استعرض تقرير نشرته النسخة الإنجليزية لصحيفة «دير شبيجل» الألمانية مؤخرًا، الجهود القانونية التي يبذلها الأستاذ الجامعي الأمريكي، «ديفيد كرين»، لتقديم أركان النظام السوري، والرئيس «بشار الأسد»، إلى محاكمة دولية؛ نظرًا لجرائم الحرب التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه.

وقال التقرير إنه في عام 2012، ساعد الأستاذ الجامعي كرين في وضع الديكتاتور الليبيري سيئ السمعة «تشارلز تايلور» وراء القضبان. والآن يحول كرين انتباهه إلى سوريا، ويشرف على مشروع لتجميع قاعدة بيانات ضخمة؛ تتعلق بجرائم الحرب التي يرتكبها الرئيس بشار الأسد.

هل يجوز قتل بشار الأسد؟

«نعم في ظل ظروف معينة»، كما يقول كرين، يسأل كرين السؤال لأحد طلابه خلال إحدى المحاضرات، ثم يجيب على الفور بنفسه، من دون أي انفعال ملحوظ.

التقرير أوضح أن كرين كان قد تولى منصب «المدعي العام للأمم المتحدة»، ولكنه في هذه الأيام، هو أستاذ في جامعة «سيراكيوز» للقانون في ولاية «نيويورك». وكمحام، عندما يرى الأسد، فإنه لا يرى وحشًا، بل يرى قضية. إنها القضية التي يريد أن يجلبها إلى قاعة المحكمة.

من هنا أنشأ كرين، وفقًا للتقرير، بعد فترة وجيزة من بداية الحرب الأهلية السورية، مكتبًا لطلبة الادعاء العام. جنبًا إلى جنب مع أساتذتهم، يستعد الطلاب لليوم الذي سيحاكم فيه الأسد أمام محكمة دولية على جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري. ويسمونه مشروع محاسبة سوريا.

وذكر التقرير أن كرين وطلابه يأملون أن تقرر الأمم المتحدة إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب والنزاع. في الواقع، هم يقومون بجمع الأدلة، وكأن هذه المحكمة موجودة بالفعل، ويقومون بالتحقق من تقارير شهود العيان، والتواصل مع منظمات حقوق الإنسان. إنهم يقومون بتفحص التقارير الحكومية والمواد الإعلامية على أكمل وجه ممكن. ويحفظون سجلات دقيقة لهذه الحرب، وتوثيق الأحداث يومًا بيوم.

وقال التقرير «يبقى هؤلاء الشباب مستيقظين طوال الليل؛ للقيام بذلك، وهم مرشحون للدكتوراه، مثل مولي ويت (24 عامًا) من ولاية ميشيغان. مع مشروع محاسبة سوريا، تقول إنها مدفوعة بفكرة العمل على شيء (سيغير العالم)، بدلًا من أن ينتهي بها الأمر في سلة المهملات».

170 ألف صفحة

وبحسب التقرير، تتكون قاعدة البيانات الآن من 170 ألف صفحة من الوثائق. وبحلول ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، يكون المحامون قد سجلوا 12،252 من الحوادث، ما يقرب من ثلثي هذه الحوادث نفذت بشكل واضح من قبل قوات الأسد، بجانب «أبي بكر البغدادي»، زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وأعضاء في الجيش السوري الحر. واحدة من كل خمسة من الجرائم ارتكبها هؤلاء الذين يقاتلون الأسد.

ونقل التقرير عن «بيتر ليفرنت»، رئيس المشروع، البالغ من العمر 29 عامًا «ما هو مؤكد أنه ليس هناك طرف بريء في هذه الحرب». عندما يتعلق الأمر بالقانون الدولي، فلا يتعلق الأمر كثيرًا بعدد الخسائر، وحجم الضرر أو عدد القتلى، الذي يهم هو حقيقة أن هناك جريمة حرب قد وقعت.

ولدى ليفرنت حاليًا الإصدارات الأولى للوائح الاتهام. وهناك 20 صفحة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتكبها بشار الأسد.

كما أشار التقرير إلى أن طلاب الإدعاء العام يفصلون في الوثائق، وبدقة، كيف أصدر قائد الحرس الجمهوري للأسد في دمشق، «سهيل سلمان حسن»، في 15 مارس (أذار) 2011، أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين العزل، وكيف أن القائد العام، الرئيس الأسد، أصدر بطريقة ممنهجة أوامر بشن هجمات ضد السكان المدنيين – مقسمة حسب اليوم، القرية، المدينة والمنطقة الإدارية.

وخصص القائمون على المشروع فصلًا خاصًا بـ130 ألف شخص ممن هم في عداد المفقودين، وأساليب التعذيب المستخدمة من قبل جهاز المخابرات التابع للأسد. وهي تتراوح ما بين كسر العظام وحتى حرق الناس أحياء.

شهرة واسعة

وعن الحياة المهنية والوظيفية لكرين، انتقل بنا التقرير إلى مكتب كرين الذي يقبع في الطابق الثالث في جامعة سيراكيوز، وهو مكتب صغير، مع تجهيزات مكتبية بسيطة، وليست به نباتات. وليس هناك أية شهادات تشير إلى شهرته الواسعة أو إنجازاته المهنية. ومع ذلك، يعرفه كل شخص في سيراكيوز، بداية من الموظفين إلى سائق الفندق. وفي العالم الدولي الصغير لمطاردة مجرمي الحرب، فإنه يحظى بسمعة كبيرة.

وأضاف التقرير أن منصب المدعي العام للمحكمة الخاصة للأمم المتحدة لسيراليون قد تكون مستوى أعلى من مرتبة الشرف بالنسبة لمحام. عندما أدين تايلور بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فيما يسمى بمحاكمات «الألماس الدامي»، كان يومًا جيدًا بالنسبة لكرين.

قبل مهمته في غرب أفريقيا، عمل كرين في وزارة الدفاع الأمريكية لمدة 30 عامًا؛ كمستشار قانوني. وكان آخر منصب شغله في وزارة الدفاع الامريكية ذات حساسية خاصة، حيث كان مديرًا لمكتب سياسة المخابرات والمراجعة، الذي يقدم المشورة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية بشأن المسائل القانونية. وكان عرضه في عام 2014 أمام مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي حول قضية «القيصر» أسطوريًا.

وقيصر- بحسب التقرير – هو الاسم المستعار المستخدم لمصور عسكري من سوريا. لعدة أشهر، قام المصور العسكري بتهريب عدد من الأدلة تشمل صورًا لسجناء ماتوا جوعًا في سجون الأسد. وتتضمن تلك الأدلة 55000 صورة، وتثبت كيف كان هؤلاء الأشخاص «يقتلون بطريقة صناعية» في زنزانات التعذيب التابعة لنظام الأسد.

وقد تم تمرير مواد «قيصر» في البداية من قبل المتمردين السوريين للحكومة في قطر، وقام مكتب محاماة «كارتر-روك»  بتعيين كرين نيابة عن القطريين. كخبراء مستقلين، فقد كُلف واثنان من الخبراء القانونيين الآخرين؛ لتحديد ما إذا كانت الصور أصلية.

كرين ذكر أن «هذه الصور حقيقية بنسبة 100%»، مضيفًا أن «قيصر» هو أيضًا حقيقي. وقال المحامي إنه قضى أربعة أيام يتحدث مع المصدر. ولم يكن «قيصر» يريد أن يتقاضى في المقابل أية أموال. واليوم، يعيش «قيصر» في مكان ما في أوروبا، تحت هوية مفترضة.

وقال التقرير إن كرين مقتنع بأن بيانات «قيصر» لم تظهر سوى جزء صغير من الحقيقة. وجاءت الصور من ثلاثة مرافق للتعذيب في دمشق، ولكن هناك ما يقرب من 50 من هذه المواقع في جميع أنحاء البلاد.

معوقات دولية

في كوكبة السياسية الراهنة، فإن خطة كرين ليس لها فرصة. باعتبارهما حلفاء لسوريا، صوتت روسيا والصين عدة مرات في مجلس الأمن الدولي ضد إنشاء محكمة لجرائم الحرب في سوريا. ولكن في شهر مارس (أذار)، قرر مجلس النواب الأمريكي الضغط على الأمم المتحدة لإنشاء محكمة خاصة. واقترح عضو «الكونجرس» الجمهوري «كريس سميث» استخدام بيانات كرين كأساس لذلك.

حتى الآن، أنهى «ليرفنت وويت» كتابة خمس لوائح اتهام مع كرين. والآن يريدون أن يكتبوا لوائح اتهام ضد قادة «داعش، وجبهة النصرة، والجيش السوري الحر».

ونقل التقرير عن ليرفنت قوله «ليس لدينا أجندة سياسية. إن الجريمة هي الجريمة، والقانون هو القانون». حتى إذا وصل الأمر إلى لائحة الاتهام، فإنه سيكون من المستحيل معاقبة كل المسؤولين. ولكن من الممكن أن يستهدف مديري وكبار قادة الوحدات المقاتلة التي شاركت في ارتكاب جرائم حرب.

دراسة القانون

كرين يعيش فعلًا حياة هادئة في ولاية «كارولينا الشمالية». يمشي في «كروم العنب» ويعتني بأحفاده. ويطير مرة واحدة في الأسبوع إلى سيراكيوز لمدة يومين. درس هنا منذ أكثر من 40 عامًا، ولكم يشعر بالسعادة لتعليم المدعين العموم كيفية ملاحقة مجرمي الحرب.

باعتباره ابن ضابط أمريكي، عاش فترة في جنوب ألمانيا، وحين كان في الثانية عشر في عام 1962، زار معسكر اعتقال «داكاو» مع عائلته.

قال لاحقًا «لا زلت أستطيع شم الرعب». حمل تلك التجربة معه، ودفعته في النهاية لدراسة القانون. في ذلك الوقت، كان كرين فخورًا بالطريقة التي دافعت بها أمريكا عن الحرية في أوروبا، لكنه غالبًا ما يجد صعوبةً اليوم في الافتخار ببلده، وكاد أن يترك وزارة الدفاع؛ حين كان يتم التخطيط للحرب على العراق في عام 2002.

التقرير نقل عنه قوله في ذلك أنها «كانت لسبب واحد فقط: النفط». ثم ظهرت قضية «تشارلز تايلور»، وباعتباره كان المدعي العام، فقد تساءل كرين حينها عن سبب عدم تلقيه أي دعم، بالرغم من علاقته الممتازة مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، ولمَ كان التحقيق يتعرض في الحقيقة للعراقيل. واتضح لاحقًا أن تايلور كان يعمل لصالح وكالة الاستخبارات العسكرية، ووكالة الاستخبارات المركزية، وأراد هذان الجهازان متابعة التعاون معه.

اختتم التقرير بقوله عن المدعي العام السابق «يشعر كرين بالخجل، خاصة من أن بلاده لم توقع على قانون محكمة الجنايات الدولية، وقد اقتبس كرين مقولة الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش» الذي قال إنه إن توجب على جندي أمريكي واحد المثول أمام المحكمة المذكورة، فسيتوجه الجيش الأمريكي إلى هولندا. يعتقد كرين أنه من المدهش أن أكبر مجرمي الحرب في العالم – الولايات المتحدة، الصين وروسيا – لم تتعرض للمسائلة لأنها تستفيد من حق الفيتو الذي تمتلكه في مجلس الأمن. ولذا، فإن القلة فقط انتقدت جرائم الحرب التي يتم الإعداد لها في سيراكيوز. لكن كرين يمتلك خبرةً في العملية. وهو يقول إن الطريق إلى العدالة طويل ومليء بالانتكاسات، لكنها ممكنة التحقيق. بعد كل شيء، لقد تمكن هو نفسه من تحقيقها ذات مرة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد