انتقلت عشرات الآلاف من النساء اليابانيات بعد الحرب العالمية الثانية مع أزواجهن الجدد؛ الجنود الأمريكيين، ليخضن معركة حامية الوطيس مع الثقافة الأمريكية آنذاك.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا عن عذراوات اليابان في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، الكاتبة هي كاثرين تولبرت؛ ابنة إحدى هؤلاء الفتيات اللواتى فررن من بلادهن مع الجنود الأمريكيين بحثًا عن حياة أفضل، قصة تناسخت خيوط أحداثها مع عشرات الآلاف من اليابانيات؛ هل ما أقدمن عليه هو في حقيقة الأمر خيانة للوطن في أوهن مراحله التاريخية؟

هذا التقرير يستفيض في قراءة القصص الإنسانية على ألسنة أصحابها أعدته الكاتبة والمخرجة -التي صنعت فيلمًا يغور في قصة والدتها وقصص آخرين ممن تزوجن الجنود الأمريكيين وارتحلن معهم إلى الولايات المتحدة- هذا التقرير يستعرض تلك القصص كما رُويت مباشرةً من أفواه محدثيها.

«كم هي جميلة!»… كثيرًا ما كنت أردد على مسامعي تلك العبارة عندما أتذكر والدتي، وذلك بالرغم من عدم معرفتي عادة قيامها بإزالة حاجباها كي تعيد رسمهما كل صباح على ارتفاع أعلى من سابقه! عندما كانت لا تزال في اليابان كانت ترتدي شارة الكابتن في فريق كرة السلة في مدرستها الثانوية، أما هنا في نيويورك، فما زلت أستعيد ذكرياتها وهي تركض باستمرار في دوائر، حولنا نحن الأطفال. ما زال بإمكاني رؤية تلك المرأة اليابانية تدحرج الكرة بحماسة وتصرخ بكلمات يابانية من قبيل «كياسشي».

تزوجت والدتي من أبي الذي كانت بالكاد تعرفه، وهو جندي أمريكي الجنسية، ثم ما لبث أن انتقلت إلى مزرعة دواجن صغيرة في إلميرا الواقعة في نيويورك، ومن هناك قامت بتسليم كراتين البيض إلى جميع أنحاء المقاطعة وصولًا إلى ولاية بنسلفانيا، كما اعتادت أختي دومًا على وصفها بأن لديها «قلبًا من الفولاذ» فقد ربتنا بحزم كأي أم.

بالنظر إلى الوراء، أدركت أني طوال تلك السنين بالكاد عرفت أمي حقّ المعرفة.

البعض قد يعتقد أن الفيلم الذي شاركت في إخراجه، والذي كان بعنوان: «إذا سقطت سبع مرات، فحتمًا ستنهض في الثامنة.. عرائس الحرب اليابانيات» هو مجرد إهداء شِعري في حب الأمهات اليابانيات، وخاصةً عندما ألمح لي أحد المذيعين بهذا الاعتقاد لي أنا وزميلتي المخرجة كارين كازماوسكي، تبادلنا نظرة تقول: «هل يجب أن نقول له الحقيقة؟ حقيقة أن الفيلم الذي يحمل عنوان مستمدّ من حكمة يابانية قديمة يدور حول المرأة القوية بشكل عام وليس عن الأمهات اللواتي يفضن حنانًا ويتشبّعن بالمحبة!».

انتقلت عشرات الآلاف من النساء اليابانيات بعد الحرب العالمية الثانية مع أزواجهن الجدد؛ الجنود الأمريكيين، ليخضن معركة حامية الوطيس مع الثقافة الأمريكية آنذاك.

هؤلاء لم يكونوا سوى أخوات أو بنات العدو الذي هاجم ميناء بيرل هاربر في ذكرى «اليوم المخزي»، وهو بعينه العدو الذي رفع الراية البيضاء بعد أربع سنوات لم تخلُ من موجات القنابل الحارقة التي أشعلت المدن اليابانية وحرّقت أجساد مواطنيها، ليعقبها إسقاط القنبلة الذرية. لقد تزوجن من الرجال الذين احتلوا بلادهن بعد أن شددن الرحال إلى الولايات المتحدة، ثم ماذا بعد؟ لا شيء سوى أنهن سرعان ما تواريْن حتى أُفنين من ذاكرة الوعي العام للشعب الياباني؛ بنات اليابان اللواتي تزوجن من عائلات تنتمي إلى مزارعي داكوتا الشمالية، وحطابي ولاية ويسكونسن، وأصحاب المتاجر العامة في رود آيلند.

لا يمكنني الجزم، إلا أنهن إما حاولن بملء إرادتهن أو تعرضن لضغوطات من أجل التخلي عن هويتهن اليابانية لتصبح أمريكية بشكل كامل، فكانت الخطوة الأولى في كثير من الأحيان تعتمد على الألقاب الأمريكية التي أعطيت لهن بعدما اعتبرت أسماؤهم اليابانية شديدة الصعوبة في نطقها أو تذكرها، أصبحت شيكاكو «بيغي» وكيوكو «باربرا» حتى أنهن حظين برفاهية التفكير في الخيارات المتعلقة بالاسم الجديد، فتلك الأسماء قد تم فرضها أحيانًا من قبل ضابط أمريكي. أما أمي هيروكو فوروكاوا فقد أُطلق عليها اسم «سوزي».

كيف كان شعور أن يُعاد تسميتك على اسم شخص ترك أثرًا في حياة زوجك، أو اسم على غرار أحد أقربائه أو حتى صديقته السابقة؟ قالت أمي إنها لم تمانع، وآخرون أضافوا أن الحصول على اسم أمريكي في حقيقة الأمر جعل حياتهم أكثر سلاسة.

عندما وصلن إلى الولايات المتحدة تفرقن في البلدات التي يقيم فيها أزواجهن بطبيعة الحال، وحيث لم يكن لليابانيين سبق ظهور إلا في ملصقات الدعاية للحرب العالمية الثانية فقد ساد معتقد يتعلق بلون بشرتهم وأنها صفراء، لكن هل كانت بشرتهم صفراء حقًا؟ لقد طُلب من إحدى البنات في كارولينا الجنوبية أن تسحب كمها لأن يديها ومعصميها لم يبدوان باللون الأصفر كما كان يتخيل الأمريكيون.

هيروكو فوروكاوا تولبرت (85 عامًا)، والدة كاثرين تولبرت، وصلت إلميرا نيويورك في عام 1952. أطلق عليها الأصهار اسم «سوزي». (كارين كاسماوسكي لصحيفة واشنطن بوست)

جاءت أمي التي كانت ذات يوم ابنة ذوات في اليابان إلى مزرعة زوجها لتحيا في ذات البقعة من الريف منذ ذلك الحين وحتى بلوغها الأربع وستون عامًا.

قرأتُ وأعيد قراءة نصوص المقابلات التي سجلتها مع والدتي عندما كنت حبلى بابنتي منذ أكثر من 20 عامًا، عندها أدركت أنه لم يكن لديّ حتى جدول زمني لحياتها. ست ساعات من الأشرطة لم تخبرني ما أردتُ معرفته لذا قصدتها لمحاولة فهم ما الذي من المحتمل أن يكون قد دار بذهنها وفكرتْ فيه عندما قررت الزواج من جندي أمريكي، ليأتي أحد ردودها المختصرة: «لم أكن أفكر حينها، كنت أريد فقط الخروج».

لم أعرف نساء أخريات مثل أمي، ولكن كان لدي صديقتان تعملان في مجال الصحافة كانتا أيضًا ابنتي لعرائس الحرب اليابانيات وذلك عندما اقترحتا صنع فيلم عن أمهاتنا، وافقت على الفور لأنني كنت دائمًا أرغب في سرد ​​قصتها، أضف إلى ذلك أنها راوية ممتازة، أجلس بجانبها في الفيلم لأقدمها وأطرح عليها الأسئلة لا أكثر، ولكن تقريبًا دعمي الذي أحاول إظهاره لا داعي له.

هيروكو وبيل تولبرت مع أطفالهما في فورت لي بولاية فرجينيا، حيث أنهى بيل مهمته العسكرية. (بإذن من عائلة تولبرت)

وأنا في خضم صناعة الفيلم بالتعاون مع كازموسكي ولوسي كرافت، بدأت أفهم أن نضالات والدتي باعتبارها امرأة مهاجرة وحيدة في هذه المدينة هي انعكاس لحياة عشرات الآلاف من النساء اليابانيات الأخريات من جيلها اللواتي جئن زوجات في بلاد غريبة، وباعتباري صحفية شعرت أنه من واجبي التحدث مع بعض منهن قبل فوات الأوان، بينما كابنة أردت معرفة موقع أمي من تاريخ الولايات المتحدة. كنت قد حصلت على منحة من جامعتي التي أردتها في سنوني الأولى «فاسار» للسفر إلى الولايات المتحدة وإجراء مقابلات مع عرائس الحرب اليابانيات وعائلاتهن، لتسجيل شهادتهن لتصبح على شكل قصص صوتية وتصفح صورهن القديمة، من أجل إنشاء أرشيف تاريخ شفهي. وعلى مدار السنة سجلت حوالي 60 محادثة.

في بعض الأحيان كانت النساء اللواتي في العقد الثامن أو التاسع من العمر يعرضن عن إجراء المقابلات إلى أن يتم إقناعهن بالتسجيل من قبل أسرهن، وخاصة أطفالهن اللواتي تحرقن شوقًا إلى سماع القصص عن ذويهن، بعد الكلمات الأولى التي نطقن بها غمرتهن الذكريات بتفاصيلها التي ما فتئت تثير في القلب حرارة الذكريات، عن حياتهن المبكرة من الأكاذيب الصغرى التي أخبرن بها أمهاتهن، النظرات الخاطفة المتوترة تجاه الرجال الذين سيتزوجنهن فيما بعد، عذوبة أو عناد الرجال الأمريكيين الذين يحاولون التواصل مع الآباء اليابانيين لطلب يد بناتهن، أظهرن لي ألبومات تعد اليوم كنوزًا رائعة فيها صور لأزواج شباب يافعين في وضعيات ساحرة ربما تأثروا بأفلام هوليود التي كانت شائعة جدًا في اليابان، حيث النزهات الشاطئية مع أصدقائهم من الجنود.

هذه القصص التي روينها هن أو عائلاتهن

كانت الشابات اليابانيات مفتونات بشهامة الأمريكيين التي جُسِّدت في عبارة «السيدات أولًا» فأجمعت عرائس الحرب على وصف خطيبهن الأمريكي بالرجل النبيل.

تحت وطأة القنابل أعلن الإمبراطور الاستسلام، لتهبط مئات الآلاف من القوات الأمريكية على اليابانيين في موطنهم من القوات البحرية وطائرات النقل، للعمل على الحيول دون المجاعة والتدهور الاجتماعي أثناء إعادة تشكيل الدولة المهزومة.

وحدها العائلات الثرية ذات المركز الاجتماعي المرموق من تمكنوا من إقصاء فتياتهم عن عالم الجنود الأمريكيين، أما عن أولئك الذين بقوا على قيد الحياة فقد وجدوا أنفسهم في أمسّ الحاجة إلى العمل الذي قدمه الأمريكيون لهم بدورهم؛ وذلك بإقامتهم المدارس الكتابية ودروسًا لتعليم اللغة الإنجليزية ووظفوا سكرتارية وكتبة وخادمات وجليسات الأطفال كما ظهرت الملاهي الليلية في الدولة المحتلة ووجدت النساء اليابانيات العمل هناك.

كانت والدتي ابنة الضابط ذي المركز الرفيع في الجيش الياباني الإمبراطوري؛ طفلة مدللة في كوريا وقتما كانت في قبضة اليابان، حظيت بالخادمات وأُفعمت حياتها بدروس الرقص. في كل صباح كان أحد المساعدين يتردد على منزلهم لتلميع حذاء والدها وإيصاله إلى المخيم، ذات يوم تُوفي والدها جرّاء المرض وتحت ضغط الظروف عادت العائلة إلى اليابان وذلك خلال الحرب.

بعد انتهائها من المدرسة الثانوية شرعت بالبحث عن وظيفة، نظرًا لعدم توافر المال الكافي لترتاد الجامعة، حيث سيتم اقتصاد المال وتوفيره لصالح أخيها. على الجانب الآخر كان الجيش الأمريكي يدير مركزًا لتبادل الإرسالات البريدية، والذي يعد منفذًا للبيع بالتجزئة للجنود في منطقة غينزا الواقعة في طوكيو، ذهبت لمقابلة للعمل معهم، وسرعان ما تم توظيفها كاتبة مبيعات في قسم المجوهرات مما ساعد الجنود على اختيار الهدايا لصديقاتهم.

(بإذن من عائلة تولبرت) هيروكو (أقصى اليمين) مع والدتها أومى فوروكاوا وشقيقها ماساكي في صورة التقطت في كوريا، حيث عاشت العائلة حياة رغيدة.

في وقت ما في عام 1950 كانت ذاهبة إلى المنزل في الترام عندما بدأ جندي أمريكي بالتحدث إليها، أخبرته عن عملها، في الأيام التالية بدأ يتواجد هناك ليتحدث إليها ويطلب منها الخروج، قابلت طلبه بالرفض لكنه ظل يسأل، كان هذا تصرفًا جديدًا عليها، إذ أنه من النادر أن حدث وضغط الشباب اليابانيون عليهن بعد رفضهم.

جلب هؤلاء الأمريكيون هدايا لم يكن باستطاعة اليابانيين تحمل نفقاتها أو أنهم لم يألفوها قبل ذلك كالشوكولاتة أو الفساتين والتحف الغالية والأطعمة المختلفة، بدا الشباب الأمريكيون يتمتعون بالوسامة وطول القامة مرتديين الزي العسكري الموحد، خسرت اليابان الكثير من شبابها في الحرب وكل الذين عادوا كانوا واهنين جسديًا وعقليًا.

كانت الشابات اليابانيات مفتونات بشهامة الأمريكيين التي جُسِّدت في عبارة «السيدات أولًا» فأجمعت عرائس الحرب على وصف خطيبهن الأمريكي بالرجل النبيل. ولكن كانت هناك سلوكيات لا تُغتفر، تذكر امرأة رؤية الجنود في محطة القطار أيديهم ملأى بالساعات المأخوذة غصبًا من اليابانيين، كما شهد آخرون ممن تحدثت إليهم على الاعتداءات الجسدية بحق المدنيين اليابانيين.

أعجبت والدتي بـالجندي بيل من ولاية نيويورك الذي حادثها في الترام، كان إعجابًا متبادلًا، لم تكن ترتدي الكعب العالي وكان هو هادئًا وحسن التصرف مقارنة ببعض الجنود الأمريكيين الذين رأتهم، كما أنه لم يكن يشرب، هي لا تتحدث عن الرومانسية بل فقط عن يأسها للخروج من ما اعتبرته وضعها البائس في اليابان، كان هو فرصتها الوحيدة للهروب.

قابلت عائلة أخرى كانت بداية قصتها مشابهة؛ حيث صدفة اللقاء الأول في اليابان في فترة ما بعد الحرب والتي تُوجت بالزواج وبمنزل صغير في ريف ويسكونسن على طراز المزرعة مع حديقة كبيرة مسيّجة ومساحة شاسعة من حقول الذرة.  كانت تلك نانسي روبرتس التي تبلغ اليوم 84 عامًا.

هيروكو روبرتس.. حين وجدت هيروكو السعادة

كانت هيروكو ياماموتو -الاسم القديم لنانسي- تعمل في أحد المتاجر حين جرَّتها صديقتها من يدها لتجبرها على النظر إلى انعكاس وجهها من خلال زجاج المتجر في كيوتو، قائلة إنها تشبه مونتجومري كليفت الممثلة في فيلمهما المفضل «من هنا إلى الخلود» كانت هيروكو فتاة مدينة تملك طابعًا جريئًا وقت أن قابلت «دون» في بلدة ريفية على الطريق، اعتقدت أنه لطيف، تحدثت معه بوقاحة ولكنه دعاها لتناول الطعام، ومن وقتها بدأ في مناداتها نانسي لأنها تذكره بشخصية كرتونية في «نانسي وسالغو» بأنفها الدقيق والشعر الأسود المجعد، لم تكن نانسي لديها أدنى فكرة عمّا يتكلم.

في عام 1953 كانت هيروكو في الواحدة والعشرين تتمتع بحياة صاخبة تحاكي تلك التي في الأفلام تتنقل بين الحفلات وتعربد حينًا مع الشباب الآخرين الذين يريدون مثلها قضاء وقت ممتع دون التفكير في المستقبل؛ كان هناك نوع من الاستهتار يحكم حياة هؤلاء النساء الشابات اللاتي رأين عائلاتهن وبلدهن تمزقها الحروب.

لم نكن نكترث بالأمس أو بالغد لأننا اكتشفنا أن كل ما كنا نؤمن به لم يكن صحيحًا، عشنا فقط لليوم، عازمون على المرح حتى الثمالة.

هكذا وصفت هيروكو ذات يوم شبابها لابنتها البكر شارمين روبرتس.

كانت عائلة هيروكو ذات سمعة طيبة، لذا أن تواعد ابنتهم جنديًا أمريكيًا فهذه وصمة عار لسمعة العائلة، بعض العائلات تبرأت من بناتهن وأزالوا أسماءهن من سجلات العائلة وهو السجل الأهم الذي يحتفظ بأصولهم وسلالتهم.

لقي والد هيروكو حتفه في حادث حين صدمته شاحنة بينما كان على دراجته الهوائية، أبقت هيروكو صديقها الذي يشبه الممثل مونتجمري كليفت، جندي البحرية وطاهي نادي الضباط، سرًا عن والدتها لفترة طويلة.

هيروكو ياماموتو ودون روبرتس في 17 أغسطس 1954، يوم زواجهما في كوبي، اليابان. (بإذن من عائلة روبرتس)

أعود مرة أخرى إلى أمي، فقد عارضت جدتي اليابانية علاقة أمي مع بيل، وكان الجيران لا ينفكون يثرثرون عنها باستهجان ممتزج باستنكار لا يخفى، لم تكترث أمي لكل هذا كما أنها لم تلق بالًا إلى نصح جدتي لكنها أصغت بإمعان إلى تحذيرها بقول قديم: «إنه مثل رفات حصان غير معروف» كما دأبت جدتي على قول: «قبل أن تتزوجي رجلًا، يجب أن تكوني على بيّنة بأصل عائلته وظروفه، قيمه ومبادئه ومعتقداته». كان الجنود بكثرتهم مجهولين في مجتمع حيث النسب هو كل ما يهم.

من الواضح أن الجدة لم تكن وحدها من تعارض علاقة الجنود الأمريكيين بالشابات اليابانيات؛ حيث بدا تحفظ حكومة الولايات المتحدة واضحًا إزاء هذا الأمر، فواجه الرجال عقبات قانونية هائلة لإحضار زوجاتهم اليابانيات، إذ بحسب قانون الهجرة لعام 1924، الذي حصر المهاجرين بحسب جنسياتهم، استبعد أي شخص غير مؤهل للحصول على الجنسية، وحُظر الزواج بين الأشخاص ذوي البشرة البيضاء مع ذوي البشرة الصفراء والذي يعني بعبارة أبلغ: (الآسيويون).

في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي سمحت عدة قوانين مؤقتة للجنود بالزواج من صديقاتهم اليابانيات وإحضارهم إلى منازلهم فقط عند إكمالهم الأوراق المطلوبة في الوقت المناسب، وتم اعتماد هذا النظام لجعل الزواج أمرًا يصعب تحقيقه، مما ييسر على الشاب تغيير رأيه وعدم الزواج بهن.

في عام 1952 تم تمرير قانون مكاران والتر وإلغاء كافة العقبات والعراقيل القانونية التي وُضعت أمام الجنود الأمريكيين للزواج من اليابانيات، وإن ظلت الأعمال الورقية مثقلة بإجراءاتها الطويلة. استمر الضباط القياديون في تثبيط العلاقات ليس فقط بسبب العداء الشخصي، ولكن أيضًا لأنهم توقعوا أن النقابات قد تعتبر غير قانونية في دول موطن الرجال. بحلول عام 1952 كان زواج الأعراق لا يزال محظورًا على الأقل في الكتب إلى أن جاء إعلان المحكمة العليا في عام 1967 بعدم دستورية هذه القوانين في قرار قضية «الحب ضد فرجينيا».

كيميكو أماتو في أمريكا بمساعدة جون كنيدي

كان الاحتمال قائمًا أن تكون الزوجات اليابانيات أكثر انقيادية من النساء الأمريكيات، لكن للمفارقة، فالزوجات اليابانيات اعتنقن الطريقة الأمريكية في مسؤولياتهن الأسرية حتى أمسى نمطًا لحياتهن.

بإصرار الأمريكيين على موقفهم، قام بعض منهم بالضغط على أعضاء الكونجرس لمساعدتهم، وفي عام 1947 كان أنجلو أماتو والذي قد أكمل توًا العشرين ربيعًا يائسًا لإخفاقه في الإتيان بصديقته إلى الولايات المتحدة، لكنه كان عاقد العزم على إحضار كيميكو ياماغوتشي والذي داوم على وصفها: «أجمل فتاة رأيتها على الإطلاق». وفي شرق بوسطن سنَّ الشاب جون كنيدي الذي كان وقتها عضو مجلس النواب مشروع قانون خاص بكيميكو ياماغوتشي في 18 مايو (أيار) 1950، وما زال يحتفظ ابنهما جوزيف أماتو بحزمة من الرسائل التي بُعثت من قبل كينيدي إليهما آنذاك بشأن مشروع القانون.

عشية عيد الميلاد في ذات العام أحضر والده خطيبته كيميكو إلى منزله المكون من ثلاثة طوابق في الحي الأمريكي الإيطالي حيث تعيش هناك منذ ذلك الحين.

واحدة من العديد من الرسائل المبعوثة من جون ف. كينيدي إلى أنجيلو أماتو فيما يتعلق بجهوده الحثيثة لجلب كيميكو ياماغوتشي إلى الولايات المتحدة. (بإذن من عائلة أماتو)

تقول إحدى الأمهات اليابانيات: «كأم، يبدو الأمر مبهمًا أن أعرف ما يجول في خاطري وأنا أوافق على أن تبتعد عني ابنتي لتذهب بعيدًا برفقة رجل أجنبي، أعرف أن التواصل سيكون صعبًا متعسرًا والعودة إلى الوطن أمر بعيد المنال ولكني أعلم أيضًا أن بعض العائلات كانت أفرادها كثر، وفقيرة، فارتأيت أن إرسال ابنتي ومحاولة إقناع نفسي أنها برفقة أمريكي ثري لربما كان قرارًا قاسيًا لكن عمليًا، الولايات المتحدة تعني مستقبلًا أكثر إشراقًا».

لكن الشابات لم تكن مستعدات لحياتهن الجديدة في الولايات المتحدة، عندما كانت إحدى العائلات تحب المزاح كانت تقول عن ذلك: «ذهبت من الحياة في طوكيو خادمة إلى الحياة في فلوريدا سيدة منزل». وأما بالنسبة للنساء اللواتي تزوجن من الجنود الأمريكيين السود فقد قبعوا في عزلة إلى درجة لم يكونوا ليتخيلوها.

تقول تشيزوكو واتكينز ذات الثمانية والثمانين عامًا (أحد النساء اليابانيات اللاتي ارتحلن إلى الولايات المتحدة): «قبل أن أغادر اليابان، حكى لي زوجي عن أشياء عديدة فيما يتعلق بلوس ألتوس هيلز الواقعة في كاليفورنيا، كما ذكرني مرارًا قبل مغادرتي اليابان بأنني عندما أصل سأبصر أشياء مضحكة وأشياء يجب ألا ألقي لها بالًا». جابت كلماته عقلها بتؤدة وقتها إلى أن سافرت بالقطار لمقابلة زوجها في أتلانتا، حين وصلت دلفت إلى فندق مخصص لذوات البشرة البيضاء دون أن تعرف والحيرة رفيقتها، وبالطبع لم يتمكن زوجها -أسود البشرة- كليفورد من الانضمام إليها أو حتى مقابلتها.

حسنًا، ماذا عن الرجال؟ ماذا كانت توقعاتهم؟ كان الاحتمال قائمًا أن تكون الزوجات اليابانيات أكثر انقيادية من النساء الأمريكيات، لكن للمفارقة، فالزوجات اليابانيات اعتنقن الطريقة الأمريكية في مسؤولياتهن الأسرية حتى أمسى نمطًا لحياتهن، فما لبثن يعددن وجبات على الطراز الأمريكية، ويتولون تربية الأطفال الأمريكيين بقيم أمريكية، ويُذكر أن الصليب الأحمر في اليابان كان يدير «مدارس شعبية لإعداد العرائس الشابات»، حيث أخذت على عاتقها تعليم النساء اليابانيات كيفية صنع الأسرّة وخبز الكعك ووضع مساحيق التجميل والسير بالكعب العالي، أظهرت لي إحداهن وتدعى تويو سوارتز والبالغة من العمر اثنان وتسعون عامًا من مدينة فاليجو بولاية كاليفورنيا صورًا لامعة لنفسها قديمًا في تلك الصفوف وعادت إلى ذهنها تلك اللحظة وهي تتعلم كيفية صنع رغيف اللحم، وقد تم التقاط هذه الصور لإظهار الأمريكيين كم أن النساء اليابانيات ملائمات لهن.

كثيرًا ما كان الرجال أنفسهم غير مستعدين أيضًا، لكن أمي علمت أنها كانت في طريقها إلى مزرعة، لم يخالج أبي الشك في أنه كان يأتي إلى وطنه بامرأة ذات إرادة قوية، لا يمكن أبدًا أن تكون قانعة أنها زوجة لمزارع في مزرعة ريفية.

تويو شوارتز.. ليست السيدة الفراشة!

آل الحال إلى بعضهن بالمرارة والاكتئاب، تخطت غالبيتهن الحزن ببساطة ومضوا في حياتهم قدمًا لتربية أطفالهم ملتمسين العزاء في الصداقات أو الإيمان؛ معدِّين أنفسهم للتغيير المناسب لواقعهم الأليم.

حاولت تويو كانيكو شوارتز، البالغة من العمر 92 سنة، أن تفعل كل شيء بشكل صحيح، كما حضرت مدرسة للعرائس الجدد في طوكيو تديرها منظمة الصليب الأحمر لتعلم التدبير المنزلي الأمريكي والحصول على جنسيتها الأمريكية في أقرب وقت ممكن.

تتذكر والدتي بوضوح يومها الثاني في مزرعة الدجاج، كانت حبلى بي، أخذتها هيلين حماتها لرؤية صغار الكتاكيت كانوا قد لفوا بعناية في بطانية من الزغب الأصفر ووضعوا على طبق كبير تحت أضواء التدفئة المنبعثة من الموقد الكبير الذي يمد الغرف بالتدفئة، ما حدث بعد ذلك جعل أمي مريضة بشدة، فقد نظرت حماتها إلى الكتاكيت التي تبدو بأعدادها كبحر أصفر تسبح فيه الشمس، واختلست حماتها النظر إليها لتسحب كتكوتًا تم تشويهه بطريقة أو بأخرى، إما بصدمة أو بطريقة جعلت علامة أخرى من سوء الحالة الصحية تظهر عليه، فتحت حماتها باب الموقد وألقت الفرخ الصغير في النيران، مما أحدث صوت فرقعة، ظلت تلقي بالكتاكيت في النيران عدة مرات بينما تناضل والدتي للبقاء منتصبة.

في تلك اللحظة أدركت والدتي أن الحياة في المزرعة لن تكون مثل أي شيء مرت به قبلًا أو توقعته، كان من المؤلم بالنسبة لي أن أسمعها تصف صدمتها من حياة المزرعة: قذارة البيت، وطريقة العيش القاسية والخشنة، شجارها المستمر مع والدي، لطالما تاقت إلى حياة بعيدة عن المزرعة، تمنت لو يواصل زوجها تعليمه في الجيش لكن الواقع جثا فوقها.

عملت والدتي في المزرعة، عالجت البيض وأوصلته، ثم أدارت هي ووالدي متجرًا صغيرًا للبقالة بعد أن أصبحت المزرعة لا تدرّ دخلًا كافيًا.

أقام الصليب الأحمر مدارس للعرائس في اليابان ابتداءً من عام 1951 لتعليم العادات الأمريكية للزوجات اليابانيات، وقد كان العديد من المتطوعين الذين يدرِّسون الفصول من زوجات ضباط الجيش الأمريكي. 

كلما ازدادت قناعة والدي بما يملك من منزل في مقطورة وعمله المنخفض المستوى في المزرعة، كافحت أمي على ما أرادته هي دومًا، لسنوات طوال ظل صراعهما هذا هو نمط الحياة، تعترف اليوم أن هذا جعل زواجهم يأخذ منحنًى أسوأ، وهي تلوم نفسها لأنها لم تكن الزوجة المناسبة له؛ ليس لأنها كانت يابانية، ولكن لأنهما لم يكونا يومًا ملائمان لبعضهما البعض، متباعدان باختلافهما في الطباع وفي نظرتهما للحياة، وبعد أكثر من 30 عامًا معًا حصلا على الطلاق.

عندما حصل والداي على الطلاق، عرض والدي على والدتي أن تختار إما الاحتفاظ بمنزلهم أو بالمتجر على افتراض أنها ستأخذ المنزل قطعًا، على غير المتوقع أخذت أمي متجر تولبرت وحققت نجاحًا غير مسبوق، حيث أظهرت أيضًا نوعًا من الحركة النسائية من خلال توظيف النساء فقط من إيلي التي عملت في الأطعمة الجاهزة إلى بيتي التي امتهنت الجزارة.

في الواقع أصبحت بيتي ماراماك أقرب صديقة لأمي ومحل ثقتها، حيث علمتها كيفية جرد السلع والتحكم في المخزون وأقنعتها أيضًا بالحصول على أول لقاح للإنفلونزا، كما نصحت بيتي والدتي بقرار بيع المتجر؛ وهي عملية بيع حققت ما يكفي من المال لإدخالها في حياة متقاعدة مريحة.

تزوج ثانية ثم رحل عن الحياة منذ 15عامًا وما ينيف، كنت أتمنى سؤاله عن سبب اختياره لوالدتي لتشاركه حياته، وما الذي جعله يتشبث بفكرة الزواج منها وإحضارها إلى المزرعة، إذا ما كان قد اعتقد في الصورة النمطية للزوجة الآسيوية أنها المطيعة، أعلم أنه مع مرور السنوات قد استاء من طموحاتها ورغبتها في توسيع متجر البقالة خاصته، وبناء منزل جديد، ودفع أطفالها للتقديم لأفضل الكليات الممكنة، وبسبب تباعد شخصياتهما، كان لزامًا على كليهما أن يفترقا.

Bill and Hiroko Tolbert ran Tolbert's Market just outside Elmira, New York. After their divorce, Hiroko ran the store on her own, but had invaluable help from a veteran of the grocery business -- Betty Maramack, always referred to by Hiroko as

امتلك بيل وهيروكو تولبرت سوق تولبرت خارج إلميرا، نيويورك. بعد الطلاق، أدارت هيروكو المتجر بنفسها، ولكنها حصلت على مساعدة لا تقدر بثمن من أحد محاربي البقالة: بيتي ماراماك. عملت بيتي في قسم اللحوم وكانت هيروكو تشير إليها دائمًا باسم «بيتي، جزارتي». (بإذن من عائلة تولبرت)

خاطر العودة إلى اليابان لم يدنو إلى فكرها يومًا، لم أشعر بعد مقابلتي عرائس الحرب اليابانيات أن إحداهن قد تعود إلى الوطن يومًا ما، فعندما أزف ميعاد الرحيل حذرتهم عائلاتهم: «إذا رحلتن لا تعدن إلى المنزل باكيات، وبالتأكيد لا تعدن إلى البيت باكيات تحملن أطفالًا!».

آل الحال إلى بعضهن بالمرارة والاكتئاب، تخطت غالبيتهن الحزن ببساطة ومضوا في حياتهم قدمًا لتربية أطفالهم ملتمسين العزاء في الصداقات أو الإيمان؛ معدِّين أنفسهم للتغيير المناسب لواقعهم الأليم.

لكن بالطبع كانت هناك قصص حب عظيمة، وشركاء في الحياة تربطهم أواصر وثيقة، وعائلات محبة، ورجال يهتمون بأقارب زوجاتهم اليابانيات وعائلاتهن، فمثلًا، بعد أكثر من 12 عامًا مضوا على وفاة زوجته كيوكو، لا يزال جو سيكستون من فيلادلفيا، البالغ من العمر 82 عامًا، يرسل علبة كبيرة من الهدايا كل عيد ميلاد إلى أقاربها في هوكايدو وهي جزيرة واقعة في أقصى شمال اليابان، ويحادثهم سنويًا مستعينًا بمترجم فوري، ويحتفظ بطعام مرق رامين المفضل لديه الذي يرسلونه إليه في حزم، ويشاركه مع أبنائه.

كان العثور على النساء المتزوجات من رجال الجيش سهلًا أكثر من غيرهن من أسر وعرائس الحرب اليابانية، وإن عانين من أزواج غائبين لفترات طويلة لذهابهم إلى الحرب الفيتنامية في أواخر الستينيات والسبعينيات، خلال تلك الفترة عاشت الزوجات اليابانيات بالقرب من أبردين بروفينج جراوند في أبردين ماريلاند وشكلت مجموعة اجتماعية لا تزال باقية إلى يومنا هذا، حيث تجتمع حوالي 12 امرأة شهريًا غالبًا في مطعم جولدن كوريل لتناول وجبة الفطور المتأخرة حيث تتكون أطباقهم من الدجاج المقلي والمعكرونة والبطاطا، يقايضون الكتب والمجلات اليابانية، ويقومون بتعليم بعضهم البعض كيفية صنع زخارف أوريغامي جديدة، ويذهبون للتشجيع على فريق البيسبول الياباني للشباب الذي يأتي للتنافس في العالميات.

يوكو بريكنريدج.. اجتياز الامتحان

لا تنظر النساء إلى عائلاتهن اليوم باعتبارهن أفرعًا من شجرة عائلاتهن اليابانية، بل بوصفهن أغصانًا من أصل شجرة زرعنها من الصفر، حيث تقول إحدى النساء بفخر: «جئت إلى هنا وحدي، واليوم لديّ 28 فردًا من أفراد الأسرة».

يعدُّ العمل شكلًا من أشكال التحرر في الولايات المتحدة وفي أحيان كثيرة ضرورة، العديد قدِموا من اليابان بمهارات متعددة كالخياطة والحلاقة، حيث يعدّ صالون يوكو وعائلتها للعناية بالشعر في لويستون بولاية مين نموذجًا، كان صالونها مؤسسة ناجحة لسنوات عديدة لم يعرف معظم زبائنها صعوباتها وحاجتها للعمل للعناية بأطفالها الثلاثة بعد أن هجرها زوجها، في اليابان كان والد يوكو فاسدًا، وقد علّم يوكو الحلاقة حتى لا يضطر لدفع ثمن الحلاقة، تزوجت يوكو الأمريكي روجر للهرب من والدها، وتصبح بعد ذلك مصففة شعر ناجحة في ريدوود فولز.

كانت يوكو بريكنريدج مصففة شعر على درجة عالية من المهارة، تظهر هنا حكمًا في مسابقة تصفيف الشعر في أعالي الغرب الأوسط في عام 1965. (بإذن من يوكو بريكنريدج)

كان هؤلاء العرائس الجدد مصمماتٍ على تنشئة أطفالهن كي يكونوا أمريكيين بالكامل وبالفعل نشأ الأطفال كالآخرين على الطريقة الأمريكية على غير صلة بالثقافة اليابانية، حيث لا يملك أغلبهم أسماء يابانية حتى.

لا أفكر في نفسي بوصفي أمريكية من أصل آسيوي، خلال نشأتي في نيويورك لم أقابل آسيويين أو أمريكيين يابانيين آخرين، ربما وددت لو أحادثهم، وكنت لأشعر حينها ببعض الألفة لتشابهنا، لكنني فوجئت حقًا عندما وجدت أنه حتى أطفال عرائس الحرب اليابانيين في الساحل الغربي بجذورهم الآسيوية العميقة لم يفكروا في أنفسهم قط على أنهم أمريكيون يابانيون.

أعتقد أن هذا يرجع جزئيًا إلى أن عرائس الحرب اليابانيات قمعن هوياتهم السابقة بشدة ليجعلنها أمريكية الهوى، وقد رأت النساء وعوائلهن على حد سواء رحيلهن إلى أحضان الرجال الأمريكيين حدثًا حزينًا، لأن الرحيل كان أبديًا، كان هناك نوع من الخزي الكامن في أعماقهم بأنهم نبذوا اليابان وراءهم أو أن اليابان خذلتهم!

لا تنظر النساء إلى عائلاتهن اليوم باعتبارهم أفرعًا من شجرة عائلاتهن اليابانية، بل باعتبارهم أغصانًا من أصل شجرة زرعنها من الصفر، حيث تقول إحدى النساء بفخر: «جئت إلى هنا وحدي، واليوم لديّ 28 فردًا من أفراد الأسرة».

امتنعت أمي عن التحدث إلينا، عدد قليل جدًا من عرائس الحرب اليابانيات استخدمن لغتهن اليابانية في الحديث في المنزل، وفي الأغلب مُنعن من الحديث من قبل أزواجهن الذين خشين بشدة أن تصبح لغة مشتركة بين أزواجهن والأطفال ويصبحوا هم في عزلة، كما اعتبرت النساء أن هذا ثمن يستحق دفعه ليصبحن أمريكيات حقيقيات وليُنظر إلى أطفالهن مثل الأطفال الآخرين.

أين ذهب السُكّان الأصليون لليابان؟

الجدير بالذكر أن بعض الأطفال الذين تعلموا اللغة اليابانية فيما بعد أو قضوا بعض الوقت في اليابان تغيرت نظرتهم إلى أمهاتهم بشكل جذري.

كان رودني يودر من بوسطن طالبًا في جامعة هارفارد، أمضى سنة في جامعة دوشيشا بكيوتو عندما جاءت والدته إتسوكو لزيارته. بعد سنين طويلة من تلك الواقعة، وجالسًا في شقتة في بوسطن، تخنقه الذكرى: «استطعت أخيرًا فهم والدتي! للمرة الأولى كنت أسمعها تتحدث، كنت أستشعر روح فكاهتها، أخبرتني عائلة أمي في اليابان قبلًا عن مدى إشراق أمي وروحها المرحة، لذا كان الأمر يبدو وكأني أتعرف عليها للمرة الأولى».

غالبًا ما بقيت النساء بعيدًا عن اليابان، ربما ذهبن مرة أو مرتين زيارة إلى منزلهن خلال الستين عامًا، قد يرجع هذا إلى تكلفة الرحلة، وإن كانت اليابان أيضًا تغيرت وأصبحت قوة غنية لا يمكن إدراكها، وأصبحوا هم أنفسهم غرباء هناك.

ولكن على النقيض تمامًا، تمتعت أمي بزيارات منتظمة لليابان؛ أحيانًا كعضو في الوفد المحلي المسمى «المدينة الشقيقة» للتبادل بين كورنينج القريبة من نيويورك ومدينة كاكيجاوا، ربما تغيرت اليابان لكن الطعام الذي أحبته لم يتغير، كانت محظوظة حقًا، فوالدتها وأخوها وأختها يرحبن بها دائمًا بحفاوة، كما أخذت بنات أختها عطلة من العمل ليتجولن معها.

لكن ما أخفته عن والدتها ولم تقله مطلقًا كان حقيقة أنها مطلقة؛ لم تستطع أن تقلل من شأن الصورة التي رسمتها في مخيلتهم عن حياتها الأمريكية على مر السنين: زواج جيد وعائلة رائعة، كما أنها لا تريد أن تسلّم بأن أمها كانت على حق قبل أكثر من ستة عقود بتحذيرها عن «رفات الحصان غير المعروفة».

Hiroko Tolbert on the family poultry farm in the early 1950s.

هيروكو تولبرت في مزرعة دواجن العائلة في أوائل الخمسينيات. (بإذن من عائلة تولبرت)

اعترفت أنها لم ترتكب خطأ، ظلت تردد مرارًا وتكرارًا أنه ما من قرار صحيح اتخذته قدر قرار مغادرة اليابان، استطاعت أن تحلّق بعد هبوطها الحاد ورغم إحباطات الحياة، لتصبح راضية عن مجرى حياتها بعد ذلك. لقد كانت أمريكا مثالية لها بهذا المعنى؛ لأنها كانت رائدة الأعمال، وكلما عملت بجد زادت قدرتها على المضي قدمًا، مما جلب لها رضا هائلًا عن ذاتها.

ربت أمي أربعة أطفال، ليس فقط بالدفء والغمر بالحب، ولكن أيضًا بالإصرار والعزم. اللغة التي كانت والدتي تستخدمها عندما كنا ناشئين تدور دائمًا حول العمل الجاد والدراسة والمضي قدمًا، مثلها مثل الأمهات اليابانيات بشكل عام: كانت مهووسة بالتعليم، حتى أنها دفعت مبالغ لجلب معلمين خصوصيين، ذاكرت لي فصول التاريخ عندما كنت في المرحلة الإعدادية حتى تتمكن من سؤالي أسئلة قبل الاختبار.

لقد أرادتنا أولًا وأخيرًا أن ننجح لأن ذلك يعني أنها نجحت، كان ذلك في غاية الأهمية بالنسبة لها، كانت تقول: «أنا لا أريد أن يقول الناس: انظر ماذا يحدث عندما يأتي ياباني إلى هذا البلد».

لم تعتد أمي على قول «أنا أحبك» لأبنائها حتى اليوم، لكنها باتت اليوم تحتضن أبناءها عند الوداع. أنا أكبر أبنائها، راوية حكاياتها وحكايات كل امرأة يابانية مثلها، لا لشيء سوى إعطائهن التقدير الذي يستحقن لما تحمَّلنه وما حققنه، وهاأنذا قد تعلمت اليابانية وعلمتها لابنتي، وفي كل مرة أراها أعانقها وأقول لها دومًا: «أحبك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد