من أوروبا إلى إيران إلى كوريا الشمالية، العالم لا معنى له بعد الآن ما لمْ تضع كلّ أوهامك جانبًا.

إحدى مفارقات التفكير الأمريكي المعاصر حول السياسة الخارجية هو الوضع الفريد لـ«الواقعية»، فمن ناحيةٍ تظلّ النظرية الواقعية من الركائز الأساسية للتدريس الجامعي في العلاقات الدولية (إلى جانب مقاربات أخرى)، وكثيرًا ما يزعم المسؤولون الحكوميون أنّ أفعالهم تستند إلى المنهج الواقعي، لكن واشنطن تبقى في معظمها خالية من الواقعية، علاوة على أن هذا المنظور يكاد يكون غائبًا عن مستشارية القيادات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية؛ هذا العمود، والنظرات الثاقبة الدائمة لبعض الكُتّابْ مثل بول بيلار وجاكوب هيلبرون لا يمكن أن تُعوّض استبعاد الواقعية عن صحف «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال».

هكذا يرى الكاتب ستيفن إم. والت، وهو أستاذ في مركز «روبرت ورينيه بيلفر» التابع لقسم العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، وأضاف في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أنه بدلًا عن الاعتماد على الواقعية، يميل الجمهوريون والديمقراطيون إلى التعاطي مع السياسة الخارجية من خلال عدسة المثالية الليبرالية، وعِوضَ رؤية السياسة العالمية كحلبةٍ يكون فيها الأمن شحيحًا، وتضطرّ فيه القوى الكبرى إلى التنافس، سواءٌ رغبوا في ذلك أم لا، بَدلًا عن ذلك فإن خبراء السياسة الخارجية الأمريكية يميلون إلى تقسيم العالم إلى حلفاء أخيار (عادة ديمقراطيات)، وأعداء أشرار (دائمًا نوع من الدكتاتوريات)، مع افتراض مسبق أنه عندما تسوء الأمور، فذلك لأن الزعيم الأجنبي الشرير (صدام حسين، علي خامنئي، معمّر القذّافي، فلاديمير بوتين) جشع، عدواني أو غير عقلاني، وإذا حدث وأن اعترضت الدول الصديقة على شيء تفعله الولايات المتحدة (الفاضلة)، يميل قادة الولايات المتحدة إلى افتراض أن المنتقدين يعوزون إلى فهم لأهدافهم النبيلة أو يغارون من نجاح أمريكا.

يعترف الكاتب بأن رئاسة ترامب تمثّل تحديًا خاصا للواقعيين، فليس من السّهل التوفيق بين نهج دونالد ترامب غير المترابط والمتلعثم في الشؤون الخارجية وفكرة أن الدول تسعى وراء المصالح القومية بطريقة عقلانية وإستراتيجية؛ حتّى الآن أظهرَ ترامب نفسه بكثير من الأشياء: عنيد، تافه، غير أمين، مندفع، نرجسي وجاهل، لكن «عقلاني» و «إستراتيجي» لا تبدو أنها كلمات تقفز إلى الذهن حين التفكير في سياسته الخارجية، بحسب والت، فالواقعية تؤكد على العوامل الخارجية مثل توازن القوى والجغرافيا، وتقلّل من دور القادة الأفراد، لكنّ رئاسة ترامب هي تذكير بليغ وقلق بالضرر الذي يمكن أن يفعله الزعماء الأفراد، خاصة عندما يقتنعون بأنهم «الشخص الوحيد المهم».

مع ذلك، فإن عدم كفاءة ترامب ليست سببًا كافيًا لإبعاد الواقعية تمامًا، فمن ناحية مازالت لدى الواقعية القدرة على تفسير كيف أمكن لترامب أن يُفلت من كل هذه الفوضى، إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال قوية وآمنة لدرجة أنها تستطيع أن تفعل الكثير من الأشياء الغبية وتعاني فقط من خسائر متواضعة؛ الأهم من ذلك، في نظر الكاتب، لا تزال الواقعية دليلًا مفيدًا للغاية لفهم الكثير من الأشياء التي حدثت في الماضي القريب أو تحدث اليوم، وكما يثبت ترامب أسبوعيًا فإنّ القادة الذين يتجاهلون هذه الرؤى لا بد وأن يقعوا في الكثير من الأخطاء الغبية؛ باختصار: لا يزال من المفيد للغاية التفكير كواقعي؛ وفيما يلي سيشرح الكاتب السبب.

يقول والت: «إن للواقعية تاريخًا طويلًا ومتغيرات عديدة، غير أن جوهرها يعتمد على مجموعة من الأفكار الواضحة، فكما يُوحي الاسم تحاول الواقعية تفسير السياسة العالمية كما هي في الواقع، بدلًا عن وصف الكيفية التي يجب أن تكون عليها؛ بالنسبة للواقعيين فإن القوة هي محور الحياة السياسية، وعلى الرغم من أنّ هناك عوامل أخرى تؤدي أدوارًا في بعض الأحيان، إلا أنّ مفتاح فهم السياسة يكمن في التركيز على من يملك القوة وماذا يفعل بها»؛ ويشير والت إلى معركة وحصار ميلوس، ويقول: إنّ تحذيرات الإثينيين سيئة السمعة للميلانيين تعكس هذا تمامًا، «القوي يفعل بقوته ما بوسعه، والضعيف يعاني مما يجب عليه»، ويضيف أنه حتى المخرج الأمريكي المعروف كوينتن تارانتينو لم يكن في استطاعته أن يجعله (الحوار) أفضل من هذا.

بالنسبة للواقعيين، الدول هي الجهات الفاعلة الرئيسة في النظام الدولي، ولا توجد سلطة مركزية بإمكانها حماية الدول من بعضها، لذلك يتوجّب على كل دولة الاعتماد على مواردها وإستراتيجياتها الخاصة للبقاء؛ الأمن مصدر قلق دائم، حتى بالنسبة للدول القوية، والدول تميل إلى القلق كثيرًا بشأن من هو أضعف أو أقوى؛ إن التعاون قد يكون ضروريًا، في بعض الأحيان، للبقاء، لكن في عالم مثل هذا، دائمًا ما يكون هشًّا إلى حد ما؛ يصر الواقعيون على أن الدول سترد على التهديدات في المقام الأول بـ«تمرير المسؤولية» (أي الحصول على طرف آخر للتعامل مع الخطر الناشئ)، وإذا فشل ذلك فسيحاولون موازنة التهديد، إما عن طريق البحث عن حلفاء، أو عبر بناء قدراتهم الخاصة.

بالطبع – يستطرد الكاتب – الواقعية ليست الطريقة الوحيدة للتفكير في الشؤون الدولية؛ هناك عدد من الرؤى والنظريات البديلة التي يمكن أن تساعدنا في فهم الجوانب المختلفة للعالم المعاصر، ولكن إذا كنت تفكّر وكأنّك واقعي، على الأقل لوقت قصير، فسيصبح من الأسهل فهم العديد من الجوانب المربكة في السياسة العالمية.

إذا كنتَ تفكّر كواقعي، فستُدرك أنّ صعود الصين، على سبيل المثال، حدثٌ محرج ومن المحتمل أن يكون مصدر نزاعٍ مع الولايات المتحدة (وغيرها)، ففي عالمٍ يتعيّن فيه على الدول أن تحميَ نفسها فيه ستلتقي الدولتان الأقوى ببعضهما البعض بحذر، وتتنافسان للتأكد من أنهما لا يتأخران عن بعضهما، ويتجنبان حالة التحول إلى ضعف بشكل خطير تجاه الآخر؛ حتى عندما يتم اتّقاء الحرب فإن المرجّح أن تؤدي المنافسة الأمنية المكثفة إلى نتيجة مماثلة.

الرئيس الصيني شي جين بينج

بالمناسبة، فإن التفكير كواقعي يساعدك على استيعاب عدم التزام الصين بسياسة دينغ شياو بينغ حول «الصعود السّلمي»؛ هذا النهج يبدو منطقيًا عندما تكون الصين أضعف، ويَخدع الكثير من الغربيين الذين يعتقدون أن الصين يمكن أن تتحوّل إلى صاحب مصلحة مسؤول، يحتضن بخنوع المؤسسات والترتيبات المختلفة التي أنشأها الآخرون، لكن الواقعيين يدركون أن الصين الأكثر قوة سترغب في نهاية المطاف تعديلَ أي سماتٍ ليست في مصلحتها، وهو ما دأبتْ بكين على فعله في السنوات الأخيرة؛ خلاصة القول، إن التفكير كواقعي أمر ضروري إذا أردت فهم العلاقات الصينية الأمريكية.

إذا فكّرتَ كأنّك واقعييقول الكاتب، فلن تستغرب من أن الولايات المتحدة استخدمت مرارًا القوة العسكرية في الأراضي البعيدة على مدار 25 سنة ماضية، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، لماذا؟ لسبب واحد بسيط؛ لا أحد يستطيع أن يمنع ذلك؛ كما أن الأمريكيين مقتنعون بأن دورهم العالمي لا غنًى عنه، وأن لهم الحق والمسؤولية والحكمة للتدخل في جميع أنحاء العالم، لكن الموقف المهيمن لأمريكا كان بمثابة الشرط البديهي الذي جعل هذا الطموح المفرط يبدو ممكنًا، على الأقل لفترة من الزمن؛ وكما بيّن الواقعي الجيّد كينيث والتز في 1993: «في عالم متعدد الأقطاب تستسلم القوى العظمى بسهولة لعدم الاهتمام، في عالم ثنائي القطبية يكون الرد مبالغًا فيه، وفي عالم أحادي القطب الإفراط في التوسع»، وهذا بالضبط ما حدث.

إذا كنت تفكّر وكأنك واقعي، فإن الأزمة في أوكرانيا ستبدو مختلفة نسبيًا عن السرد الغربي للأحداث، فعادة ما تُلقي الحكومات الغربية باللوم على بوتين في معظم المشاكل، لكن الواقعيين يدركون أن القوى الكبرى دائمًا ما تكون حساسة تجاه حدودها؛ هل سمعت يومًا عن عقيدة مونرو؟ في حالة أوكرانيا، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون يوسّعون باطراد حلف شمال الأطلسي ناحية الشرق (منتهكين التعهدات التي مُنحت للقادة السوفييت عند توحيد ألمانيا) ويتجاهلون التحذيرات المتكررة من موسكو؛ بحلول عام 2013 بذلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جهودًا متضافرة لجذب أوكرانيا إلى مزيد من التوافق مع الغرب، ولأن إدارة أوباما لم تفكر كما يفكر الواقعيون، فقد استعصى عليها استيلاء بوتين على شبه جزيرة القرم؛ لم يكن ردّ بوتين قانونيًا ولا مشروعًا ولا مثيرًا للإعجاب، لكنه لم يكن مفاجئًا أيضًا، وبنفس القدر لم يكن من المفاجئ كذلك أن تثير هذه الأحداث قلق الأوروبيين وتدفع الناتو إلى تعزيز دفاعاته في أوروبا الشرقية، تمامًا كما يتوقّع الواقعيون.

إذا كنت تفكر وكأنك واقعي – يستطرد الكاتب – فسيتضح لك لماذا سلكت كوريا الشمالية مسارات ضخمة حتى تحصل على رادع نووي، ولماذا تهتم دولة مثل إيران بأن تصبح دولة نووية هي الأخرى؛ هذه الدول كانت على خلاف عميق مع أقوى دولة في العالم، وظل المسؤولون الأمريكيون يقولون إن الحل الوحيد هو الإطاحة بهذه الأنظمة، بيْد أن المفارقة الأكثر أهمية هي أنّ أيّ حكومة تواجه تهديدًا مثل هذا ستحاول حماية نفسها؛ الأسلحة النووية قد لا تكون وسيلة جيدة للابتزاز أو الغزو، لكنها فعّالة للغاية لردع الدول الأكثر قوة من محاولة قلبك بالقوة العسكرية؛ وعلى الرغم من موقعها الجغرافي الموهوب والتفوق التقليدي الساحق، فإن الحكومات الأمريكية اعتقدت أنها تحتاج إلى الآلاف من الأسلحة النووية حتى تكون آمنة، إذا كان قادة الولايات المتحدة يفكرون هكذا، فهل من المستغرب أن تستنتج بعض القوى الأضعف أن امتلاك بعض الأسلحة النووية قد يجعلها أكثر أمانًا؟ وهل من المثير للدهشة أنهم يجدون صعوبةً في التخلي عن أسلحتهم الردعية مقابل ضمانات أو وعود يمكن نكصها أو سحبها بسهولة؟ شخصٌ ما يجب أن يشرح هذا المنطق إلى جون بولتون.

أخيرًا وليس آخرًا – يختتم الكاتب – إذا كنت تفكر وكأنك واقعي، فمن المحتمل أن تكون متشكّكًا في المخططات الطموحة التي يبقيها المثاليون لوضع حدّ للنزاع، الظلم، عدم المساواة وغير ذلك من الأمور السيئة؛ إن السعي إلى بناء عالم أكثر أمنًا وسلامًا أمر مثير للإعجاب، لكن الواقعية تُذكّرنا أنّ الجهود الطموحة لإعادة صياغة السياسة العالمية غالبًا ما تخلق عواقبَ غير محمودة، ونادرًا ما تحقق النتائج الموعودة؛ باختصار: إذا كنت تفكر بواقعية، فستتصرف بدرجة من الحذر، وستقل احتمالية أن ترى المعارضين شرًّا بحتًا، أو أن ترى بلدا ما كفؤًا بشكل تام؛ ومن المفارقات أنه إذا كان أكبر عدد ممكن من الناس يفكّرون وكأنهم واقعيون، فإنّ احتمالات السلام سترتفع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد