في الأشهر الأولى من صيف العام الماضي، صدمت سلسلة من الانتصارات العسكرية التي حققها مقاتلون ينتمون إلى ما كان يعرف آنذاك باسم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا العالم.

 

وفي السنة الماضية، استحوذوا بشكل مطرد على أراضٍ في ساحات معارك فوضوية في الحرب الأهلية السورية، وفجأة بدا أن نفس الشيء يحدث في العراق.

 

سقطت مدن حديثة وسامراء والموصل وتكريت في تتابع سريع، وذلك في الوقت الذي فر فيه الجيش العراقي جنوبًا باتجاه بغداد. ثم ما لبث أن قام المقاتلون بإعلان الخلافة في أواخر يونيو.

 

استولى مقاتلو تنظيم الدولة على سنجار في أوائل أغسطس 2014، وقاموا بذبح المدنيين المنتمين إلى الأقلية اليزيدية ومحاصرة الآلاف الذين فروا إلى جبل سنجار الواقع في مكان قريب.

 

ثم اندفعوا نحو أقصى الشرق، حتى وصلوا إلى منطقة تبعد 45 كيلومترًا من العاصمة الكردية، أربيل.

 

ومع التعداد الهائل للمدنيين في أربيل الواقعين تحت التهديد، واليزيديين الذين يموتون جوعًا في الجبل، أذن باراك أوباما بعمليات قصف جوية ضد تنظيم الدولة في 7 أغسطس 2014.

 

وفي الشهر التالي، ازدادت وتيرة الضربات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة، وما وصفه أوباما في البداية كعملية “محدودة” تحول إلى جهد متواصل لـ”القضاء المبرم” على تنظيم الدولة بمشاركة تحالف واسع من الدول الغربية والعربية.

 

مرت سنة واحدة منذ ذلك التدخل، وقد أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مليارات الدولارات ونفذت 5885 غارة جوية، مما أسفر عن مقتل ما يقدر بنحو 15000 من المقاتلين ونحو 450 من المدنيين، وذلك وفقًا لمجموعة مراقبة واحدة.

 

ولكن ما مدى نجاح الحملة التي تُشن ضد تنظيم الدولة حقًّا؟

الضغط على البالون

 

يزعم مسؤولون عسكريون أمريكيون حدوث تقدم بطيء وثابت في الحرب ضد تنظيم الدولة، مشيرين إلى أنه جرى استعادة معظم الأراضي في شمال ووسط العراق.

 

كان المتحدث باسم البنتاغون الكولونيل ستيف وارن قد صرح في مارس الماضي إنه “لم يعد لدى التنظيم حرية الحركة الكاملة في ما يقرب من 25 في المئة من المناطق المأهولة بالسكان من الأراضي العراقية مثلما كانوا يتحركون فيها بحرية من قبل”.

 

“إن دولة الخلافة هي في طور الانكماش” قال للصحفيين، مشيرًا إلى فقدان التنظيم السيطرة على بابل وديالى ونينوى وصلاح الدين وكركوك.

 

ويقول مركز أبحاث IHS ومقره في المملكة المتحدة إن تنظيم الدولة فقد ما يقرب من 10 في المئة من أراضيه في الأشهر الستة الأولى من عام 2015، حيث بلغت المساحة الإجمالية التي يسيطر عليها 82940 كيلومترًا مربعًا (32000 ميل مربع).

 

ولكن المشكلة في تقديرات الولايات المتحدة هي أن قدرة التنظيم لم تتحلل بشكل ملحوظ نتيجة لذلك.

 

“الأمر يشبه الضغط على البالون. يمكنك الضغط على جزء واحد فقط ولكنه يزيد الضغط في مناطق أخرى”، يقول شيراز ماهر، وهو زميل بارز في المركز الدولي لدراسة التطرف (ICSR) في كلية كينغز في لندن.

 

“لقد قتل عدد كبير من المقاتلين، ولكن الضربات الجوية لم تضر حقًّا بقيادة التنظيم أو تؤثر في قدرة عملها. فهي لا تزال تتمتع بحركة مرنة جدًّا على أرض الواقع”.

عانت الدولة الإسلامية من انتكاسات في بعض المناطق، ولكنها أظهرت أيضًا أن لديها القدرة على تحقيق تقدم في مناطق أخرى. سقطت المدينة القديمة في تدمر بيد المسلحين في مايو الماضي بعد أن هزموا قوات الحكومة السورية، وهناك دلائل على أنها خطة للتحرك صوب الجنوب.

 

وعززت الدولة الإسلامية من السيطرة على المدن الرئيسية والموصل والرقة، والمتوقع أن تظل هناك لبعض الوقت.

 

وهناك أيضًا مؤشرات قوية بأن أعداد المقاتلين التابعين لها لم تتضاءل إلى حد كبير، على الرغم من مقتل العديد منهم. ويقدر الخبراء أن الدولة الإسلامية تكسب ما بين 850 إلى 1250 من المجندين الجدد في الشهر ممن يتقاطرون على سوريا والعراق من الخارج، وإن كانت هناك إشارات على حدوث تغير وذلك نتيجة للجهد الأكبر المبذول من قبل تركيا في مراقبة حدودها.

 

الأصدقاء والأعداء

 

إحدى مشكلات إستراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع تنظيم الدولة هي أن الضربات الجوية لا يمكنها عمل الكثير. فبدون وجود جنود على الأرض، اعتمدت الولايات المتحدة على عدد من القوى المختلفة لاستعادة الأراضي. وفي حين تتقاسم هذه القوى العداء المشترك لتنظيم الدولة، فالكثير منها أيضًا تعادي بعضها أشد العداوة.

 

إن لدى الولايات المتحدة مستويات مختلفة من الالتزام اتجاه كل من هذه المجموعات، والتي تعتمد إلى حد كبير على أهدافها الخاصة. فمتى ما كان مستوى التعاون بين القوات على الأرض والتحالف مرتفعًا، كانت الضربات الجوية فعالة.

 

ربما كان أفضل مثال على ذلك هو المعركة على البلدة الحدودية السورية الإستراتيجية كوباني، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية. في أواخر سبتمبر، عندما كانت كوباني على وشك السقوط في يد تنظيم الدولة، كثفت الولايات المتحدة من حملة القصف. كانت كوباني والمناطق المحيطة بها هدفًا لحوالي نصف دزينة من الضربات الجوية كل يوم، وذلك وفقًا للأسوشيتد برس، واضطر التنظيم في نهاية المطاف للخروج من المدينة.

 

كان للضربات الجوية تأثير “حاسم” في عملية الدفاع عن كوباني، وفقًا لآلان سيمو، وهو عضو في لجنة الشؤون الخارجية في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، أكبر قوة سياسية في المنطقة الكردية في سوريا ومنظمة شقيقة لوحدات حماية الشعب الكردية.

 

كما لعب الضربات الجوية أيضًا دورًا رئيسيًّا في استعادة وحدات حماية الشعب مدينة تل أبيض، وهي بلدة أخرى تقع على الحدود بين تركيا وسوريا، في يونيو من هذا العام. وفي الآونة الأخيرة، استعادت قوات وحدات حماية الشعب مدينة الحسكة، وهي مدينة عربية كردية مختلطة تقع في شمال سوريا، وذلك بمساعدة من الضربات الجوية للتحالف.

ثمة مستوى مماثل من التعاون قائم بين قوات التحالف وقوات البشمركة الكردية في العراق. فقادة البشمركة على اتصال وثيق مع مستشارين أمريكيين في البلاد ولهم القدرة على استدعاء الضربات الجوية للتحالف. وقد ثبتت فائدة هذا في استعادة مناطق من محافظة كركوك.

 

أما التعاون بين الولايات المتحدة وقوات الأمن العراقية فهو أكثر تعقيدًا. فنظرًا لاعتماد الحكومة العراقية على الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، التي اكتسبت العديد منها خبراتها في الحرب من قتال القوات الأمريكية أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق، فإن الضربات الجوية الأمريكية غالبًا ما تتم بناءً على شروط محددة.

 

تتقدم القوات العراقية، التي ساعدتها الولايات المتحدة بتوفير التدريب والمعدات، حاليًا ببطء في محافظة الأنبار بمساعدة الضربات الجوية الأمريكية. ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان يمكن تحقيق تقدم جدي.

 

باستثناء الأكراد، والمهمة الأولية بمنع سقوط أربيل والاعتداء على جبل سنجار، سيكون من المبالغة بالنسبة لأي من الجماعات التي تقاتل تنظيم الدولة الزعم بأنها قد وجهت له ضربات موجعة. بل ربما يكون التنظيم قد ازداد قوة، وذلك وفقًا لحسن حسن، زميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، ومؤلف كتاب “داعش: داخل جيش الإرهاب”.

 

إن أي هزيمة لحقت بالتنظيم على الأرض منذ الحملة الجوية جرى تعويضها بالانتشار الإستراتيجي على أرض الواقع”، يقول حسن. ويضيف: “وهذه الهزائم لا معنى لها طالما أن الجماعة تضع لها موطئ قدم ليس فقط في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها ولكن في مناطق أخرى حيث تتوسع بهدوء”.

لعبة النفس الطويل

 

ثمة ضعف كبير في إستراتيجية الولايات المتحدة تمثل في عدم بناء أي قوة سنية كبيرة لمواجهة تنظيم الدولة، الذي يتمسك بتفسير متطرف لنفس النسخة من الإسلام.

 

كان تنظيم الدولة قادرًا بسهولة على اكتساح الأراضي الواقعة غرب العراق بنسبة كبيرة بسبب الاستياء العميق الذي شعر به أهل المنطقة من الطائفة السنية تجاه الحكومة المركزية ذات الأغلبية الشيعية في العراق.

 

وفي حين أن غالبية السنة لا تدعم فكر الجماعة الإرهابية، فقد وجدها العديد منهم أفضل من قوات الأمن الشيعية إلى حد كبير التي سيطرت على المنطقة في السابق، حيث كانوا قد اشتكوا من المضايقات وسوء المعاملة لسنوات.

 

منذ توليها السيطرة على المناطق السنية في غرب العراق، سعت الدولة الإسلامية إلى تصوير نفسها على أنها الحامية الوحيدة لأهل السنة. ولهذا السبب يتفق معظم الخبراء على أن قوة سنية قوية – لا يهيمن عليها الشيعة– تعد أمرًا ضروريًّا لاستعادة السيطرة والحفاظ عليها في هذه المناطق. فقد ظهرت نتائج إستراتيجية مماثلة بالنسبة للولايات المتحدة خلال احتلالها للعراق. وذلك عندما ساعدت ميليشيا الصحوات، التي تتكون من رجال القبائل السنة الذين تدفع الولايات المتحدة لهم مرتباتهم، بشكل كبير في الحد من العنف في البلاد بعد عام 2006 وجعلت من الصعب جدًّا على تنظيم القاعدة في العراق، سلف الدولة الإسلامية، العمل بفعالية في محافظة الأنبار.

 

ولكن على الرغم من هذا، فإن دعم الولايات المتحدة للقبائل السنية في العراق يسير بوتيرة بطيئة. وانعدام وجود الثقة في كلا الجانبين هو السبب وراء هذا البطء. حيث يخشى القادة العسكريون الأمريكيون من أن أي أسلحة يتم إرسالها إلى تلك القبائل قد ينتهي بها المطاف في أيدي مقاتلي تنظيم الدولة، في حين تخشى القبائل السنية من تقارب الولايات المتحدة مع الحكومة الشيعية في بغداد.

 

وعدم وجود دعم للسنة العراقيين ممن يعارضون تنظيم الدولة، فضلًا عن التقارير المتداولة حول الانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات الشيعية في المدن السنية، لن يسهم كثيرًا في كسب ثقتهم.

 

وعدم التقدير الإستراتيجي هذا يمتد أيضًا إلى سوريا.

فقد جرى دحر معظم الجماعات المتمردة الأكثر اعتدالًا في سوريا من قبل الفصائل الأكثر تطرفًا وذات التمويل الأفضل. أطلقت الولايات المتحدة برنامجًا بـ500 مليون دولار لتدريب وتجهيز المتمردين السوريين السنة لقتال تنظيم الدولة فلم يلتحق به سوى 60 مقاتلًا، كثير منهم ألقي القبض عليهم أو قتلوا.

 

كما أن غالبية السكان السنة في البلاد ينظرون إلى بشار الأسد باعتباره تهديدًا أكبر من تنظيم الدولة. فالبراميل المتفجرة التي تقصف الحكومة السورية المعارضين بها كانت مسؤولة عن سقوط عدد هائل من الضحايا من المدنيين.

 

ولكن على الرغم من التصريحات المتكررة بالتزامها بإسقاط الأسد، فقد رفضت الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية ضد الجيش السوري.

 

يشعر السوريون باستياء كبير من أن الولايات المتحدة تقصف تنظيم الدولة، بينما تغض الطرف عن النظام الذي كان مسؤولًا عن مقتل عشرات الآلاف، يقول ماهر، والذي يركز عمله على تتبع المقاتلين الأجانب في الصراع القائم.

 

إن فكرة أن طائرة بدون طيار تابعة للتحالف تشترك في نفس المجال الجوي مع طائرة هليكوبتر حكومية تقوم بإسقاط البراميل المتفجرة في منطقة مدنية، يراه الناس وكأنه دعم للأسد”، كما يقول ماهر. وأضاف: “إنهم يرونهم وهم يقصفون داعش ولكن لا يفعلون أي شيء حيال البراميل المتفجرة”.

عواقب غير مقصودة

 

إن مشاعر الاستياء هذه تتفاقم بفعل العواقب غير المقصودة من حملة القصف الجوي المستمرة.

 

لقي أكثر من 450 مدنيًّا حتفهم في غارات جوية للتحالف، وفقًا لدراسة حديثة أجراها Airwars، وهو مشروع تحقيق مستقل. وقد اعترفت حكومة الولايات المتحدة فقط بالمسؤولية عن وفاة شخصين مدنيين جراء إسقاط ما يقرب من 17000 من القنابل والصواريخ على العراق وسوريا.

 

يخدم كل قتيل من المدنيين كأداة دعاية قوية لتنظيم الدولة، وفقًا لماهر.

 

يسمح لهم ذلك بالقول: “انظروا، هنا طفل ميت، قتل من قبل الغرب. أليس هذا هو نفس ما يفعله الأسد؟ إذا كان لنا حق في محاربة الأسد لأنه يقتل الأطفال فإن لنا الحق ذاته لمحاربة الغرب ولنفس السبب”.

 

يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الإشارة إلى أرقام معينة ورسم صورة وردية لحملة مكافحة تنظيم الدولة، ولكن الأرقام يمكن أن تكون مضللة. فقد زُعم أن الدولة الإسلامية فقدت أكثر من 15,000 مقاتل ومساحات كبيرة من الأراضي دون تهديد بنيتها الشاملة. ومن المرجح أن المعركة ستستمر لعدة سنوات قادمة.

 

لقد فشل تحالف مكافحة داعش في فهم الحقائق الأساسية حول الجماعة والتضاريس التي تقاتل فيها”، كما يقول حسن.
ويضيف: “الواقع على الأرض يشير إلى أن داعش وجدت لتبقى، في المستقبل المنظور على الأقل”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد