بالرغم من أن النصر على مرض شلل الأطفال بات قاب قوسين أو أدنى، إلا أن الحملة الرامية إلى استئصال المرض تمامًا ما زالت قائمة على أرض هشة للغاية.

كتبت مارين ماكينا في مجلة «وايرد» الأمريكية الشهرية التي تهتم بشؤون التجارة والأعمال والحياة اليومية والاجتماعية مقالًا حول حملة شلل الأطفال التي يبدو أنها لم تصل إلى نهايتها بعد، بسبب الفقر والأزمات السياسية والاضطرابات المدنية في بعض المناطق، علاوة على بعض القرارات التي اتخذها مسؤولو الحملة والتي كان لها أثر سلبي على أهدافها.  

في هذا الوقت منذ عامين كان يجب أن تكون الحملة الدولية الطويلة للقضاء على شلل الأطفال، والتي بدأت في عام 1988، قد أوشكت على الاقتراب من هدفها، خاصة بعد مضي عقود على تاريخ نهايتها المأمول. إذ شهد العالم 17 حالة فقط من الإصابة بشلل الأطفال في عام 2017، أي نصف عدد العام السابق، وأقل من 350 ألف إصابة سنويًا عندما بدأت الحملة.

بيد أن الصورة تبدو مختلفة الآن. فلن ينتهي إحصاء عام 2019 حتى العام المقبل، ولكن حتى الآن كانت هناك 117 حالة إصابة طبيعية بشلل الأطفال خلال هذا العام. وفي تطور مزعج كانت هناك 216 حالة إضافية لما يسمى «شلل الأطفال الناجم عن أخذ اللقاح»، وهي نتيجة ثانوية عرضية لحملة الاستئصال، ظهرت بسبب لقاحات الحملة نفسها.

صحة

منذ 10 شهور
«الموت الصغير» يغزو أفريقيا.. كيف يهدد الـ«كيفافا» مستقبل البشر؟

تزايد الإصابات الناجمة عن اللقاح

بمعنى آخر يوجد الآن عدد أكبر من حالات شلل الأطفال الناجمة عن اللقاحات تفوق حالات الإصابة بالفيروس البريّ الأصلي. إنها انتكاسة مذهلة للبرنامج الذي خاص معركة قوية، حتى أنها طغت على أنباء صدرت في أكتوبر (تشرين الأول) بأن جولات التطعيم التي لا هوادة فيها قضت على اثنتين من سلالات الفيروس البرية الثلاث في العالم. وتجد الحملة نفسها الآن غارقة بعيدًا عن النقطة المنشودة، وهي مرحلة جديدة في المعركة قد تكون الأكثر خطورة على الإطلاق.

لنرجع إلى الخلف للاستفادة من التاريخ: يسبب المرض الشلل بطبيعة الحال (ربما كان فرانكلين ديلانو روزفلت، الذي أخفى استخدامه للكرسي المتحرك أثناء وجوده في البيت الأبيض، هو أشهر ضحية تاريخية للمرض)، لكن جرت الوقاية منه بالتطعيم منذ عام 1955، عن طريق لقاحين: لقاح يحقن بالفيروس الميت لحفز استجابة مناعية، ولقاح يعطى عن طريق الفم يستخدم فيروسات حية جرى إضعافها. كل من هذين اللقاحين يحتوي في الأصل على مزيج من جميع سلالات شلل الأطفال الثلاث.

نوعان من اللقاح

وتوضح الكاتبة أن السبب في وجود لقاحين نابع من التنافس العلمي منذ فترة طويلة بين جوناس سولك، الذي طور أول لقاح قابل للحقن، وألبرت سابين، الذي أنتج لقاح الفيروس الحي بعد بضع سنوات. لكن السبب في أن كلًا منهما لا يزال قيد الاستخدام يعود إلى الاقتصاد، وكذلك إلى حسابات الاحتمالات.

يمنح اللقاح القابل للحقن مناعة دائمة بسرعة: يتمتع الأطفال بنسبة 95٪ بالحماية من الجرعة الثانية التي يتناولونها عندما تكون أعمارهم أربعة أشهر، كما يتمتعون بالحماية الكاملة بالحصول على الجرعة الثالثة التي يتلقونها في أي وقت بين الشهر السادس والثامن عشر، (وتأتي جرعة تعزيز رابعة قبل الدخول إلى المدرسة). لكن هذه النسخة من التطعيم تعد أكثر تكلفة في إنتاجها من نسخة سابين، ويتحتم أن يعطيها مهنيون مدربون على إعطاء الجرعة، ونظامًا لجمع الإبر المستخدمة بأمان بعد ذلك – وهي عوامل تقصر استخدامها على الدول الصناعية ذات الميزانيات الصحية الكبيرة والكثير من العاملين الصحيين.

بينما يعد لقاح الفم رخيصًا نسبيًا وسهلًا في إعطائه. ولا يتطلب تناوله سوى تنقيط اللقاح السائل في فم الطفل، بحيث يمكن لأي شخص تلقى تدريبًا قصيرًا أن يقوم به. وهذا جعله الدعامة الأساسية للحملة العالمية، حيث يُعطَى لملايين الأطفال من قبل الملايين من أعضاء منظمة «الروتاري» الدولية، التي تتقاسم قيادة الحملة مع منظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ومؤسسة «جيتس».

Embed from Getty Images

غياب التطعيم بسبب الفقر والاضطرابات السياسية

يوفر لقاح الفم أيضًا المناعة بطريقة أقل قابلية للتنبؤ بالمرض. ففي ظل الظروف المثالية، فإن أربع جرعات قبل أن يبلغ عمر الطفل أربعة أشهر ستفي بالغرض. لكن لسوء الحظ فإن معظم الأماكن التي استمر فيها شلل الأطفال لفترة أطول لا توفر ظروفًا مثالية. فعندما يمنع الفقر أو الأزمات السياسية أو الاضطرابات المدنية من وصول جرعات كافية، يظل الأطفال الذين لم يتلقوا العدد الكافي من الجرعات عرضة للمرض. وكذلك الحال بالنسبة لأي أطفال يولدون في مجتمع غاب عنه القائمون على التطعيم.

وعندما يحدث ذلك يعود شلل الأطفال. وهذا هو الوضع في باكستان وأفغانستان، وهما الدولتان اللتان لم يتوقف فيهما انتشار مرض شلل الأطفال البري. ولديهما مجتمعتان 117 حالة هذا العام،  بينما لم تتجاوز الحالات فيهما 33 حالة طوال عام 2018.  

في أفغانستان تتمثل المشكلة في الاضطرابات الدينية. إذ فرضت طالبان حظرًا على التطعيم، سواء في فعاليات التطعيم الكبيرة أو في «استكمال العملية» بالانتقال من منزل إلى منزل بعد أيام. (إنهم يسمحون الآن بإعطاء اللقاح في المباني العامة، ولكن ليس في المنازل). وفي باكستان المشكلة هي التغيير السياسي. إذ تسببت الانتخابات في يوليو (تموز) 2018 في تغيير الموظفين في جميع أنحاء الجهاز البيروقراطي؛ مما أدى إلى تغيير المهام التي يتولاها موظفو الصحة العامة دون وجود إجراءات سلسة للتسليم والتسلم.

يقول ميشيل زافران، مدير حملة القضاء على شلل الأطفال في منظمة الصحة العالمية: «أهدرنا عامًا ونصف، وعدد الأطفال المعرضين للإصابة بالمرض يتزايد بسرعة كبيرة، ويمكن أن نشهد بالفعل حالات تفشٍ كبيرة للمرض».

اللقاح الفموي رخيص الثمن وسهل الاستخدام وله فوائد أخرى

هناك تعقيدٌ آخر: ذلك أن حملة الاستئصال لم تختر اللقاح الفموي للتوزيع في جميع أنحاء العالم بسبب تكلفته وسهولة استخدامه فحسب، بل تأثر استخدام هذا النوع أيضًا بميزة جعلته جذابًا بشكل خاص كأداة للصحة العامة، تتمثل في أن الجرعة التي تعطى لطفل واحد يمكن أن تحمي بالفعل العديد من الأطفال.

ويعمل الأمر على هذا النحو: يلتصق فيروس شلل الأطفال الحي، من النوع البري الأصلي، والنسخة الضعيفة من اللقاح، بالأنسجة التي تبطن القناة الهضمية ويتكاثر فيها. وهذا يعني أن أي شخص مصاب بشلل الأطفال يمكنه تمرير الفيروس في البراز. ولكن هذا يعني أيضًا أن الطفل الذي تلقى فيروس اللقاح الضعيف يمكنه أن يمرر النوع الوقائي بدلًا عن ذلك، مما يجعله مصدرًا ثانويًا للحماية للأطفال الآخرين الذين لم يتلقوا القطرات.

ومع ذلك فإن مكسب انتقال فيروس اللقاح يأتي معه مخاطر، وهذا ما أدى إلى نتائج عكسية على حملة شلل الأطفال. ففي مرة واحدة تقريبًا من كل 2.5 مليون جرعة، يعود فيروس اللقاح الضعيف في القناة الهضمية إلى مستوى ضراوة شلل الأطفال من النوع البري؛ مما يجعل الطفل الذي جرى تطعيمه مصدرًا محتملًا للعدوى بدلًا عن حمايته.

التحول من استخدام لقاح من ثلاث سلالات إلى اثنتين

كان هذا الاحتمال مقبولًا في الأيام الأولى، عندما بدا أن الحملة ستنتهي بسرعة. ولكن بعد مليارات الجرعات، ظهر أن الحساب مختلفة. وأصبح الأمر أكثر تعقيدًا بقرار اتخذته حملة الاستئصال في المرة الأولى التي جرى فيها القضاء على إحدى سلالات فيروس شلل الأطفال في البيئة الخارجية. 

ففي أبريل (نيسان) 2016، تحول المسؤولون عن استخدام لقاح من ثلاث سلالات إلى لقاح من سلالتين. ووصف المسؤولون في ذلك الوقت التحول بأنه مقامرة تستحق عناء القيام بها. وتعمل السلالة التي جرى إسقاطها (تسمى «النوع 2») بشكل أفضل في الالتصاق بالأمعاء، وبالتالي فإن وجودها في اللقاح يمكن أن يتداخل مع ترسيخ مناعة السلالتين الأخريين اللتين ما زالتا تنتشران. ومع اختفاء النوع الثاني من شلل الأطفال من العالم، فإن عدم تحفيز مناعة ضده في مجموعات المستقبل من الأطفال بدا مخاطرة جديرة بالاهتمام.

Embed from Getty Images

إلغاء اللقاح كان قرارًا خاطئًا

في الواقع استمر «النوع 2» من اللقاح في الأطفال الذين لم يكونوا محصنين بالكامل، وعاد إلى الظهور بقوة. وتحدث معظم حالات تفشي المرض الناجمة عن اللقاح الآن من «النوع 2». وقامت حملة الاستئصال بتعقب حالات التفشي تلك بلقاح تكميلي يحتوي على النوع 2 فقط، وهي تدفع أيضًا من أجل تطوير لقاح جديد من «النوع 2». لكن استمرار تفشي «النوع 2» أوضح حقيقة أن الحملة ربما لا يمكن أن تخاطر بتكرير اللقاح مرة أخرى، لتقصره على سلالة «النوع 1» من الفيروس، على الرغم من أن هذه هي السلالة التي تعد الأكثر احتياجًا إلى كبحها في العالم.

يعترف الباحثون في الحملة بأن شلل الأطفال الناجم عن اللقاح يشكل خطرًا حقيقيًا، ولكنه يستحق المجازفة بشكل عام. ويقول جون فيرتفيل، رئيس فرع مكافحة شلل الأطفال في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها: «إن البرنامج منع إصابة 18 مليون طفل بالشلل بسبب المرض. وحتى تاريخه رأينا أقل من 1200 حالة من حالات شلل الأطفال الناجمة عن اللقاح، على خلفية تقديم المليارات من جرعات اللقاح».

إنه أيضًا خطر يجب أن يختفي يومًا ما. وتدعو الخطط إلى أن تنشر المراحل الأخيرة من الحملة جولة واحدة من لقاح الحقن في جميع أنحاء العالم. (لا يحمل هذا النوع أي خطر في إيجاد سلالات ناجمة عن اللقاح لأنه يستخدم الفيروسات الميتة ويتجاوز القناة الهضمية). ولكن نظرًا لأن النسخة القابلة للحقن مكلفة ومحدودة من ناحية الإمدادات، فإنه يمكن استخدامها للتصديق على الإنجاز، وليس لكبح التفشي المتكرر للوباء. 

ومن المفارقات أن نجاح حملة شلل الأطفال هو الذي كشف هشاشتها؛ ففي اللحظة التي تلوح فيها النهاية في الأفق، وتبرز الحاجة الماسة إلى دفعة أخيرة، يتبين أن هذه أيضًا هي اللحظة التي تجد فيها الحكومات استخدامات أخرى للتمويل، وتتعب المجتمعات فيها من نقل أطفالها لتلقي جولة أخرى من القطرات. هذه الحملة مضى عليها 31 سنة استهلكت الحياة المهنية الكاملة لبعض الأشخاص. وسيكون عليها أن تجد طاقة جديدة، في لحظة دقيقة، للوصول إلى هدفها.

صحة

منذ 5 شهور
17 سؤالًا تشرح لك كل ما تريد معرفته عن تطعيمات الأنفلونزا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد