ثمَّة حاجة ماسة للتوصل إلى خطة خلال قمة الأمم المتحدة (كوب 26) في غلاسكو لمناقشة أزمةالمناخ، والتي من شأنها السماح لقارة أفريقيا بالتطور والتأقلم مع الاحترار العالمي.

في مقال رأي نشرته صحيفة «الجادريان» البريطانية، سلَّط لازاروس شاكويرا، رئيس جمهورية مالاوي، الضوء على تداعيات أزمة تغير المناخ التي تتحملها قارة أفريقيا، مطالبًا دول الغرب بتحمل المسؤولية ودفع ثمن الفوضى الناجمة عن تغير المناخ؛ لأنه هو المتسبب في هذه الأزمة.

أفريقيا أول مَنْ عانت من آثار أزمة المناخ!

وفي مستهل مقاله، تساءل الكاتب: متى تتحمل الدول الغنية المسؤولية؟ في الأسبوع الماضي، وقبل عقد قمة الأمم المتحدة للمناخ (كوب 26) في مدينة جلاسكو الإسكتلندية، تبين أن عديدًا من تلك الدول تمارس ضغوطًا ضد توصيات الأمم المتحدة بشأن المناخ، لا سيما أن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات عاجلة. وفي الوقت نفسه، شكَّك بعض المُعلِّقين في الحاجة إلى تمويل الدول الفقيرة من أجل التأقلم مع آثار تغير المناخ، على الرغم من فشل الدول المتقدمة في تقديم مبلغ الـ100 مليار دولار التي وعدت بجمعه سنويًّا لصالح الدول الفقيرة والنامية.

وبصفته رئيسًا للدول الأعضاء الـ46 الأقل نموًّا، أوضح شاكويرا أن أفريقيا لم تتسبب كثيرًا في أزمة المناخ. ومع ذلك، تفشت الأوبئة في منطقة القرن الأفريقي مثل طاعون الجراء، وعانت مدغشقر من أول مجاعة بسبب تغير المناخ، بالإضافة إلى أزمات المياه التي شهدتها جنوب أفريقيا، ويُعد ذلك كله دليلًا على أن القارة السمراء تدفع بالفعل ثمن الانبعاثات الناجمة عن الآخرين. ولذلك، فإن التمويل الذي ترغب بعض الدول في تقليصه ليس صدقة يتفضَّلون بها، بل هو رسوم تنظيف يجب دفعها.

Embed from Getty Images

ومما يزيد الأمر تعقيدًا وتفاقمًا، فرض الدول الغنية أيضًا على أفريقيا تحولًا في مجال الطاقة، مما قد يؤدي إلى إلحاق ضرر كبير بالقارة. إذ يحظر عديد من الحكومات ومؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف تمويل البنية التحتية للوقود الأحفوري، وتشجِّع الآخرين على أن يحذو حذوها. وقد يبدو هذا الأمر منطقيًّا من الناحية النظرية، لكنه يستبعد إمكانية التحول من خلال الغاز الطبيعي، أنظف وقود أحفوري. ومن الناحية العملية، نجد أن الأمر ينطبق على الدول الفقيرة وحدها، بينما لا تواجه الدول الغنية سوى قليل من الحظر على تطوير الغاز أو استيراده.

القارة السمراء أقل القارات حصولًا على الكهرباء!

يُؤكدَّ شاكويرا على أن الأفارقة لهم الحق في الكهرباء، لكن مصادر الطاقة المتجددة لا يمكنها حتى الآن تلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم بصورة كاملة، وذلك نظرًا إلى أن تقنيات التخزين ليست متقدمة بالقدر الكافي لكي يصبح من الممكن التعويل على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الأخرى المولَّدة من مصادر متقطِّعة. إن المقصود من الحصول على الكهرباء، وهي أحد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، أكثر من مجرد شحن الهاتف باستخدام طاقة مولَّدة من لوحة شمسية. ويتعلق الأمر بالطاقة المستدامة والمكثفة حسب الطلب، والتي تعد ضرورية من أجل تشغيل المصانع وإنشاء البنية التحتية وتوفير فرص العمل، ومن ثمَّ انتشال المواطنين من براثن الفقر.

إن أفريقيا أقل قارات العالم من حيث الحصول على الكهرباء، ويفتقر ما يقرب من 600 مليون شخص يعيشون فيها إلى إمكانية الحصول على كهرباء مستدامة. وباستثناء جنوب أفريقيا، إذا تضاعف استهلاك الكهرباء في جنوب الصحراء ثلاث أضعاف بين عشية وضحاها من خلال استخدام الغاز الطبيعي، فإن الانبعاثات العالمية سترتفع بنسبة 0.62% فحسب.

وأوضح رئيس مالاوي أنه بالإضافة إلى تشغيل التصنيع، سيقدم الغاز أيضًا ضمانات من أجل تحقيق التنمية الزراعية والأمن الغذائي. وستكون هناك حاجة إلى تكثيف استهلاك الطاقة عن طريق أنظمة الري لإضفاء السمة العصرية على الحقول والمزارع. وينطبق الأمر ذاته على الأسمدة الاصطناعية، والتي يُعد الغاز الطبيعي أكثر المواد الأولية التي تتسم فيها بالكفاءة. ومع تزايد انتشار حالات الجفاف وتلف المحاصيل، سنشهد باستمرار تضاعف الطلب عليهما من أجل الحفاظ على تغذية القارة.

هل للدول النامية رفاهية الاختيار بين عدم وجود طاقة أو استهلاك طاقة مُلوِّثة للبيئة؟

يُنوِّه شاكويرا إلى أن التعامل مع أزمة تغير المناخ يعني أيضًا التعامل مع عواقبه. وهناك ثمة حاجة إلى بنية تحتية فعَّالة للنقل والأمن الغذائي، وشبكات الطاقة الموثوقة للتخفيف من الكوارث الطبيعية، مثل الجفاف والفيضانات. وكلما كانت الدولة أكثر تطورًا، كانت أكثر مرونة. وإذا حل الغاز الطبيعي النظيف محل الفحم وغيره من الكتل الحيوية السامة في الطهي داخل أماكن مغلقة، فسوف يؤدي إلى إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح، معظمهم من النساء والأطفال، في جميع أنحاء القارة.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الراهن، يُعد المولِّد الذي يعمل بالديزل وحدة الطاقة المفضلة عبر قارة أفريقيا. وإذا لم يُقدَّم بديل موثوق، فسوف تستمر هذه الممارسة الأكثر تلويثًا للبيئة، لأن الاختيار بين عدم وجود طاقة أو طاقة ملوِّثة للبيئة لا يُعد خيارًا للأفراد والشركات في دول العالم النامي. والأهم من ذلك، لا تتعارض الاستفادة من موارد الغاز مع استخدام مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة المستهلَكَة في أفريقيا. وتستمد القارة بالفعل كثيرًا من هذه المصادر. وعلى سبيل المثال، تحصل جمهورية مالاوي على أكثر من 80% من الكهرباء من الطاقة الكهرومائية.

واجب الدول الغنية

يُشدد شاكويرا على أنه هناك ثمة حاجة إلى تبني نهج مُراعٍ إذا أردنا الإنصاف والعدالة المناخية الواجب احترامها. وعندما دُوِّنت الأفكار في اتفاقية باريس لعام 2015 لمكافحة تغيرات المناخ، كان ذلك يعني أمرين. أولًا: ينبغي للدول، التي أصبحت غنية من خلال الهيدروكربونات، التقليل من الانبعاثات على نحو أسرع للسماح للدول الأفقر بتحقيق التنمية. ثانيًا، تتحمل تلك الدول نفسها مسؤولية مساعدة الدول النامية على التأقلم مع الظروف غير المواتية التي لم تتسبب فيها. إن آثار أزمة المناخ غير عادلة بطبيعتها، إذ تنتشر في جميع أنحاء العالم بصورة غير متساوية، لا سيما مع تعرض أفريقيا للخطر الأكبر من بين قارات العالم أجمع.

العالم والاقتصاد

منذ 4 سنوات
إفريقيا ليست كما تتصور.. دول سمراء نجحت في الانتقال الاقتصادي

ومن أجل التوصل إلى اتفاق عالمي في باريس، كان من الواجب مراعاة هذه الحقوق والمسؤوليات والواجبات والالتزامات المختلفة ومناقشتها، وبعد ذلك التصديق عليها. لكن الحظر الشامل للغاز على دول العالم النامي يُظهر أن الغرب قد نسي المبدأ الأول. كما يُظهر أن الإخفاق المتكرر في جمع المليارات الموعود بها في صورة مساعدات لمكافحة التغيرات المناخية تجاهلت المبدأ الثاني، وهو ليس مجرد عمل من الأعمال المشينة، بل يُعد خيانة.

ويختتم رئيس جمهورية مالاوي لازاروس شاكويرا مقاله بالقول: إذا لم تفعل ذلك الدول ذات القدرة الأكبر على إحداث التغيير، فلا ينبغي أن نتوقع من الدول ذات الإمكانيات الأكثر تواضعًا أن تفعله. وفي قمة الأمم المتحدة للمناخ (كوب 26)، يجب على الغرب أن يُظهر استعداده في الوقت الحالي لمواجهة التحديات وأنه قادر على الوفاء بالتزاماته في نهاية الأمر. وعندها فقط يُصبح الإنصاف والعدالة أكثر من مجرد شعار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد