كم يبلغ عدد الأسلحة النارية التي يمتلكها المدنيون بالمقارنة مع ما تملكه الجهات الحكومية في جميع أنحاء العالم؟

تساؤل أجاب عليه تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية للصحفي إيان أوفرتون الذي أشار إلى أن 75% من الأسلحة النارية في العالم يمتلكها أشخاص مدنيون، فيما تتكفل الجهات الحكومية بالنسبة المتبقية.

875 مليون بندقية

وقال التقرير إنه في عام 2007، تعهدت شركة Small Arms Survey والتي تتخذ من سويسرا مقرًا لها، بمهمة لم تعهد لأحد من قبل منذ ذلك الحين، حيث قدرت الشركة أعداد البنادق في العالم التي كان يمتلكها الأشخاص المدنيون وليست الجهات الرسمية بنحو 75% من إجمالي أعداد البنادق في العالم والذي يبلغ 875 مليون بندقية.

وبطبيعة الحال، فإن أعداد البنادق التي يمتلكها الأشخاص المدنيون يختلف من دولة إلى أخرى، بحسب التقرير.

ووفقًا للإحصائيات التي رصدها التقرير، فقد تباينت معدلات امتلاك المدنيين للأسلحة النارية من دولة لأخرى. فعلى سبيل المثال، يمتلك كل شخص بندقية في اليمن. وفي دول أخرى، مثل غانا وكوريا الجنوبية، هناك بندقية واحدة لكل 100 شخص. ولكن عمومًا، تظهر الإحصاءات أن عدد الأسلحة المدنية المملوكة في العالم تفوق بكثير تلك التي تملكها الجيوش أو قوات الشرطة: فالهند لديها نحو 46 مليونًا من الأسلحة النارية التي يملكها أشخاص مدنيون، فيما تبلغ هذه الأرقام 40 مليون بندقية يمتلكها المدنيون في الصين و25 مليونًا في ألمانيا.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أشار التقرير إلى أنها تعد الدولة الأبرز فيما يتعلق بامتلاك المدنيين الأسلحة النارية، حيث أن هناك بندقية واحدة لكل شخص تقريبًا. وفي الواقع، إذا استبعدنا الصين وألمانيا والهند، فإن الولايات المتحدة، مع ما يصل إلى 270 مليونًا من البنادق في أيدي المدنيين، لديها المزيد من الأسلحة النارية المملوكة للمدنيين بمعدلات أكبر من بقية دول العالم مجتمعة وفق ما يؤكده التقرير.

من الرماية والصيد إلى المقاومة ضد الاستبداد

غير أن التقرير ذكر أيضًا أنه يجب على المرء أن يكون حذرًا قليلًا بشأن هذه الأرقام. فالملايين من الأسلحة الصغيرة في جميع أنحاء العالم لم يتم تسجيلها من قبل السلطات. وقد أصاب العديد من البنادق المسجلة منذ فترة طويلة الصدأ أو سرقت.

ومع ذلك، يؤكد التقرير أنه مهما كانت الأعداد الحقيقية من البنادق التي يملكها الأشخاص المدنيون، فإنه يتم الاحتفاظ بالغالبية العظمى من تلك البنادق بدون أي نية على الإطلاق لممارسة أعمال عنف ضد شخص آخر، أو من يمتلكون هذه الأسلحة.

فرياضة الرماية والصيد، بحسب التقرير، تمثل الدوافع الرئيسية لامتلاك السلاح خاصة في الاقتصادات المتقدمة، ما عدا في الولايات المتحدة، حيث الحماية الذاتية هي السبب الأكثر شيوعًا لامتلاك مثل هذه الأسلحة بشكل خاص من قبل المدنيين.

ومن السهل أن نستكشف السبب. فالأسلحة النارية والبنادق عندما يتم استخدامها بالطرق الصحيحة وفي المكان المناسب، يمكن أن تجلب الرضا والمتعة.

ويؤكد أوفرتون بالقول: «يعتقد غالبية أصحاب البنادق الذين التقيت بهم خلال فترة عملي صحفيًّا، لا سيما في الولايات المتحدة، يعتقدون أنهم يتحكمون في أسلحتهم النارية. ويقولون أيضًا إن الحق في امتلاك الأسلحة النارية يواجه خطر القوانين الحكومية الاستبدادية، وهو ما يعرض هؤلاء الأشخاص للخطر أمام تجاوزات تلك الحكومات. وهكذا، وكما يقولون، هم في حاجة إلى البندقية لحماية حريتهم في مواجهة الطغيان المحتمل».

وتابع التقرير بقوله إنه ومع ذلك، فإن السعي وراء المتعة والمرح هو السبب الأساسي الذي يدفع الغالبية العظمى من المدنيين لامتلاك الأسلحة النارية. فهم يجمعون البنادق كما يفعلون مع أي أشياء ثمينة أخرى.

كما أوضح التقرير أنه ومن أجل فهم الصراع العالمي حول اللوائح التي تتعلق بامتلاك الأسلحة النارية، يجب أن نطلع على مختلف الطرق التي يتم من خلالها استخدام تلك الأسلحة النارية، مشيرًا إلى أن التغاضي عن غالبية مالكي الأسلحة الذين يسعون وراء المتعة دون المخاطرة بإلحاق الأذى بالآخرين هو تجاهل كبير لقطاع كبير من السكان.

تجربة كمبوديا

يتابع أوفرون القول: «كنت ذات يوم جزءًا من المجموعة التي صورت سلسلة مغامرات في آسيا، وكانت كمبوديا غايتنا الأولى. وكان مقدم البرنامج، وهو صحفي مع مجلة FHM، يأكل بالفعل العناكب المقلية. كما كان لديه تحدٍّ كبير للتغلب على ملكة جمال كمبوديا في مسابقة الرماية التي عقدت في مقر اللواء رقم 70 التابع للقوات المسلحة الملكية الكمبودية، مقر الرماية الوحيد المفتوح في البلاد للجمهور العام».

وأضاف أن ملكة جمال كمبوديا ظهرت في ثوب الزفاف وكانت تستعد لإطلاق النار. وتم تسليمها بندقية AK-47 لتتمكن من إطلاق النار بطريقة ناجحة.

شهد السباق أيضًا، وفق ما ذكره التقرير، مجموعة من السياح القادمين من أستراليا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. يأتي ذلك في الوقت الذي غدت فيه مشاهدة سباقات الرماية أمرًا معتادًا بالنسبة لهؤلاء السائحين.

عطلة في كمبوديا

رصد التقرير قيام الخمير الحمر الذين كانوا يستخدمون في كثير من الأحيان بنادق صينية وروسية الصنع، فيما بين عامي 1975 و1979، بقتل ما يقرب من مليوني مواطن. انتشر المقاتلون التابعون للخمير الحمر، والذين كانوا يرتدون الأوشحة الكمبودية التقليدية ويتبنون الأيديولوجية الشيوعية، انتشروا من الغابات إلى حقول الأرز ومن ثم إلى ضواحي المدن حتى سقوط البلاد بأكملها تحت سيطرتهم.

وذكر التقرير أن الخمير الحمر لم يكونوا يهتمون فقط بالسلطة. أراد قادتهم الوصول إلى أحد الأشياء التي يمكن أن تجعل الرجال خاصة أولئك الذين يحملون البنادق، محترفي قتل، لتأسيس المجتمع الجديد. ولذلك فقد بدؤوا في تفكيك وتدمير ما كان موجودًا من قبل ويطلق عليه البرجوازية الزراعية أو إعادة توزيع الأراضي على المزارعين بشكل عادل.

ازدهرت صناعة المدافع خلال البحث عن المدينة الفاضلة. ومع ذلك، عندما انهار نظام الخمير الحمر في نهاية المطاف في عام 1979، بدأت الحكومة الجديدة في إدراك الحقيقة المرة: أن هذا الانتشار للأسلحة كان لتأجيج العنف الإجرامي، وليس للثورة. وبدأت الحكومة الجديدة في معالجة هذه الإشكالية ببطء، ولكن امتلاك الأسلحة عالية السرعة لم يكن أمرًا غير قانوني حتى عام 1998. وبحلول ذلك الوقت، كان 35% من الكمبوديين يمتلكون أسلحة نارية.

غير أن التقرير أشار إلى أنه وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة، فقد قامت الحكومة الجديدة بالبلاد بإدخال قوانين أكثر صرامة تتعلق بالأسلحة النارية. في غضون 16 سنة، دمرت الحكومة أكثر من 180 ألفًا من الأسلحة النارية. ووفقًا لصحيفة بنوم بنه بوست، تقلص استخدام السلاح في الجرائم العنيفة من 80% في عام 1994 إلى 30% بعد عقد من الزمن.

وفي هذا الإطار يؤكد أوفرتون بالقول: «هذا هو السبب في أننا قد وصلنا إلى ميدان رماية. الذهاب إلى إطلاق النار مع ملكة جمال كمبوديا أظهر مدى السرعة التي يمكن أن تتحول بها البنادق، وحتى تلك التي استخدمت في الإبادة الجماعية، يمكن أن تتحول إلى وسائل للمتعة. أظهرت الرحلة لنا مدى السرعة التي يمكن أن تتحول بها البندقية من كونها شيئًا يخشاه الناس إلى شيء يطلبونه»

نقطة تحول

التقرير أشار إلى نقطة تحول هامة رصدها أوفرتون وتتعلق بتقارير عدة تشير إلى أن امتلاك الأسلحة النارية في المنازل يزيد من خطر الممارسات الانتحارية. حقيقة أن امتلاك الأسلحة النارية هو شكل من أشكال الحماية الذاتية تواجه بالواقع المؤلم الذي يشير إلى حوادث العنف العائلي وإطلاق النار بطريق الخطأ التي تم فيها استخدام تلك الأسلحة النارية التي يمتلكها أشخاص مدنيون. بل وأكثر من ذلك، فقد أشار التقرير إلى أن امتلاك المدنيين للأسلحة النارية يزيد من خطر حوادث الانتحار.

«البنادق لا تقتل الناس، الناس هم من يقتلون الناس» شعار متداول بين من ينادون بالحق في امتلاك الأسلحة النارية. ليس هناك شك في أن الناس الذين يملكون البنادق بقصد التسبب في إلحاق الأذى بالآخرين يجب أن يخضعوا للعقوبة، ولكن عندما يتعلق الأمر بكثير من الأشخاص المدنيين الذين يمتلكون الأسلحة النارية من دون أي نية لإلحاق الأذى بالآخرين، فقد وصلنا إلى مأزق دولي. هل مخاطر وجود السلاح في المنازل الخاصة تبرر وضع قيود أمنية على متع الناس الخاصة؟ هذه المعادلة الأخلاقية تعد عاملًا رئيسيًا في الصراع العالمي الدائر بشأن قوانين امتلاك السلاح.

واختتم التقرير بقوله إنه إذا كنا نأمل في التوصل إلى حل، يجب علينا التخلي عن الجدال وأن نحول تركيزنا نحو العمل. يجب أن نتشارك مع المراكز الديموغرافية للعمل نحو التسوية التي تحمي سلامتنا حتى في الوقت الذي تعترف فيه بحقوقنا أفرادًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد