ظهر محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، على الساحة السعودية والدولية في عام 2015. وأحدث منذ ظهوره الكثير من التعديلات على سياسات المملكة الداخلية والخارجية، زاعمًا أنَّه يقود جهود الإصلاح والانفتاح في المملكة. ثم قُتِلَ الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية المملكة بإسطنبول في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول)، ما أدَّى إلى تعرُّضه لموجة انتقاداتٍ عارمةٍ في الغرب، لدرجة تعالي الأصوات المُطالبة بإطاحته داخل واشنطن.

لكنَّ جورجيو كافييرو، المدير التنفيذي لمركز تحليلات دول الخليج في واشنطن، يرى في مقالٍ نشره موقع «كونسورتيوم نيوز» الأمريكي أنَّ الولايات المُتحدة ستُضطر -إن عاجلًا أم آجلًا- لتقبُّل فكرة أنَّ ابن سلمان سيحكم المملكة.

محمد بن سلمان.. سنوات الطفولة والمُراهقة قد تُفسر الكثير

ذكر كافييرو أن بعض صنُّاع السياسة الأمريكية افترضوا أنَّهم يمتلكون الحق والسلطة الأخلاقية لتعديل تسلسل الخلافة داخل المملكة العربية السعودية، وذلك في أعقاب مقتل خاشقجي. إذ اتَّهم السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام الأمير محمد بن سلمان بأنَّه «مُجنون» في نوفمبر (تشرين الثاني)، وأكَّد أنه «يجب أن يرحل».

ويرى كافييرو أنَّ هذا الخطاب له دلالةٌ كبيرة في ضوء أنَّ الولايات المتحدة لم تتدخَّل في صراعات السلطة الداخلية لعائلة آل سعود منذ الستينيات. لكنَّ الولايات المتحدة ستُضطر على الأرجح إلى قبول التعامل مع «الملك» محمد، بغض النظر عن تفضيلات بعض الساسة داخل واشنطن بشأن خلافة المملكة العربية السعودية.

ويعتقد كافييرو أنَّ عصر نموذج القيادة التقليدي السعودي -الذي يعود إلى الحقبة التي سبقت ظهور ابن سلمان- قد انتهى، إذ كان ذلك النموذج يعتمد على صُنع القرار الجماعي وبناء التوافق بين مجموعةٍ كبيرة من الأمراء. واستبعد وجود أي تحدٍ موثوق لحُكم ابن سلمان أو موقعه في تسلسل الخلافة، بغض النظر عن حجم الضغط الذي قد تُحاول واشنطن فرضه، استنادًا إلى حجم السلطة التي يتمتَّع بها ولي العهد.

بحسب المقال، قبل قضية خاشقجي، ترسَّخت سلطة ابن سلمان داخل الرياض لدرجة أن الأمير الشاب لم يُواجه أي قيودٍ من أفراد أسرة آل سعود نظريًا. ونجح ابن سلمان خلال الأشهر الأخيرة في زيادة ترسيخ سلطته داخل المملكة، رغم الانتقادات التي تعرَّض لها من صُنَّاع السياسة الأمريكيين في أعقاب توصُّل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى أنَّ ولي العهد هو من أمر بقتل خاشقجي.

Embed from Getty Images

ولم تَكُن التداعيات السياسية لقتل الصُحفي العام الماضي كافيةً لإقناع ابن سلمان بتخفيف حملته القمعية داخل البلاد، ولم تُثنِه كذلك عن استهداف المُعارضين السعوديين خارج البلاد بجهودٍ تُحاول إعادتهم إلى المملكة.

وبالتالي، يستبعد كافييرو وجود أي مُعارضةٍ ناجحةٍ للأمير الشاب من الداخل، نظرًا لأنَّ أجهزة الأمن السعودية وكافة مُؤسسات الدولة المُهيمنة تقع تحت سيطرته الراسخة. وبهذا يفتقر آل سعود إلى القدرة على إيقاف ابن سلمان جماعيًا، رغم كراهية الكثيرين منهم له في رأيه.

الملك سلمان هو الشخص الوحيد القادر على إصدار قرارٍ بتغيير ترتيب الخلافة، بحسب التقرير، لأنَّ المملكة تُدار بنظام الملكية المُطلقة. ولم يُظهِر الملك سلمان أي علامةٍ تدُل على أنَّه سيُطيح نجله من تسلسل الخلافة، رغم أنَّه أقال (أو أجبر على الاستقالة) وليي عهدٍ آخرين منذ أن أصبح ملكًا للسعودية في يناير (كانون الثاني) عام 2015، وهما الأمير مقرن في أبريل (نيسان) عام 2015 والأمير محمد بن نايف في يونيو (حزيران) عام 2017.

الرياض: توقَّفوا عن التدخُّل

يشير كافييرو إلى أنَّ الرياض ترى أنَّ القوى الأجنبية يجب أن تتوقَّف عن التدخُّل والتظاهر بسذاجة بأنَّه بإمكانها التأثير على العملية. علاوةً على ذلك، يُمكن أن يُؤدِّي الضغط الخارجي على الملك سلمان من أجل إقالة نجله إلى رد فعلٍ عكسي، ويمنح القيادة السعودية مصلحةً أكبر في الوقوف إلى جانب ابن سلمان. إذ قال الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية الأسبق والسفير السعودي الأسبق في واشنطن: «كلما زادت الانتقادات [الأجنبية] لولي العهد؛ زادت شعبيته داخل المملكة».

ويؤكد الكاتب أنَّ المسؤولين في الرياض غاضبون من فكرة أنَّ صُنَّاع السياسة الأمريكية يُحاولون التفكير في مسألة الخلافة بالمملكة، وهي المسألة التي تُمثِّل خطًا أحمر بالنسبة لقيادتها. إذ سيكون تغيير تسلسل الخلافة تحت ضغوطات الحكومة الأمريكية علامة ضعفٍ وخضوعٍ للقوة العظمى العالمية من وجهة نظر العائلة الحاكمة في السعودية، وهو الأمر الذي يرى كافييرو أنَّه لا يتوافق مع مساعي الرياض الحالية لإبراز الهيمنة السعودية على الشرق الأوسط واستقلالها عن الغرب، في ظل تحوِّل الكرة الأرضية إلى عالمٍ مُتعدِّد الأقطاب.

Embed from Getty Images

ويُرجِّح كافييرو أن تُؤدِّي هذه الضغوطات إلى تسريع تحوُّل الرياض الجيوسياسي نحو الشرق، وهو الأمر الذي دفع بالسعودية إلى زيادة الاستثمار في علاقاتها مع الصين والهند وباكستان وروسيا. وتُحاول الرياض أيضًا تنويع تحالفاتها وشراكاتها العالمية من أجل زيادة استقلالها الجيوسياسي عن حلفائها الغربيين التقليديين، وذلك في ظل تشكيك القيادة السعودية في مدى التزام الولايات المتحدة بحماية أمن المملكة على المدى الطويل.

ويرى كافييرو أيضًا أنَّ صمت تلك الحكومات غير الغربية في ما يتعلَّق بملف خاشقجي يُؤكِّد على رغبة تلك الدول في تجنُّب انتقاد المملكة حول انتهاكات حقوق الإنسان -وهو الموقف الذي أكسبها رضا محمد بن سلمان- من أجل الاستفادة من كُل ما يُمكن أن تُقدمه لها علاقاتها الوثيقة مع الرياض. وبالنسبة للصين وروسيا؛ فقد منحتهما قضية خاشقجي فرصةً لزيادة الصدع بين الولايات المتحدة وحليفها الرئيسي في الخليج.

المخاطر الثنائية

يعتقد كافييرو أنَّ تحالف الرياض مع واشنطن ربما يُواجه أزمةً ثنائيةً غير مسبوقة في حال اتَّفق خليفة ترامب في الرأي مع السيناتور جراهام حول أنَّ ابن سلمان لا يجب أن يُصبح ملكًا للسعودية. ولا يستطيع ولي العهد زيارة واشنطن في الوقت الحالي، نظرًا للضربة الكبيرة التي ألمَّت بسمعته بين صُنَّاع السياسة الأمريكية وأعضاء الإدارة في واشنطن إثر مقتل خاشقجي.

ولا شك بحسب الكاتب في أنَّ التساؤلات حول العلاقات السعودية-الأمريكية في الحقبة التي ستعقب ترامب تُثير قلق القيادة السعودية، رغم أنَّ ابن سلمان ما يزال قادرًا في الوقت الحالي على مواصلة العمل مع الرئيس الأمريكي، الذي تكبَّدت إدارته الكثير من العناء لتفسير الشكوك حول قضية خاشقجي في صالح ولي العهد.

ولا يستطيع ابن سلمان تجاهل هذه المخاوف نظرًا للخطاب الذي يتبنَّاه بعض المُرشحين للرئاسة، مثل السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز والسيناتور الجمهورية تولسي جابارد، في ما يتعلَّق بالمملكة العربية السعودية والتحالف السعودي-الأمريكي.

Embed from Getty Images

وأشار كافييرو إلى وجود سيناريو مُحتمل يتعرَّض فيه لابن سلمان للاستهداف من الداخل، حيث يُمكن أن يلقى نفس مصير أنور السادات، الرئيس المصري الذي تعرَّض للاغتيال. وهذا سيمنع ولي العهد من أن يُصبح خادم الحرمين الشريفين (اللقب الرسمي لملك السعودية منذ عام 1986). لكنَّ كافييرو يستبعد حدوث هذا السيناريو، ويرجِّح أنَّ ابن سلمان سيُصبح ملك المملكة العربية السعودية المُقبل، حتى لو أثار ذلك غضب مجلس الشيوخ الأمريكي.

وسيُضطر الكثير من المسؤولين الأمريكيين داخل واشنطن إلى قبول هذا الأمر الذي يرفضونه الآن لأنَّ لديهم الكثير من المُشكلات مع ابن سلمان. وسيتعيَّن على الولايات المتحدة، بطريقةٍ أو بأخرى، أن تتحمَّل حُكم الملك محمد للسعودية، التي تُعَدُّ أهم الحلفاء العرب بالنسبة للولايات المتحدة، والدولة التي تقود العالم في إنتاج وتصدير النفط.

ويُؤكِّد كافييرو أنَّ صعود محمد بن سلمان إلى كرسي العرش السعودي ستترتَّب عليه آثارٌ ملموسةٌ في كافة أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وربما تتجاوزها كذلك. إذ اتَّخذ الأمير الشاب قرارات سياسةٍ خارجية تعكس جرأته وتفكيره المُندفع، مثل الحرب في اليمن، وحصار قطر، والأزمة الدبلوماسية السعودية-الكندية في أغسطس (آب) عام 2018، واعتقالات فندق ريتز-كارلتون، وملحمة سعد الحريري عام 2017.

وتساءل الكاتب في ختام تقريره عمَّا يُمكن أن يفعله ابن سلمان حين يُصبح الملك المُقبل للسعودية، ومدى التأثير الذي سيُحدِثه في المملكة والشرق الأوسط خلال العقود الأربعة أو الخمسة المُقبلة، في حال حكم البلاد حتى وفاته، بالنظر لكل الأزمات التي تسبَّب فيها للمملكة وعلاقتها مع واشنطن على مدار السنوات الأربعة الماضية فقط.

«الجارديان»: لماذا لن يكون 2019 عامًا سعيدًا على ابن سلمان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد