلات الحسية التي يحتاجها لينمو كأي فرد قوي بقدرات مكتملة. فعلى سبيل المثال عندما يقفز الطفل من فوق الصخور الصغيرة؛ فهو يفعل ذلك لأن مخه مستعد بالفعل لهذا النوع من النشاط، وكذلك إذا دار الطفل حول نفسه، فهو يحتاج لهذا المدخل الحسي، وإذا تسلق شجرة فهذا يعني أنه بالفعل قادر على ذلك.

ولم نشهد مشكلات في النمو إلا عندما تدخل الكبار بالنواهي لتقييد حركة الطفل؛ فننهى الطفل عن التسلق والجري والدوران والتقاط الفروع والاتساخ والقفز من فوق الصخور أو تسلق الصخور أو…!

أعلم أن الكبار يفعلون ذلك من قبيل حماية الطفل والحرص على سلامته، ولكن أحيانا الحماية الزائدة تضر أكثر مما تفيد؛ إذ أننا بذلك نمنعهم من الحصول على المدخلات الحسية التي يحتاجون إليها لتنمو أجسادهم بشكل سوي.

الأطفال “بحاجة” للتسلق والقفز والجري والتقاط فروع الأشجار والقفز في الطين، ولا ضرر من السقوط والإصابة أحيانا؛ فهي كلها خبرات طبيعية وضرورية تساعد الطفل على نمو جهاز حسي صحي، والذي يعتبر أساسيا للكثير من الأنشطة الحياتية فيما بعد.

ثلاث أمثلة على اللعب العلاجي:

1- التزلج على الجليد/الرمال: نشاط حسي رائع وخاصة في حالة تغيير وضع التزلج، فتزلج الطفل وهو نائم على بطنه مع رفع رأسه وقدميه لأعلى قليلا- مثل سوبر مان- ينشط الجهاز الدهليزي، ويحسن من وعي الطفل بجسمه بمرور الوقت.

2- السير حافيا: يساعد السير بقدمين عاريتين على تنشيط وتقوية عضلات الكاحل وأقواس القدمين. كما تساعد على تطوير رد الفعل المنعكس للقدمين مما يمنع من المشي على الأصابع، ويساهم شعور الطفل بالأوساخ والعيدان وأوراق الأشجار أسفل قدمه بتطوير حاسة اللمس، وتساهم أيضا على علاج الدفاعية الحسية في هذا الجزء من الجسم (وهو رد الفعل التلقائي السلبي على المحفزات).

3- التدحرج: يساعد التدحرج على تقديم مقدار مناسب من الضغط على العضلات والنسيج العضلي مما يحسن من حاسة الإدراك الخاص، وهي حاسة أساسية للأطفال تساعدهم على أن يميزوا بدقة مقدار القوة المناسب في اللعب والإمساك بأقلام التلوين بالقدر المناسب من دون كسرها، وفرك خد الرضيع بخفة من دون إيلامه. كما يساعد الدوران الذي يحدث في أثناء التدحرج على تقوية الجهاز الدهليزي.

للعب في الأماكن المفتوحة فوائد عديدة للأطفال، ولكن مرة واحدة في الأسبوع لا تكفي لنمو جهاز حسي سليم. ومثلما في البالغين لا نجني فوائد التمارين الرياضية غير المنتظمة، فكذلك الأطفال بحاجة للعب بشكل دوري للحصول على المميزات الحسية التي يجنيها من اللعب في الخارج، كما أنهم بحاجة لوجود بالغين يشجعونهم على المغامرة التي تعتبر أساسا لنظام حسي صحي وسليم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد