سرد مايكل سكامل في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» قصة مؤلف ساهمت كتاباته في إسقاط الاتحاد السوفيتي.

وقال سكامل إن سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991 يعزى إلى أسباب شتى – اقتصادية وسياسية وعسكرية – وفقًا للمراقبين، وبعضهم أضاف سببًا آخر هو فقدان النظام مصداقيته بشكل كامل.

بدأت مشكلات الاتحاد السوفيتي في عام 1956 – يكشف سكامل – عندما ألقى رئيس الوزراء نيكيتا خروشوف خطابًا سريًا أمام قادة الحزب الحاكم، حيث ندد بمجازر جوزيف ستالين وأكد وجود نظام سجن الجولاج. لم يمض وقت طويل بعد نشر بوريس باسترناك روايته الممنوعة داخل الاتحاد السوفيتي «دكتور زيفاجو» في الغرب، ليدق مسمارًا آخر في نعش الإمبراطورية. ثم في عام 1962، نشرت المجلة الأدبية «Novy mir» رواية عن سجن جولاج من قبل مؤلف مجهول يدعى ألكساندر إزايفيتش سولزنستاين.

صدمت رواية «يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش» العالم أجمع. ففي نبرة واضحة وصادقة، سردت قصة يوم إنسان بسيط في معسكر عمل، حيث عانى من مظالم لا تنتهي. لقد كان الأمر مثيرًا جدًا لدرجة أن العديد من القراء السوفيتيين اعتقدوا، عندما ظهرت الرواية، أن الرقابة الحكومية قد ألغيت.

 

«أعرف طريقًا واحدًا إلى الله»: قصة موسيقى هزمت جبروت ستالين

لم يكن سولزنستاين مبتدئًا شابًا. كان قد وُلد في الحادي عشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 1918، أي بعد 14 شهراً فقط من الثورة البلشفية، لذا فقد شهد كل مرحلة من مراحل تطور الاتحاد السوفيتي. وكان قد انجرف مع التيار الثوري للتجربة الشيوعية وكان يؤمن بشدة بالمبادئ الماركسية اللينينية. وفي الحرب العالمية الثانية عمل قائدًا لكتيبة مدفعية وحصل على ميداليتين مكافأة على الشجاعة.

لكن مستقبل سولزنستاين الواعد فسد باعتقاله في فبراير (شباط) 1945 بتهمة ممارسة أنشطة مناهضة للسوفييت – يستدرك سكامل – وحُكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة في الجولاج، لانتقاد ستالين والجيش السوفيتي في رسائل متبادلة مع صديق على جبهة أخرى.

استبد اليأس بسولزنستاين، لكن هذا فتح عينيه على نقطة الضعف الشيطانية للشيوعية السوفيتية وأعطاه لمحات من عهد الإرهاب والأكاذيب التي أبقته متماسكًا لفترة طويلة. كان قد كتب بالفعل قصائد وقصصًا ورواية غير مكتملة، معظمها حول موضوعات وطنية. ثم عزم على تكريس بقية حياته لفضح الآلة الوحشية التي كما اكتشف لاحقًا، قتلت أو سجنت الملايين مثله.

 

Embed from Getty Images

صورة لسولزنستاين بعد خروجه من جحيم الجولاج

بعد نشر روايتين أخريين ركزتا على محنة الفلاحين البسطاء، حظرت الرقابة سولزنستاين، لكنه تمكن من إكمال روايتين تحكيان سيرًا ذاتية كان يعمل عليهما؛ «الدائرة الأولى» و«جناح السرطان». تسرد الأولى حكاية مجموعة من السجناء المتميزين، بمن فيهم سولزنستاين، تم اختيارهم للعمل في مختبر سري تديره سلطات الجولاج، بينما سردت الأخرى الظروف التي كان فيها سولزنستاين، بينما كان يعمل مدرسًا في المنفى بعد الإفراج عنه، عولج بنجاح من سرطان المعدة في طشقند.

حظيت الروايتان بالاهتمام لنقلهما بصدق الواقع الأخلاقي للمجتمع السوفيتي ومناقشة جرائم الحكومة، وكلتاهما حُرمتا من النشر في الاتحاد السوفيتي. مثل «دكتور زيفاجو»، سرعان ما تم تهريبهما إلى الغرب لتصبحا ضمن قائمة الأكثر مبيعًا.

بسبب انتقاده الأوضاع داخل الاتحاد السوفيتي – ينوه سكامل – طُرد سولزنستاين من اتحاد الكتاب الذي ترعاه الدولة وأصبح خارجًا عن القانون في بلده. لكنه لم يكن الوحيد. فالعديد من الكتاب الموهوبين والمستقلين كانوا يتحايلون على الرقابة السوفيتية بنسق جديد يطلق عليه Samizdat. وتألف من قصائد، وقصص، وروايات، ونداءات حقوق الإنسان، وبيانات سياسية تم نشرها سرًا في نسخ مطبوعة؛ وفي كثير من الحالات، أُرسلت أيضًا إلى الخارج.

بحلول نهاية الستينيات من القرن العشرين، أصبح الكتّاب والنشطاء البارزون معروفين باسم «حركة المنشقين». كان هدفهم هو ضمان حرية التعبير والتغيير السياسي السلمي في الاتحاد السوفيتي، وحصدوا جمهورًا عالميًا من القراء. ضمت صفوف الحركة العلماء والمهندسين والأكاديميين والمحامين، وحتى العمال المتمردين. وكان زعيمهم غير الرسمي عالم الفيزياء أندريه ساخاروف الحائز على جائزة نوبل.

 

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء آنذاك بوتين يضع إكليلاً من الزهور على قبر سولزنستاين

تعاون سولزنستاين مع ساخاروف والمعارضين الآخرين، لكنهم لم يتفقوا دومًا، فواصل اتباع مساره الخاص. في عام 1973، حين كان ما يزال في الاتحاد السوفيتي، أرسل إلى الخارج تحفته الأدبية، «أرخبيل جولاج». كشفت الرواية المقتبسة من أحداث واقعية عن الجرائم الهائلة التي أدت إلى سجن وذبح الملايين من الضحايا الأبرياء، مشبهًا ما حدث بالهولوكوست. لقد كانت تلميحاته بمثابة تحد رئيسي للدولة السوفيتية، وقد شكك في شرعيتها وطالب بالتغيير الثوري.

ردًّا على هذه الرواية – يواصل سكامل حديثه – جرد السوفييت سولزنستاين من جنسيته وطردوه إلى الغرب. فقضى معظم العقدين التاليين في أمريكا. وقد حصل على جائزة نوبل في عام 1970. كما كتب أربع روايات تاريخية مطولة بعنوان «العجلة الحمراء»، التي تركزت على الثورة الروسية وما أعقبها.

 

«بوليتيكو»: بعد انشقاقها عن الاتحاد السوفيتي.. تعرف على أسرار لجوء ابنة ستالين لأمريكا

لم يتوقف سولزنستاين عن انتقاد الاتحاد السوفيتي وقدم نصائح للمستقبل، لكنها كانت فترة عصيبة للكاتب. لم تعد كتاباته تلقى صدى كبيرًا في الاتحاد السوفيتي مثلما كان الوضع عندما كان لا يزال يعيش هناك. فسرعان ما تشرذم مؤيدوه في الغرب بسبب الهجمات العنيفة على أمريكا والديمقراطية الغربية، في حين أن انتقاداته الحادة للحلفاء السابقين في مذكراته أضرت بشكل خطير بسمعته في الداخل.

لكن هذا لم يوقفه عن العمل على تدمير النظام السوفيتي – يقول سكامل – وعندما انهارت حكومة ميخائيل جورباتشوف في عام 1991، شعر بالسعادة والرضا بسبب تحقق تنبؤاته. بعد ثلاث سنوات، عاد إلى روسيا وحظي بترحيب الأبطال. لكن لم يعجبه كثيرًا ما رآه هناك.

كانت حكومة الرئيس بوريس يلتسين فوضوية، ورفض سولزنستاين ما اعتبره محاكاة للغرب والرغبة الحمقاء في تقديم شكل من أشكال الديمقراطية الغربية. كان يأمل في رؤية قائد قوي، يحافظ على النظام في البلاد، ويشجع الدين ويدعم الكنيسة الأرثوذكسية، مع تنمية الشعور بالوطنية والرجوع إلى القيم التقليدية.

 

Embed from Getty Images

تشييع سولزنستاين إلى مثواه الأخير

وقد بدا أنه نال مبتغاه في عام 2000 – يشير سكامل – عندما سلم يلتسين الرئاسة إلى رجل آمن بجهات نظر سولزنستاين القومية وجسد صورة الزعيم القوي؛ إنه فلاديمير بوتين. رحب الرئيس الروسي الجديد بالكاتب المخضرم في مقر إقامته وطلب المشورة منه، وفي عام 2007 منح سولزنستاين جائزة الدولة لنشاطاته الإنسانية «كان سولزنستاين قد رفض جوائز مماثلة من السيد جورباتشوف ويلتسين».

توفي سولزنستاين في عام 2008، قبل أن يظهر السيد بوتين معدنه الحقيقي عبر جرائم القتل التي ارتكبها ببراعة بحق شخصيات المعارضة، وإنشاء دولة استبدادية، وغزو أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وتقليص الديمقراطية المحلية في المقاطعات.

أقيمت جنازة مهيبة لسولزنستاين ودفن في دير دونسكوي في موسكو. وفي عام 2010 أضحت رواية «أرخبيل جولاج» ضمن المناهج الدراسية في المدارس الثانوية الروسية. تم تغيير اسم شارع موسكو الشيوعي العظيم إلى شارع ألكسندر سولزنستاين، حيث يتم الاحتفال بالمئوية هذا الأسبوع في روسيا، ومن المقرر إنشاء تمثال له في موسكو في المستقبل القريب.

كل هذا من شأنه أن يعطي الكاتب ارتياحًا كبيرًا. ولكن على الرغم من أنه تم استغلاله من قبل حلفاء مشكوك فيهم، إلا أنه ينبغي تذكر سولزنستاين لدوره باعتباره صديقًا للحقيقة. لقد خاطر بكل شيء لهدم الشيوعية السوفيتية وتقويض مصداقيتها وجعل الدولة السوفيتية تركع.

 

مترجم: رغم سقوط السوفيت إلا أنه ما زال مؤثرًا.. ماذا تعرف عن تاريخ «كي جي بي»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد