نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية مقالًا للمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري، أكد فيه أن هذه العاصفة ستمر، لكن الخيارات التي نتخذها الآن يمكن أن تغير حياتنا لسنوات قادمة.

وفي بداية مقاله، يقول هراري إن البشرية تقف الآن في مواجهة فيروس كورونا وهو أزمة عالمية، وربما تكون أكبر أزمة تمر على جيلنا. ومن المحتمل أن تُشكِّل القرارات التي يتخذها الناس والحكومات في الأسابيع القليلة المقبلة ملامح العالم لسنوات قادمة. ولن تُشكِّل أنظمة الرعاية الصحية لدينا فحسب، ولكن ستُشكِّل اقتصادنا، وسياستنا، وثقافتنا كذلك.

ويجب علينا أن نتصرف بسرعة وحسم، وأن نأخذ بعين الاعتبار العواقب طويلة المدى لقراراتنا. وعند الاختيار بين البدائل، يجب أن نسأل أنفسنا، ليس فقط كيف يمكن التغلب على هذا التهديد المباشر، ولكن أيضًا ماذا سيكون شكل العالم الذي سنحيا فيه فور مرور العاصفة. نعم، ستمر العاصفة، وستبقى البشرية على قيد الحياة، وسيظل معظمنا على قيد الحياة – لكننا سنحيا في عالم مختلف.

صحة

منذ أسبوع
كيف نجحت كوريا الجنوبية بدون إجراءات قمعية في السيطرة على كورونا؟

سيصبح العديد من تدابير الطوارئ قصيرة الأجل من أساسيات الحياة. وهذه هي طبيعة حالات الطوارئ، وهي أنها تؤدي إلى تسريع خطى العمليات التاريخية. والقرارات التي يمكن أن تستغرق سنوات من المداولات في الأوقات العادية تُمرَّر في غضون ساعات. ونلجأ إلى استخدام التقنيات غير المدروسة، وحتى الخطرة منها، لأن مخاطر عدم اتخاذ أي إجراءات ستكون أنكى.

وتؤدي جميع الدول دور فئران التجارب في تجارب اجتماعية واسعة النطاق. ماذا سيحدث عندما يعمل الجميع من المنزل ويتواصلون عن بُعْد فقط؟ ماذا سيحدث عندما تتصل المدارس والجامعات بالكامل بالإنترنت؟ في الأوقات العادية، لن توافق الحكومات والشركات والمجالس التعليمية على إجراء مثل هذه التجارب، ولكن هذه الأوقات ليست بالعادية. وفي هذا الوقت من الأزمة، نواجه خيارين ذوي أهمية خاصة؛ الأول بين المراقبة الاستبدادية وتمكين المواطنين، والثاني بين العزلة القومية والتضامن العالمي.

المراقبة اللصيقة

وأوضح المؤرخ أنه لوقف الجائحة، يجب على جميع السكان الامتثال لمبادئ توجيهية معينة. وهناك طريقتان رئيسيتان لتحقيق ذلك؛ أولها أن تراقب الحكومة الناس، والأخرى معاقبة أولئك الذين يخالفون القواعد.

Embed from Getty Images

واليوم، ولأول مرة في تاريخ البشرية، تتيح التكنولوجيا مراقبة الجميع طوال الوقت. ولكن قبل خمسين عامًا، لم يكن بإمكان جهاز الاستخبارات السوفيتي مراقبة 240 مليون مواطن سوفيتي على مدار الساعة، ولم يكن يأمل في معالجة جميع المعلومات التي يجمعها على نحوٍ فعال. واعتمد جهاز الاستخبارات السوفيتي على عملاء ومحللين بشريين، ولم يتمكن من استخدام عميل بشري لمراقبة كل مواطن. ولكن يمكن للحكومات الآن أن تعتمد على أجهزة استشعار واسعة الانتشار، وخوارزميات قوية بدلًا من الجواسيس البشر.

وفي معركتها ضد جائحة فيروس كورونا، استخدمت عدَّة حكومات بالفعل أدوات المراقبة الجديدة. وتمثل الصين أبرز هذه الحالات، فمن خلال مراقبة الهواتف الذكية للأشخاص عن كثب، والاستفادة من مئات الملايين من كاميرات التعرف إلى الوجوه، وإلزام الأشخاص بفحص درجة حرارة الجسم وأوضاعهم الطبية والإبلاغ عنها، تستطيع السلطات الصينية أن تحدد على عَجَل المصابين بفيروس كورونا المشتبه بهم، ليس هذا فقط، بل تمكنت أيضًا من تتبَّع تحركاتهم، والتعرّف إلى أي شخص اتصلوا به. وتقدم مجموعة من تطبيقات الهاتف الجوال تحذيرات للمواطنين بشأن قربهم من المرضى المصابين بالفيروس.

ولا يقتصر هذا النوع من التكنولوجيا على شرق آسيا؛ إذ سمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا لوكالة الأمن الإسرائيلية بنشر تكنولوجيا المراقبة، المخصصة عادةً لمحاربة الإرهابيين، لتعقب المرضى المصابين بفيروس كورونا. وعندما رفضت اللجنة الفرعية البرلمانية المختصَّة أن توافق على هذا الإجراء، صدمها نتنياهو بـ«مرسوم الطوارئ».

يتابع الكاتب: قد يجادلني القارئ قائلًا إنه لا يوجد شيء جديد في كل ما أقول. ففي السنوات الأخيرة، استخدمت الحكومات والشركات تقنيات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى لتتبع الناس، ومراقبتهم، والسيطرة عليهم. ومع ذلك، إذا لم نتوخَ الحذر، فقد يمثل الوباء نقطة تحول مهمة في تاريخ المراقبة. ليس لأنه قد يؤدي إلى تطبيع نشر أدوات المراقبة الجماعية في البلدان التي رفضتها حتى الآن فحسب، ولكن لأنه علاوةً على ذلك يدلل على تحول ضخم من المراقبة «عن بُعد» إلى المراقبة «اللصيقة».

وحتى الآن، عندما تلمس بإصبعك شاشة هاتفك الذكي وتنقر فوق رابطٍ ما، فإن الحكومة تريد أن تعرف بالضبط فوق أي شيء نقر إصبعك. ولكن مع فيروس كورونا، تغير تركيز الاهتمام وتريد الحكومة الآن معرفة درجة حرارة إصبعك، وضغط الدم تحت جلدك.

طوارئ حلوى البودينج

وأشار الكاتب إلى أن إحدى المشكلات التي نواجهها في التعامل مع موقفنا من المراقبة، هي أنه لا أحد منا يعرف بالضبط كيف نُراقَب، وما الذي ربما يحدث في السنوات القادمة. وتتطور تكنولوجيا المراقبة بسرعة فائقة، والذي بدا أنه خيال علمي قبل 10 سنوات أصبح اليوم أخبارًا قديمة. ومن قبيل التجربة الفكرية، فكِّر في حكومة افتراضية تطالب بأن يرتدي كل مواطن سوارًا بيولوجيًّا يراقب درجة حرارة الجسم، ومعدل ضربات القلب على مدار الساعة.

ومن ثم تُجْمَع البيانات الناتجة وتُحلَّل باستخدام خوارزميات حكومية. وتعرف الخوارزميات أنك مريض حتى قبل أن تعرف أنت بذلك، وتعرف أيضًا أين ذهبت والأشخاص الذين قابلتهم. ويمكن تقصير سلاسل العدوى على نحو كبير، وربما الإجهاز عليها تمامًا. ويمكن القول إن مثل هذا النظام ربما يوقف الوباء ومسارات انتشاره في غضون أيام. إن الفكرة تبدو رائعة، أليس كذلك؟

Embed from Getty Images

وبالطبع، الجانب السلبي في هذا أنه سيعطي الشرعية لنظام مراقبة مرعب جديد. على سبيل المثال، إذا علمت أنني نقرت فوق رابط فوكس نيوز بدلًا من رابط سي إن إن، يمكن أن يقدِّم لك هذا شيئًا عن آرائي السياسية، وربما عن شخصيتي. ولكن إذا تمكنتَ من مراقبة ما يحدث لدرجة حرارة جسدي، وضغط الدم، ومعدل ضربات القلب أثناء مشاهدتي لمقطع فيديو، فسيكون بإمكانك معرفة ما الذي يضحكني، وما الذي يبكيني، وما الذي يغضبني بشدَّة.

ومن المهم أن نتذكر أن الغضب والفرح والملل والحب، هي ظواهر بيولوجية مثل الحمى والسعال. ويمكن للتكنولوجيا نفسها التي تحدد السعال، أن تحدد الضحكات أيضًا. وإذا بدأت الشركات والحكومات في جمع بياناتنا البيومترية على نحو جماعي، فسيكون بإمكانهم معرفتنا على نحو أفضل بكثير مما نعرف عن أنفسنا، ومن ثم لا يمكنهم التنبؤ بمشاعرنا فحسب، ولكن أيضًا التلاعب بمشاعرنا وبيع أي شيء يريدونه لنا – سواء كان ذلك منتجًا، أو فكرًا سياسيًّا.

ومن شأن المراقبة البيومترية أن تجعل أساليب اختراق كامبريدج أناليتيكا للبيانات تبدو وكأنها شيء من العصر الحجري. تخيَّل كوريا الشمالية في عام 2030، عندما يضطر كل مواطن إلى ارتداء سوار بيومتري على مدار الساعة. وإذا كنت تستمع إلى خطاب القائد العظيم، وسجَّل السوار أن هناك علامات غضب واضحة عليك، فقد انتهيت.

وبالطبع، يمكنك أن تجعل قضية المراقبة البيومترية إجراءً مؤقتًا يمكن اتخاذه في حالة الطوارئ، وسينتهي الإجراء بانتهاء حالة الطوارئ. لكن هناك عادة سيئة للتدابير المؤقتة تتمثل في أنها تتجاوز حالات الطوارئ، خاصةً وأن هناك دائمًا حالة طوارئ جديدة تلوح في الأفق.

ويضرب الكاتب مثلًا ببلده إسرائيل، التي أعلنت حالة الطوارئ خلال حرب الاستقلال عام 1948، «مما أدى إلى تبرير مجموعة من الإجراءات المؤقتة بدءًا من الرقابة على الصحافة، ومصادرة الأراضي، وحتى أمر الرقابة على إنتاج المثلجات والأوامر بشأن إنتاج البودينج. (أنا لا أمزح). وقد كَسِبنا حرب الاستقلال منذ فترة طويلة، لكن إسرائيل لم تعلن أبدًا عن انتهاء حالة الطوارئ، وفشلت في إلغاء العديد من الإجراءات (المؤقتة) لعام 1948 (أُلغي مرسوم الرقابة على إنتاج البودينج رحمةً بنا في عام 2011)».

حتى عندما ينخفض معدل الإصابة بفيروس كورونا إلى الصفر، يمكن لبعض الحكومات المتعطشة للبيانات أن تجادل بأنها بحاجة إلى إبقاء العمل بأنظمة المراقبة البيومترية؛ لأنها تخشى حدوث موجة ثانية من فيروس كورونا، أو لأن هناك سلالة جديدة من فيروس إيبولا ستتطور في وسط أفريقيا، أو لأن كذا وكذا… لقد وصلت إليك الفكرة. وكانت هناك معركة كبيرة تدور رحاها في السنوات الأخيرة حول خصوصيتنا. وقد تكون أزمة فيروس كورونا بمثابة نقطة تحول في المعركة؛ فعندما يتوفر للأشخاص الاختيار بين الخصوصية والصحة، فإنهم عادةً ما يختارون الصحة.

شرطة الصابون

وشدد الكاتب على أن مطالبة الناس بالاختيار بين الخصوصية والصحة هو أصل المشكلة في الواقع؛ لأن هذا مأزق مفتعل. ويمكننا أن نتمتع بالخصوصية والصحة معًا وينبغي لنا ذلك. ويمكننا أن نختار حماية صحتنا ووقف انتشار وباء فيروس كورونا، ليس عن طريق إنشاء أنظمة مراقبة استبدادية، ولكن عن طريق تمكين المواطنين. في الأسابيع الأخيرة، نظَّمت كوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافورة، بعض أنجح الجهود المبذولة لاحتواء وباء فيروس كورونا. وفي حين أن هذه البلدان قد استخدمت بعض تطبيقات التتبع، فقد اعتمدت اعتمادًا أكبر على اختبارات مكثفة وتقارير صادقة، وعلى التعاون الصادق من جمهور مثقف ومطَّلع.

Embed from Getty Images

إن المراقبة المركزية، والعقوبات القاسية، ليست الطريقة الوحيدة لحث الناس على الامتثال للإرشادات المفيدة. وعندما تطَّلع الناس على الحقائق العلمية، وتثق في السلطات العامة عند إخبارهم بهذه الحقائق، فإنه يمكن للمواطنين المضي قدمًا في الطريق الصحيح، حتى دون مراقبة من الأخ الأكبر. وعادةً ما تكون الجماهير ذات الدوافع الذاتية، والأكثر ثقافةً واطلاعًا أقوى وأكثر فعالية من كثير من الجماهير الخانعة الجاهلة.

على سبيل المثال، فكِّر في غسل يديك بالماء والصابون؛ كان هذا أحد أعظم التطورات على الإطلاق في النظافة الشخصية للإنسان. وهذا الإجراء البسيط ينقذ ملايين الأرواح كل عام. وبينما نراه أمرًا مُسلمًا به، نجد أن العلماء اكتشفوا أهمية غسل اليدين بالماء والصابون في القرن التاسع عشر فقط. وفيما مضى، كان الأطباء والممرضات أنفسهم ينتقلون من عملية جراحية إلى أخرى دون غسل أيديهم. واليوم يغسل مليارات الأشخاص أيديهم يوميًّا، ليس لأن هناك شرطة للصابون يخافون منها؛ ولكن لأنهم يدركون الحقائق. أنا أغسل يدي بالماء والصابون لأنني سمعت عن الفيروسات والبكتيريا، وأدرك أن هذه الكائنات الدقيقة تسبب الأمراض، وأعلم أن الصابون يمكن أن يقضي عليها.

صحة

منذ أسبوع
«ن. تايمز»: لمس الأسطح أم ممارسة الجنس؟ ما يجب أن تعرفه عن طرق العدوى بكورونا

ولكن لتحقيق مثل هذا المستوى من الامتثال والتعاون، يجب أن تتوفر الثقة. ويجب أن يثق الناس في العلم، والسلطات العامة، ووسائل الإعلام. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، قوَّض السياسيون غير المسؤولين عن عَمْد الثقة في العلوم، والسلطات العامة، ووسائل الإعلام. والآن قد يميل هؤلاء السياسيون غير المسؤولين أنفسهم إلى المضي قدمًا في الطريق السريع نحو الاستبداد، بحجة أنه لا يمكنهم الثقة في أن الجمهور سيفعل الشيء الصحيح.

جرت العادة أن الثقة التي تآكلت لسنوات، لا يمكن أن يُعاد بناؤها بين عشية وضحاها، ولكن هذه ليست أجواءً عادية. وفي وقت الأزمة، يمكن أن تتغير العقول أيضًا بسرعة. وقد تكون هناك نقاشات مريرة مع أشقائك لسنوات، ولكن عندما تحدث بعض حالات الطوارئ، تكتشف فجأة مخزونًا خفيًّا من الثقة والوئام، ويسرع الجميع في مساعدة بعضهم بعضًا. وبدلًا من بناء نظام للمراقبة، يمكن إعادة بناء ثقة الناس في العلوم والسلطات العامة ووسائل الإعلام، ولم يَفُت ميعاد ذلك. ويشدد هراي على أنه يجب علينا بالتأكيد الاستفادة من التقنيات الجديدة كذلك، ولكن هذه التقنيات يجب أن تمكِّن المواطنين. وأنا من جانبي أؤيد مراقبة درجة حرارة جسمي وضغط الدم، ولكن ينبغي ألا تُستخدَم هذه البيانات لإنشاء حكومة قوية. وبدلًا من ذلك، ينبغي أن تمكنني هذه البيانات من اتخاذ خيارات شخصية أكثر استنارة، فضلًا عن محاسبة الحكومة على قراراتها.

إذا تمكنتُ من تتبع حالتي الطبية الخاصة على مدار الساعة، فلن أعرف ما إذا كنتُ قد أصبحتُ خطرًا صحيًّا على الآخرين فحسب، ولكن سأعرف أيضًا ما العادات التي تساهم في تحسين صحتي. وإذا تمكنتُ من الحصول على إحصائياتٍ موثوقة حول انتشار فيروس كورونا وتحليل هذه الإحصائيات، فسأتمكن من الحكم بشأن ما إذا كانت الحكومة تُطلعني على الحقيقة، وما إذا كانت تتبنى سياسات صحيحة لمكافحة الوباء. وعندما يتحدث الناس عن المراقبة، تذكَّر أنه عادةً يمكن استخدام تكنولوجيا المراقبة نفسها، ليس من قِبل الحكومات لمراقبة الأفراد فحسب، ولكن أيضًا من قِبل الأفراد لمراقبة الحكومات.

وبهذا، أصبح وباء فيروس كورونا اختبارًا رئيسيًّا للمواطنة. وفي الأيام المقبلة، يجب على كل واحد منا أن يختار الثقة في البيانات العلمية، وخبراء الرعاية الصحية، على حساب نظريات المؤامرة التي لا أساس لها، والسياسيين الذين لا يخدمون إلا أنفسهم. وإذا فشلنا في اتخاذ القرار الصحيح، فقد نجد أنفسنا نتنازل رسميًّا عن أغلى حرياتنا، معتقدين أن هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية صحتنا».

نحن بحاجة إلى خطة عالمية

وأردف الكاتب قائلًا إن الخيار الثاني المهم الذي نواجهه، هو بين العزلة الوطنية والتضامن العالمي. إن الوباء نفسه والأزمة الاقتصادية الناجمة عنه مشكلتان عالميتان، ولا يمكن حلهما بفعالية إلا من خلال التعاون العالمي. وأولًا وقبل كل شيء، نحتاج إلى مشاركة المعلومات على الصعيد العالمي للقضاء على الفيروس. وهذه ميزة كبرى للبشر على الفيروسات؛ إذ إنه لا يمكن لفيروس كورونا في الصين وفيروس كورونا في الولايات المتحدة أن يتبادلا النصائح حول كيفية إصابة البشر.

Embed from Getty Images

ولكن يمكن للصين أن تُطلِع الولايات المتحدة على العديد من الدروس القيِّمة حول فيروس كورونا، وكيفية التعامل معه. وما يكتشفه طبيب إيطالي في ميلانو في الصباح الباكر، قد ينقذ أرواحًا في طهران في المساء. وعندما تتردد حكومة المملكة المتحدة في الاختيار بين العديد من السياسات، يمكنها الحصول على النصيحة من الكوريين، الذين واجهوا بالفعل معضلة مماثلة قبل شهر مضى. ولكن لكي يحدث هذا، نحتاج إلى روحٍ من التعاون والثقة العالميين.

يجب أن تكون البلدان على استعداد لتبادل المعلومات بوضوحٍ وتواضعٍ للحصول على النصيحة، ويجب أن تكون قادرة على الثقة في البيانات والأفكار التي تتلقاها. ونحتاج أيضًا إلى جهد عالمي لإنتاج المعدات الطبية وتوزيعها، وعلى الأخص أجهزة الاختبار وأجهزة التنفس. وبدلًا من أن تحاول كل دولة القيام بذلك محليًّا وتُكدِّس أي معدات تحصل عليها، فإن الجهد العالمي المنسق يمكن أن يسِّرع من عجلة الإنتاج إلى حد كبير ويضمن توزيع المعدات المنقذة للحياة على نحو أكثر عدالة.

ومثلما تؤمم الدول الصناعات الرئيسية خلال الحرب، فقد تتطلب منا الحرب البشرية ضد فيروس كورونا «إضفاء الطابع الإنساني» على خطوط الإنتاج الحاسمة. ويجب أن تكون أي دولة غنية لديها عدد قليل من حالات الإصابة بفيروس كورونا، على استعداد لإرسال معدات ثمينة إلى بلدٍ أكثر فقرًا يعاني من العديد من حالات الإصابة، وكلها ثقة بأنها إذا احتاجت إلى المساعدة لاحقًا، فستأتي دول أخرى لمساعدتها.

وقد نفكر في جهدٍ عالمي مماثل لتجميع صفوف العاملين في المجال الطبي. ويمكن للبلدان الأقل تأثرًا في الوقت الحالي أن ترسل موظفين طبيين إلى المناطق الأكثر تضررًا في العالم لمساعدتهم في وقت الحاجة واكتساب خبرة قيِّمة. وإذا تغير مسار انتشار الوباء في وقت لاحق، يمكن أن تبدأ المساعدة في التدفق في الاتجاه المعاكس.

وهناك حاجة حيوية للتعاون العالمي على الصعيد الاقتصادي أيضًا. وبالنظر إلى الطبيعة العالمية للاقتصاد وسلاسل التوريد، إذا قامت كل حكومة بعملها الخاص في تجاهلٍ تامٍ للحكومات الأخرى، فالنتيجة الحتمية هي الفوضى والأزمة العميقة. ونحن بحاجة إلى خطة عمل عالمية، ونحتاج إليها في أسرع وقت.

وهناك شرط آخر، وهو التوصل إلى اتفاق عالمي بشأن السفر؛ إذ إن تعليق جميع الرحلات الدولية لأشهر سيتسبب في صعوبات هائلة، وسيعرقل الحرب ضد فيروس كورونا. وتحتاج الدول إلى التعاون من أجل السماح لعدد قليل على الأقل من المسافرين الأساسيين بالاستمرار في عبور الحدود: العلماء، والأطباء، والصحافيين، والسياسيين، ورجال الأعمال. ويمكن القيام بذلك من خلال التوصل إلى اتفاقية عالمية بشأن الفحص المسبق للمسافرين من قِبل بلدهم. وإذا كنت تعلم أنه لا يُسمح إلا للمسافرين الذين جرى فحصهم بعناية على متن طائرة، فستكون أكثر استعدادًا لقبولهم في بلدك.

Embed from Getty Images

ولسوء الحظ، بالكاد تفعل البلدان الحالية أيًّا من هذه الأمور. لقد أصاب الشلل الجماعي المجتمع الدولي، ويبدو أنه لا يوجد أشخاص مُحنَّكون في غرف الاجتماعات. كنا نتوقع أن نرى قبل أسابيع اجتماعًا طارئًا للقادة العالميين للتوصل إلى خطة عمل مشتركة. وقد تمكَّن قادة مجموعة الدول الصناعية السبع من تنظيم مؤتمر بالفيديو هذا الأسبوع فقط، ولم يسفر ذلك عن أي خطة من هذا القبيل.

وفي الأزمات العالمية السابقة – مثل الأزمة المالية لعام 2008 ووباء إيبولا 2014 – تولت الولايات المتحدة دور القائد العالمي. لكن الإدارة الأمريكية الحالية تخلت عن منصب القائد، وأوضحت أنها تهتم بعظمة أمريكا أكثر من اهتمامها بمستقبل البشرية. لقد تخلَّت هذه الإدارة حتى عن أقرب حلفائها، وعندما فرضت حظرًا على السفر إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي، لم تكلف نفسها عناء إعطاء الاتحاد الأوروبي إشعارًا مسبقًا، ناهيك عن التشاور معه حول هذا الإجراء الجذري.

لقد صدمت هذه الإدارة الأمريكية ألمانيا بعمل غير أخلاقي، بحسب الكاتب، عندما عرضت تقديم مليار دولار إلى شركة أدوية ألمانية؛ لشراء حقوق احتكار لقاح جديد لفيروس كوفيد-19. وحتى إذا غيرت هذه الإدارة الحالية مسارها وتقدَّمت بخطة عمل عالمية، فإن القليل سيتبع زعيمًا لا يتحمل المسؤولية مطلقًا، ولا يعترف أبدًا بالأخطاء، والذي ينسب كل الفضل لنفسه، ويلقي بكل اللوم على الآخرين على نحو روتيني. وإذا لم تملأ دول أخرى الفراغ الذي خلَّفته الولايات المتحدة، فإن إيقاف الوباء الحالي لن يكون أصعب بكثير فحسب، بل سيستمر إرثه في تسميم العلاقات الدولية لسنوات قادمة. ومع ذلك، كل أزمة تمثل فرصة أيضًا. ويجب أن نأمل في أن يساعد الوباء الحالي البشرية على إدراك الخطر الحاد الذي يشكله الانقسام العالمي.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «يجب على البشرية الاختيار؛ هل نسير في طريق الانقسام أم نتبنى طريق التضامن العالمي؟ وإذا اخترنا الانقسام، فلن يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الأزمة فحسب، بل سيؤدي على الأرجح إلى كوارث أسوأ في المستقبل. أما إذا اخترنا التضامن العالمي، فسنحقق النصر ليس على فيروس كورونا فحسب، ولكن على جميع الأوبئة والأزمات المستقبلية التي قد تهاجم البشرية في القرن الحادي والعشرين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد