1,247

إن الظروف الحالية النفسية والاجتماعية السامة، وانعدام الأمل في عملية سلام مستدامة، يوفران خلفية لفهم غضب والاحتجاجات الأخيرة للشباب الذين يعيشون في القدس الشرقية.

رصد وارن سبيلبرج، عالم النفس اليهودي والأستاذ الجامعي والباحث في برنامج فولبرايت الأمريكي للطلاب الأجانب، الأوضاع الصعبة التي يعيش فيها الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن فقدان الشباب للأمل في حل الدولتين وفي عملية السلام ينطوي على مخاطر كبيرة قد تدفع إلى انتفاضة عنيفة بالأقصى.

تعليقات الكاتب كان قد عبر عنها في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ووصف من خلاله قرار السلطات الإسرائيلية بإزالة أجهزة الكشف عن المعادن في موقع المسجد الأقصى في القدس، بأنه كان صائبًا.

ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أنه وبينما يأمل في أن تكون هذه الأزمة قد توقفت بالفعل، فإنه سيكون من الحكمة الاعتراف بالظروف الكامنة التي دفعت الشباب الفلسطينيين إلى المخاطرة بحياتهم، من خلال احتجاجات غير عنيفة، والصلاة في الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى وفي جميع أنحاء القدس الشرقية.

وقال الكاتب: «إن الظروف الحالية النفسية والاجتماعية السامة، وانعدام الأمل في عملية سلام مستدامة، يوفران خلفية لفهم غضب والاحتجاجات الأخيرة للشباب الذين يعيشون في القدس الشرقية. إن هذه الظروف قابلة للاحتراق وستظل توفر مادة قابلة للاشتعال لأي نزاع في المستقبل يتعلق بالسيادة الفلسطينية على المسجد الأقصى».

اقرأ أيضًا: «لا همّ لنا إلا الأقصى».. «ساسة بوست» يتحدث للمعتصمين داخل القدس.

«مجموعة غير مرئية»

بحسب الكاتب، فإن الشباب الفلسطينيين في القدس الشرقية هم «مجموعة غير مرئية» يتجاهلها الإسرائيليون وبلدية القدس التي تسيطر عليها إسرائيل. ولكن حيواتهم مليئة بالإهانة والحرمان والفرص القليلة. إن المسجد الأقصى يمدهم بالانتماء والهدف والمعنى في حيواتهم الشخصية وهويتهم الجماعية.

وبحسب مصطفى أبو صوي، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة القدس، فإن «المسجد الأقصى هو جزء لا يتجزأ من العقيدة الدينية لكل الفلسطينيين، ورمز وطني للسيادة الفلسطينية»، وهو ما يفسر لماذا انضم الفلسطينيون المسيحيون إلى الاحتجاجات (وهي ظاهرة لم يتم الإشارة إليها إلى حد كبير في وسائل الإعلام الأجنبية).

يضع تقريبًا كل شاب مقدسي المسجد الأقصى في مركز أفكاره وآماله. وينظرون إلى أي خطر جاد يحول دون وصولهم إليه باعتباره إبادة لذواتهم النفسية والروحية.

تابع الكاتب بقوله إن قدرة الفلسطينيين، ولا سيما شباب القدس الشرقية، على الشعور بحس قوي للسيطرة على هذه المنطقة هو أمر حاسم لإحساسهم بكينونتهم، وتعد هذه «السيادة» المصغرة بمثابة رادع لاندلاع انتفاضة أخرى عنيفة، والتي ستكون مدعومة للمرة الأولى ليس فقط بالدوافع القومية فحسب، بل من خلال الغضب الديني أيضًا.

وعرج الكاتب على دراسة كان قد شارك فيها بدعم من منظمة اليونيسف، وقابل من خلالها أكثر من 60 شابًا فلسطينيًا في جامعة القدس في الفترة ما بين 2010-2015. ووصف الكاتب كيف أن الظروف الصعبة لهؤلاء الشباب دفعته إلى الشعور بخيبة الأمل.

وقال الكاتب إن القدس الشرقية لا تقدم سوى القليل لهؤلاء الشباب في مجال التعليم والعمل والترفيه.

أوضاع صعبة

فمدارسهم مكتظة للغاية (غالبًا 50 طالب في كل فصل دراسي)، فيما يهيمن على هذه المدارس الخلل الإداري وجو من العنف المدرسي. وتشهد المدارس حالات تسرب من الدراسة بين أكثر من 50% من الذكور المراهقين قبل أن يصلوا إلى الصف العاشر. هناك عدد قليل من الوظائف في اقتصاد القدس الشرقية ومساحة صغيرة للترفيه.

وبسبب القيود التي تفرضها البلدية الإسرائيلية على البناء، فإن بيوتهم تكون مكتظة أيضًا مما يزيد من التوتر داخل الأسر. العديد من الآباء غائبون عن المنزل، لأن عليهم أن يعملوا وظيفتين أو أكثر لدعم الأسرة. وقد اختار آخرون العمل خارج فلسطين، وبعضهم غيبته السجون.

وفقًا للكاتب، فقد أوضحت الدراسة التي شارك فيها أننا نفقد الجيل الحالي من الشباب الفلسطيني. لقد تخلى هؤلاء الشباب عن أي اعتقاد بأن المفاوضات سوف تؤدي إلى حل الدولتين. ولن يمنح هذا الجيل الأمل سوى السلام الذي يعالج احتياجات التمكين السياسي على كلا الجانبين.

يعاني الشباب المقدسيون الشرقيون من فقدان الهوية. إنهم معزولون عن الاتصال المستمر مع الضفة الغربية التي تحظى بمصادر أكثر للهوية الثقافية والدينية، فيما يعيش شباب القدس الشرقية في طي النسيان.

الكاتب وصف حياة الشباب المجتمعية بالصعبة والمخيفة. في البلدة القديمة وفي أحياء القدس الشرقية، تستوقف قوات الأمن الإسرائيلية هؤلاء الشباب يوميًا، ويطلب منهم تقديم أوراق هوية. وقد تم اعتقال العديد من الطلاب الذين شملتهم الدراسة سالفة الذكر، وكان معظمهم شاهد عيان على أعمال عنف ضد شباب آخرين من قبل قوات الأمن الإسرائيلية.

كما يعاني الكثير منهم من ظروف نفسية خطيرة مثل القلق والاكتئاب. آخرون لديهم علامات من اضطرابات ما بعد الصدمة، والكوابيس، والمخاوف الشديدة، وخاصة أولئك الذين تعرضوا للعنف أو كانوا شاهدين عليه. ويهيمن على مجتمعاتهم أيضًا العنف العشائري المرتبط بالعقاقير والجريمة في كل من البلدة القديمة وحي شعفاط. كما تناول العديد من الشباب الذين شملتهم الدراسة المخدرات، بحسب ما ذكر الكاتب.

أيضًا، يعاني الشباب المقدسيون الشرقيون من فقدان الهوية. إنهم معزولون عن الاتصال المستمر مع الضفة الغربية التي تحظى بمصادر أكثر للهوية الثقافية والدينية، فيما يعيش شباب القدس الشرقية في طي النسيان. البعض يجد عزاءه في الإسلام، باعتباره المصدر الأكثر وضوحًا لهويتهم وفي رمزه الدائم، المسجد الأقصى.

اقرأ أيضًا: المخدرات في القدس: الظاهرة التي خلقتها وتراعيها دولة الاحتلال الإسرائيلي

لا مستقبل في الأفق

وقال الكاتب: «يضع تقريبًا كل شاب قابلته المسجد الأقصى في مركز أفكاره وآماله. وينظرون إلى أي خطر جاد يحول دون وصولهم إليه باعتباره إبادة لذواتهم النفسية والروحية. إن المحاولات الأخيرة والمستمرة التي يقوم بها الأصوليون اليهود لتحدي السيادة الفلسطينية على منطقة الأقصى، تشكل مثل هذا الخطر».

لا يرى شباب فلسطينيون من القدس الشرقية أي مستقبل في الأفق. ومع تلاشي الآمال في إقامة دولة أو شكل من أشكال الحكم الذاتي السياسي، فإنهم لا يملكون شيئًا يخسرونه على نحو متزايد. ليس فقط لأنهم لا يرون أي ضوء في نهاية النفق، بل لأنهم لا يرون النفق ذاته، ولا أي أفق على الإطلاق، وفقًا للكاتب.

الكاتب طالب بضرورة اتخاذ خطوات لتطبيع حياتهم وتحسينها. ضمت إسرائيل القدس الشرقية بعد حرب 1967. ولكن مع السلطة تأتي المسؤولية. يجب على بلدية القدس أن تسعى إلى توفير المزيد من المعلمين والمدارس وبناء الحدائق وتطوير البنية التحتية الاقتصادية السليمة للقدس الشرقية وتطوير برامج التدريب المهني ودمجها في اقتصاد القدس الغربية وتوفير بيئة أكثر أمانًا للشباب في القدس الشرقية.

وهناك حاجة أيضًا إلى تدخلات لمساعدة الأطفال والأسر الذين يعانون من صدمات نفسية. كما أن إقامة روابط قوية مع المؤسسات السياسية والثقافية في الضفة الغربية سيكون مفيدًا أيضًا. وحذر الكاتب من أنه وفي حال فشلت هذه التدخلات والمفاوضات، فيمكننا أن نتوقع تصعيدًا في الإحباط والعنف المحتمل من جانب شباب القدس الشرقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك