طول القامة لا يعني بالضرورة صحة الجسم، بل على الأرجح العكس صحيح!

 هل وقف أمامك شخص طويل القامة في حفل موسيقي من قبل، فحجب عنك الرؤية، وتمنيت لو أن يصاب بذبحة صدرية فيختفي من أمامك، لكن كل الاحتمالات كانت ضدك، فكما هو معروف طويل القامة سليم البدن.

وفقًا لدراسة نُشرت في جريدة نيو إنجلاند الطبية الدورية، يعتبر الرجال طوال القامة أقل عرضة للإصابة بأمرض القلب عن نظرائهم قصار القامة. وأظهرت تلك الدراسة التي أُجريت على 200,000 فرد، أن كل 2.5 بوصة زيادة في الطول تقلل من احتمال الإصابة بمرض الشريان التاجي بنسبة 13.5%.

لست متأكدًا كيف ولماذا كانت هذه هي النتيجة، فالباحثون في صراع الآن للبحث عن تفسيرات لتلك النتائج، وكذلك الصحفيون والقُرَّاء المهتمون بشأن الصحة والخبراء طلبوا جميعًا التعليق على تلك المكتشفات: فيقول مايكل لاور مدير معهد علوم القلب والأوعية الدموية والقلب والرئة مستدعيًا في حديثه لصحيفة نيويورك تايمز صورة الممثل الأمريكي إيان مالكولم “من ناحية، نحن تجارب الطبيعة العشوائية”.

فما هي أفضل وسيلة لزيادة الطول إذًا؟

أو بمعنى آخر، نعرف الكثير عن القلب وكيفية العناية بقوته وصحته لحياة أطول. يشير فريق الباحثين الدولي أنه ربما ترجع تلك المكتشفات إلى أن قصار القامة لديهم شرايين أصغر، وبالتالي فهي عرضة أكثر للانسداد بسهولة، ولكن سرعان ما رفض هذا التفسير لعدم توافر ترابط كهذا بين الشرايين الضيقة والإصابة بأمراض القلب لدى النساء. فالنساء بحكم الواقع شرايينهم التاجية أضيق وأصغر من نظرائهم الرجال. صغار القائمة بالفعل هم أكثر عرضة للمستويات العالية من الكوليسترول والدهون ثلاثية الرابطة في الدم. لكن يؤكد الباحثون أن هذا السبب قد يكون مسؤولًا عن شريحة بسيطة للغاية من إجمالي أمراض القلب. وخلص الباحثون في حوارهم للجريدة إلى أن “غالبية العلاقة بين أمراض القلب وطول القامة أو قصرها يتم تحديدها عن طريق العمليات الحيوية المشتركة التي تؤدي إلى طول بعينه مصحوبًا ببدء حدوث تصلب الشرايين”.

لذا فالسؤال هنا يبدو كالتالي: هل ينبغي على الناس جميعًا أن تسعى لزيادة طولها؟ وما هي أفضل الطرق لزيادة الطول؟ وهل زيادة طول العظام ببساطة سيفي بالغرض؟ أم أنه كحل عملي ينغي علينا حقن أطفالنا قصارالقامة بهرمونات نمو تصل تكلفتها إلى 50000$؟ ولكن قبل كل ذلك، هل حقًّا طوال القامة أفضل حالًا؟

تمنى سكي-لو مغني الراب الشهير في أغنيته “I wish” الصادرة عام 1995، لو أنه كان أطول قليلًا، وكان طوله 5.8 قدم، أي أقل من متوسط الطول في أمريكا ببوصة واحدة. ولكن النيل منه لجهره بتصريح كهذا، وإخراج كلامه عن سياقه غير لائق ثقافيًّا، وخاصة ضمن مجتمع لاعبي الكرة الطوال. فقد أصابت تلك الحالة وترًا حساسًا خارج هذا الوسط أيضًا. فمثلًا يقول برايان بالمر – كاتب- على موقع سليت، على الرغم من أنه قد لا يعرف سكي-لو، أن معظم معارفه يتمنون لو كانوا أطول مما هم عليه:

“غالبية من أعرفهم يتمنون لو كانوا أطول قليلًا مما هم عليه. عادةً يطلب الآباء والآمهات الذين يعاني أطفالهم من بطء في النمو من أطباء الأطفال أن يصفوا لهم هرمونات نمو كي يجنبوا أبناءهم مهانة القصر. أتفهم ذلك تمامًا، فطوال القامة وخاصة الرجال دخولهم أعلى، ويوليهم الجميع تقديرًا أعلى من زملائهم قصار القامة. علاوة على ذلك، معدل ذكائهم أعلى، وأمامهم شريحة أكبر من الاختيارات في اختيار زملائهم ورفقائهم”.

في القرنين الماضيين، زاد متوسط الطول للهولنديين بما يقرب من ثماني بوصات. وبينما أحدثت تلك الدراسة ضجة في الأخبار الأسبوع الماضي، أحدثت تلك الزيادة ضجة في أوساط علماء الأحياء السلوكية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي كمحاولة منهم لتفسير تلك الزيادة السريعة في طول الهولنديين، والتي تفوقت على الأمريكيين باعتبارهم أطول أناس على الكوكب. وجد العلماء أن الرجال الهولنديين الطوال أكثر إنجابًا من نظرائهم قصار القامة، وذلك إمّا لأنهم أكثر جاذبية للنساء أو ببساطة لأنهم أقوى جنسيًّا، فمعدلات إنجاب الهولنديين طوال القامة غير متناسبة على الإطلاق مقارنةً بقصار القامة. بينما في الولايات المتحدة الوضع مختلف.

رسم يوضح متوسط أبعاد جسم الرجل الأمريكي والياباني والفرنسي والهولندي، طبقا لما جاء بقاعدة البيانات الأنثروبرومترية لمركز مكافحة الأمراض CDC anthropometric data.


يزعم بعض علماء الأوبئة أن سبب الزيادة الهائلة في طول الهولنديين هو تناولهم كميات كبيرة من منتجات الألبان واللحوم. إلا أن الأمريكيين يتناولون نفس الكميات أيضًا، لكنهم يزدادون وزنًا وليس طولًا؛ في حين تفوق كل من الهولنديين والنرويجيين والسويديين علي الأمريكيين في الطول. ويعرض جيرت ستيلب – باحث متمرس- في حواره مع مجلة ساينس تفسير آخر، قائلًا: “يبدو أن الانتقاء الجنسي للإنسان بدأ بالفعل”. فالرجال الهولنديون الطوال أكثر قدرة على التناسل من نظرائهم متوسطي وقصار القامة. بينما في الولايات المتحدة الأمريكية الرجال متوسطو الطول والنساء القصار القامة هم الأكثر إنجابًا.

فتلك النتائج ربما تكون مستحبة أو لا، بناءً على مدى رغبتك في إنجاب أطفال. فالقصد هنا أنه بينما يوحي طول القامة بمميزات التطور في بعض الأماكن، يختلف الوضع في مناطق أخرى. فالقدرة الإنجابية لا تعني بالضرورة طول القامة. بالمقارنة بين الأوروبيين طوال القامة في شمال القارة الأوروبية ونظرائهم قصار القامة في جنوب القارة، نجد أن معدلات الموت بسبب أمراض القلب في الجنوب منخفضة عنها في الشمال. السويديون والنرويجيون هم أكثر عرضة بضعفين للموت بأمراض القلب عن الإسبانيين والبرتغاليين، إذ يقل متوسط الطول لديهم عن السويديين والنرويجيين بـ5 بوصات. في 2013، نشر الباحثون في كلية آلبرت أينشتاين للطب دراسة أجريت على 144701 امرأة، وأكدت نتائج الدراسة وجود ارتباط إيجابي بين الطول وزيادة خطر الإصابة بأمراض السرطان. ووجدت دراسة أخرى زيادة كبيرة في خطر الإصابة بأنواع عديدة من السرطان في الرجال والنساء معًا، وأن معدلات طوال القامة أعلى من حيث الوفاة بأمراض السرطان. ويصف بالمر حقيقة أن طوال القامة يموتون في عمر أصغر بأنها “واقع جسدي ثابت لا يتبدل”.

على مر العقود، انخفض متوسط عمر الأمريكيين كثيرًا عن التصنيف العالمي، والآن يحتفظون بالمركز السادس والثلاثين. بينما تخطاهم طوال القامة الهولنديون ليحلوا محلهم في متوسط طول العمر. لكن منذ 1970، لم يتخط أحد البلد الذي يحتل المرتبة الأولى في متوسط طول العمر مع أنه معروف بقصار القامة، ألا وهو اليابان.

ويتمتع سكان جزيرة أوكيناوا اليابانية بأعلى متوسط عمر في العالم. فمعدل العمر لديهم يفوق الدول الصناعية بسبع مرات، ومعدلات الإصابة بالسرطان وأمراض القلب لديهم هي الأقل في العالم، على الرغم من أنهم أقصر حتى من متوسط الطول في اليابان. حيث يبلغ متوسط طول الرجال في أوكيناوا 4.9 قدم.

حسنًا، ما هي أفضل السبل لتقليص الطول؟

ويبدو أن السؤال المطروح هنا: هل ينبغي على الجميع أن يسعوا ليصبحوا أقصر قامة؟ وهل الحل ببساطة أن يستأصل الفرد جزءًا من قدمه؟ لكن حينها لن يستطع الجري أو حتى المشي، فهل مزايا قصر القامة تستدعي التضحية بكل ذلك؟ أو كحل عملي أكثر، هل ينبغي ألا أرثي حالي كوني قصير القامة أو أحقن طفلي متوسط النمو بهورمونات نمو تبلغ قيمتها 50000 دولار لتبقيه قصيرًا؟

يبدو أن معدل مقاومة الأمراض لسكان جزر أوكيناوا انخفض عند انتقالهم لليابان أو الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى الجزر يتناولون وجبات ذات سعرات حرارية منخفضة، وغنية بالخضراوات والبقول، ويشربون الشاى وكُحول الأرز الغني بالمضادات الحيوية ويطلقون عليه “awamori“، وينعمون بحياة نشيطة ومترابطة اجتماعيًّا. فهم يتناولون بصفة أساسية الدهون الأحادية غير المشبعة والدهون المتعددة غير المشبعة أيضًا، مع القليل من المنتجات الحيوانية ذات الدهون المشبعة، ما عدا الأسماك.

أجريت العديد من الدراسات على هذا النوع من الأنظمة الغذائية المنخفضة السعرات الحرارية، وتحديدًا هي ليست مجرد عد للسعرات الحرارية وإنما تناول الطعام بكميات أقل، وأظهرت جميعها نتائج متماثلة من حيث فوائد هذا النظام الغذائي المهولة لإطالة عمر الانسان. في 2002، أشار كل من توماس ساماراس وهارولد آلاريك باحثين في هذا المجال، أن عددًا لا حصر له من الدراسات تؤكد أنه حتى داخل الفصيلة الواحدة من الحيوانات، تُظهر الحيوانات الأكبر حجمًا نمطًا متكررًا من حيث الوصول للشيخوخة أسرع من غيرها الأصغر حجمًا. فيقولان:

من المرجح أن تؤدي التطورات السريعة في مجال الهندسة الوراثية إلى زيادة كبيرة في الطول في الأجيال القادمة. فالصحة والطول يتأثران بشدة بالحالة الاقتصادية والاجتماعية والوزن النسبي، إضافة إلى ممارسة التمرينات الرياضية باستمرار واتباع المماراسات الصحية بشكل عام. إلا أن بيانات الحيوان والإنسان تشير إلى أن الزيادة في طول الجسم تقلل – بصورة مستقلة عن أية عوامل أخرى- طول العمر. لذا تعزيز زيادة الطول والمصحوب بكتلة جسم هزيلة في الأطفال يتطلب تقييمًا موضوعيًّا من الأطباء المتخصصين، قبل أن يصبح هذا الوضع هو القاعدة.

يتم التنويه إلى حقن هرمونات النمو في رياضات كمال الأجسام، أو في حالات النفور المجتمعي من قصر القامة حيث التلميح المتجذر تاريخيًّا بتلازم القصر وسوء التغذية والمرض والفقر. الأسبوع الماضي، أظهرت نتائج دراسة في أمراض القلب أحد الأسباب التي قد تبقيك بعيدًا كل البعد عن الرغبة في زيادة طولك. وربما لو كان سكي-لو تفكيره تقدميًّا ومهتم بشأن صحته لتمنى أن يكون أقصر قليلًا. لذا عندما يحجب رؤيتك شخص أطول منك يقف أمامك في حفلٍ موسيقيّ، دعهم يتمتعون بتلك الميزة مستبشرًا، فالموت يكاد يدنو منهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد