حتى وإن لم يكن ثّمَّ تهديد من جماعة بوكو حرام، فإن فتيات شمال نيجيريا يحيَين حياة بائسة، ويواجهن تحديات قاسية.

 

أبوجا، نيجيريا — عندما بلغت (أمينة) هذا العمر، كان من المفترض أن تشغل الفتاة النيجيرية مقعدها بالصف الدراسي. وبدلًا من هذا، جلست أمينة على مقعدها بكوشة الزفاف، عروسٌ تبلغ من العمر أربعة عشر ربيعًا. وبعد ست سنوات من الفقر المدقع، لا تزال أمينة تتحمل العواقب الأليمة لعملية ولادة مطولة، أدت إلى وفاة طفلها أثناء الولادة.

 

الشائع في ثقافة الهوسا القروية بشمال نيجيريا، أن المرأة تضع حملها في المنزل. وأن أي امرأة تصرخ أثناء الوضع، يرونها ضعيفة. ولكن عندما ساءت حالة أمينة، اضطر أشقاؤها أن يسوقوها إلى المستشفى. وحينما وصلت كانت طفلتها قد فقدت للأبد.

 

وتسببت عملية الولادة المتعسرة المطولة في إصابة أمينة بالناسور، وهو مرض يسبب انتقال البول والغازات عبر المهبل. تقول أمينة التي تعيش في ولاية برنو: “وضعت جنينًا ميتًا وأصبت بالناسور في نفس الوقت، ولا يزال الأمر يغضبني”. ومع هذا فإن معاناة أمينة ليست حالة فريدة.

 

يقول الدكتور والتر إيبام، الذي قضى حوالي عامين يعالج مرضى الناسور في مدينة كيفي شمالي نيجيريا: “إن الناسور المهبلي يعد شائعًا بين الفتيات في عمر المراهقة، ويحدث في أغلب الحالات للفتيات اللواتي لم تنضج أحواضهن بعد، بما يسمح بعملية وضع الطفل. وهو عبارة ثقب بين قناة الولادة والمثانة أو المستقيم، أو كليهما معًا، ينتج عن الولادة المطولة التي تحدث في غياب التدخل الطبي الفوري، والذي يترك ضحاياه في نهاية الأمر يحيون حياة بائسة”.

ولدى نيجيريا أعلى معدل انتشار للناسور المهبلي في العالم، فحوالي 400 – 800 ألف امرأة نيجيرية تعاني من المشكلة، وما يقرب من 20 ألف حالة جديدة كل عام. وتترك تسعون بالمائة من هذه النسبة بلا علاج، ما يؤشر إلى أن 55 امرأة تبتلى بالناسور المهبلي كل يوم.

ويزيد حمل المراهقات من سوء المشكلة التي تنتج عن زواج الأطفال. تقول تقارير حديثة لصندوق الأمم المتحدة للسكان إن الفتيات اللاتي يصبحن حوامل قبل أن يتممن خمسة عشر عامًا في الدول ذات الدخول المتوسطة والمنخفضة، لديهن احتمالية مضاعفة للإصابة بالناسور المهبلي أو التعرض لوفيات الأمومة بالمقارنة مع النساء ذوات الفئات العمرية الأكبر.

في نفس السياق، يذكر تقرير الأمم المتحدة أن نسبة كبيرة من حمل المراهقات تنتج عن الجنس القسري، ومعظمها يدون في خانة الزواج المبكر.

ويعد زواج الأطفال أمرًا شائعًا في منطقة شمال نيجيريا، ويعتقد هؤلاء الذين يؤيدونه أو يمارسونه أن الفتاة عندما تتزوج في سن مبكرة، لا تصبح لديها فرصة للفسق أو الانحلال الأخلاقي. ويؤمن كثيرون من أهل المنطقة أن الرجال يمكنهم الزواج من طفلة في عمر الحادية عشرة، مادام الزوج لن يعاشرها حتى تصل لسن البلوغ. لكن في كثير من الحالات لا يعتبر هذا الشرط ملزمًا، والعرائس الصغيرات يعاشرهن أزواجهن بعد الزواج مباشرة. وفي كثير من الحالات يحدث ذلك نتيجة ضغط شديد من الأزواج وكذلك أهل الزوج من أجل إثبات خصوبة العروس.

ووفقًا لما ورد عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن 84% من الولادات الأولى للفتيات النيجيريات المراهقات تحدث خلال الزواج. وبكل تأكيد، فإن 62 % من الفتيات اللاتي تزوجن في عمر 15-19 عامًا، قد أنجبن بالفعل. وحوالي واحدة من كل أربع فتيات متزوجات أنجبن قبل سن الخامسة عشر عامًا.

فكثير من الفتيات تزوجن بدون إبداء موافقتهن الكاملة بحرية. وتضع الاتفاقيات الدولية السن القانوني المتعارف عليه للزواج عند ثمانية عشر عامًا. وإنْ لم يتم تعديل توقيت الزواج المسموح به في نيجيريا، فإنّ أكثر من مائة مليون فتاة ستتزوجن وهن لا يزلن أطفالًا خلال العشرة الأعوام القادمة.

واعتبرت الحكومة النيجيرية زواج الأطفال غير قانوني في عام 2003، ومع هذا تشير بعض الشخصيات من منظمة فتيات ولسن عرائس إلى أن 17% من فتيات نيجيريا يتزوجن قبل أن يبلغن خمسة عشر عامًا. وفي المنطقة الشمالية الغربية، ترتفع تلك النسبة لتصل إلى 76%.

قانون حق الطفل لعام 2003 وضع أقل سن قانوني عند 18 عامًا، بيد أن القانون الفيدرالي ربما يطبق بصورة مختلفة على مستوى كل ولاية. فحتى الآن ثلاث وعشرون ولاية فقط، من أصل ولايات البلد الست والثلاثين، بدأوا في تطوير أحكام لتنفيذ القانون.

وواجهت المحاولات الداعية إلى القول بعدم قانونية زواج الأطفال، نقدًا شديدًا من أعضاء البرلمان الذين يمثلون شمالي نيجيريا، فهم يقولون إن هذا الأمر يتنافى مع المبادئ الدينية والثقافية لأهل نيجيريا. وبكل تأكيد يعد زواج المراهقات أمرًا شائعًا بين الساسة النيجيريين.

وقد أصبحت القضية مثارًا للجدل الشديد بالبلاد بعد أن فشل مجلس الشيوخ بالجمهورية الفيدرالية النيجيرية منذ سنتين، من تعديل الجزء المثير للجدل بدستور البلاد، الذي يحدد سن البلوغ للفتيات.

وأقنع السيناتور أحمد يريما، ممثل المجلس عن ولاية زمفرة الشمالية مقاطعة غرب الولاية، زملاءه في الشمال من أجل هزيمة الأصوات التي تنادي بحذف بند بالدستور قد يفسر تفسيرًا يعني أن الفتيات اللواتي لم يبلغن 18 عامًا يمكن اعتبارهن بالغات بمجرد أن يتزوجن. وكان يريما تصدر الصحف في العام 2010 بعد زواجه من فتاة مصرية تبلغ من العمر 13 عامًا. وتناول السيناتور القضية على القنوات التلفزيونية النيجيرية قائلًا إن الشريعة الإسلامية تسمح للفتاة بالزواج مادامت قد بلغت سن البلوغ واعتبرها والداها ناضجة.

غير أنه مع وجود العديد من العرائس الصغيرات – اللاتي لم يجدن راحة في الزواج المبكر – هربوا من عشش الزوجية، فإن أخريات طبقوا القوانين بأياديهن وهن يواجهن الآن القصاص من أجل ما ارتكبن.

وعلى سبيل المثال، تم القبض على ميمونة عبد المعيني في عام 2007 عندما كانت تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، وكانت التهمة التي وجهتها إليها المحكمة هي حرق زوجها، البالغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، حتى الموت. وبعد مرور خمس سنوات، أدينت الفتاة بالقتل وحكم عليها بالإعدام. وفي العام الماضي حكمت محكمة بأن الحكم يعد خرقًا لحقوقها، لكن شيئًا لم يتغير ولا تزال الفتاة في انتظار عقوبة الموت.

وفي العام الماضي، اعترفت وسيلة تاسيئو البالغة من العمر أربعة عشر عامًا بقتل زوجها عمر صاني البالغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا بعد أن أجبرت على الزواج منه. وكما حدث مع عبد المعيني، اتُهمت الفتاة بالقتل وطالبت النيابة بإعدامها.

ووفقًا لما ورد في محضر الشرطة، اعترفت تاسيئو بوضع سم فئران في الطعام بعد مرور أسبوعين على زواجها في أبريل 2013 في قرية أنجوار يانصورو النائية، القريبة من مدينة كانو، ثاني أكبر مدينة في نيجيريا.

وبعد أن تم القبض عليها، ذكرت صحيفة الجارديان أن تاسيئو أخبرت محاميها أن زوجها ربطها في الفراش واغتصبها ليلة الزفاف. وعندما مثلت تاسيئو أمام قضاء محكمة جيزاوا العليا لأول مرة في الخريف الماضي، استطاعت بالكاد أن تنطق اسمها، ثم استدارت وأعطت ظهرها للمحكمة عندما قرأ القاضي الاتهامات، وأجهشت بالبكاء.

لحسن حظ تاسيئو تمكن الضغط الذي أحدثته جماعات حقوق الإنسان من إجبار المحكمة على سحب التهمة الموجهة إليها، وقد حاولت تلك الجماعات أن تبرهن على أن الفتاة كانت قاصرًا وفي حاجة إلى إعادة تأهيل، ولا يمكن اتهامها بالقتل باعتبارها بالغة.

وتوضح تلك التطورات الصعوبات التي تمر بها الفتيات في نيجيريا. فبعد أن اختطفت مائتان من فتيات المدارس العام الماضي من مدارسهن، وأشارت الإحصاءات أن أكثر من 90% من الفتيات لا يذهبن إلى المدرسة الثانوية، ففي تلك المنطقة أن تكون فتاة يعد تحديًا كبيرًا.

وما يزيد الأمر سوءًا أن النساء اللاتي تعانين من الناسور المهبلي يُنظر إليهن على أنهن منبوذات من المجتمع، ما يتسبب في إنهاء زيجاتهن.

يقول موسى، الذي يعمل سائقًا لتريسيكل لحمل البضائع والذي نقل العديد من الضحايا إلى المستشفى: “لا يمكنني تخيل حجم الألم والعار الذي تشعر به تلك الفتيات، إنه لمن سوء الحظ أن ثقافتنا وتقاليدنا خذلتهن”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد