صراعُ المملكة العربية السعودية وإيران على السلطة يمزّقُ العالَم العربي، حتى مع محاولات الدبلوماسيين المحمومة للتفاوض للحصول على هدنة.

 

ينبغي أن يكونَ إقناعُ وزيريْ خارجية دولتين، ليستا في حالة حربٍ ظاهريًّا، بالجلوس على طاولة واحدة؛ أمرًا بسيطًا. ولكن عندما يتعلقُ الأمرُ بالعدويْن اللدودَيْن؛ المملكة العربية السعودية وإيران، وهما القوتان الإقليميتان اللتان تتقاذفان الاتهامات طوال العام وتتقاتلان من خلال وكلاء في جميع أنحاء المنطقة؛ كان الأمرُ أكثرَ تعقيدًا بكثير. تطلّب الأمرُ مكالمة هاتفية من الرئيس باراك أوباما للملك السعودي، ورحلةً للرياض قام بها وزيرُ الخارجية جون كيري، وغَزَلًا سياسيًّا في اللحظة الأخيرة؛ للتأكيد على أن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير سيحضر بالفعل المحادثات حول سوريا في فيينا يوم 30 أكتوبر.

تندر الاجتماعاتُ رفيعة المستوى بين المسؤولين الإيرانيين والسعوديين، إلى الدرجة التي تجعلُ جهودَ أوباما وكيري أهمَّ إنجاز على الأرجح لمحادثات سوريا حتى الآن، وهو إنجاز لا يتحقق كثيرًا. بَيْدَ أن التحدي لكيري سيكون الإبقاءَ على السعوديين والإيرانيين جلوسًا على الطاولة، ليس فقط لهذه الجولة الثانية من محادثات فيينا المقامة يوم 14 نوفمبر، وإنما لمدة المفاوضات حول سوريا. على الرغم من أن البلدين قد أعلنا أنهما سيكونان موجودَين بفيينا، إلا أنَّ مستوى التمثيل لمَّا يُحدَّد بعد. ولن يكون وزيرُ الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف؛ حاضرًا في الجولة القادمة من المحادثات.

لقد قادَ التنافسُ السعودي- الإيراني كثيرًا من الديناميكيات في الشرق الأوسط لعقودٍ، إلا أن هذا التيار التحتيّ من الأحداث في المنطقة، انفجرَ الآن فوق السطح ليراه الجميع. من البحر الأبيض المتوسط إلى شبه الجزيرة العربية، ينخرط السعوديون والإيرانيون في حرب مفتوحة، بالوكالة؛ حتى الموت.

نادرًا ما وصل التوترُ بين الرياض وطهران، في خلال تنافسهم المستمر منذ عقود؛ إلى مثل هذه الدرجة المحمومة، مثيرًا نيرانَ الطائفية المدَمِّرة عبر المنطقة. ففي سوريا، يدعمون معارضةَ الفصائل المسلحة، وفي اليمن، قضى السعوديون ثمانية أشهر الآن في حملة قصفٍ على متمردي الحوثي، حيث يتّهمون إيرانَ بدعمهم. وفي البحرين، وهي بلد يشكّل سكانها الشيعة نسبةً كبيرة؛ قالت السلطات أنهم أحبطوا هجومًا لمجموعة لها صلات بإيران. وفي لبنان، أدَّتْ عمليات شدّ وجذبٍ بين مجموعات الشيعة المسلحة والحزب السياسي “حزب الله”، وبين الأحزاب السياسية المتحالفة مع المملكة السعودية؛ إلى مأزقٍ سياسي.

إن التقاربَ السعودي- الإيراني ليس حلًّا سحريًّا للصراع السوري. ولكن، كما قال لي أحد كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية: “للبدء في تخفيف شتّى الصراعات في المنطقة، فإن أحد أكبر الأشياء التي يمكنك القيام بها هي البدء في حوارٍ بين الرياض وطهران يمكنه تقليل التوترات (بينهما)”.

إلا أنَّ الصراع الإقليمي من أجل السلطة سيسوء على الأرجح، على الأقل على المدى القصير، بينما يدفع السعوديون والإيرانيون وكلاءهم لكسب أكبر قدر ممكن من الأرض، في حين تتخذ الدبلوماسية مجراها. إن الكثيرَ على حافة الهاوية؛ فستحدد نتيجةُ الصراع السوري نظامًا إقليميًّا جديدًا في الشرق الأوسط، بينما لا الرياض ولا طهران على استعدادٍ بعدُ للتنازل عن الصراع لمنافِستِها.

تتصاعد تكلفةُ المواجهة بالنسبة لكلا الطرفيْن. يرى الإيرانيون المعركة في سوريا معركةً وجوديّة؛ ضروريةً لحفظِ وصولهم إلى المجتمعات الشيعية عبر العراق، وفي لبنان؛ موطئ قدمهم في البحر الأبيض المتوسط. لكنّ الحرس الثوري الإسلامي ما زال يفقد بعضًا من كبار ضباطه في المعارك لدعم الرئيس السوري بشار الأسد. ويثير الصراعُ جدلًا في إيران.

“قد تكون [إيران] تبحث عن سبلٍ لعدم استمرار جعل هذا الاستثمار الضخم في الصراع [السوري] يمضي إلى الأمام، إذا أمكنها تأمين بعض مصالحها في تسوية سياسية”. كما أخبرني مسؤولٌ كبير في الإدارة، مطّلعٌ على المحادثات، بعد الاجتماع الأول في فيينا.

وفي الوقت نفسه، ينهال السعوديون على سوريا بالأسلحة لمساعدة وكلائهم، ولضمان احتفاظهم بالنفوذ في محادثات فيينا. وقد يُستخدَمُ بعضُ هذا النفوذ لدفع الإيرانيين لتقديم تنازلات في مكانٍ آخر، كاليمن مثلًا، حيث تملك السعودية أولوياتٍ أكبر.

ليس جديدًا على المسؤولين السعوديين والإيرانيين أن يكونوا في نفس الغرفة، ولكنه كان أمرًا نادرَ الحدوث لسنوات، وحصيلته ضئيلة عادةً. قابل الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية وقتها؛ نظيرَه الإيراني ظريف، في سبتمبر عام 2014 بنيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كان اللقاء وديًّا، ورحَّبَ ظريف بكتابة فصل جديدٍ بين البلدين، إلا أن العلاقات سرعان ما ساءتْ حين غضبَ السعوديون بسبب الاتفاق النوويّ. ثم غضبت طهران مؤخرًا، بسبب حادث تدافع الحجاج في مكة في شهر سبتمبر، والذي قُتل فيه أكثر من 400 إيراني.

لذلك، عندما جلس الجبير وظريف على طَرَفيْ الطاولة المتقابليْن، في فيينا منذ أسبوعين؛ بدؤوا أولًا ببثّ شكاواهم. أثارَ ظريف مسألة السعوديين الخمسة عشر الذين كانوا جزءًا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وفي الوقت نفسه، لدى الجبير ضغينةٌ شخصية مع إيران؛ فلقد اتُّهمَ مسؤولون إيرانيون بمحاولة قتلِه في العاصمة واشنطن، عام 2011.

قال مسؤول الإدارة: “لم يكن هناك صياحٌ، كما لم يكن ثمة ودّ. كانت هناك تهمٌ مُحرّضة من كلا الطرفين”.

والآن، وقد صفا الأمر، فلربما يستطيعون الانتقالَ إلى مناقشة أمورٍ أكثر أهمية.

وفي غضون ذلك، كانت هناك جهود عديدة على الهامش، للبدء في قنوات خلفية، أو مسارات بديلة للمفاوضات بين الرياض وطهران. إلا أنه، حتى الآن، قوبلتْ كل المحاولات برفضٍ سعودي، بَيْدَ أنه لم يمنع الحكوماتِ الغربية المختلفة والمؤسساتِ ومراكزَ الأبحاث من المحاولة.

لم يكن المسار الثاني بديلًا عن الدبلوماسية المباشرة قط. لكنّ حوارًا هادئًا مستمرًا بين خبراء أو شخصيات رسمية يمكن أن يساعد في إيجاد مساحات ممكنة للتسوية، بعيدًا عن المواقف العامة لكبار المسؤولين. وعندها، يتم إرجاع بعض من النتائج للحكومات المعنيّة، للإخبار عن اقترابهم.

جمعتْ راندا سليم، وهي مدير مباردة الحوار للمسار الثاني، في معهد الشرق الأوسط بواشنطن؛ جمعت أولًا مسؤولين وخبراء حاليين وسابقين في الشرق الأوسط عام 2012، لإجراء حوارٍ ركَّزَ على العراق وسوريا ولبنان. وأخبرتْني أن “كثيرًا من المبادئ” التي اتُّفِقَ عليها خلال هذه المناقشات، قد وجدتْ طريقَها إلى بيان فيينا الرسمي عن سوريا.

إنَّ جلبَ الأشخاص المناسبين إلى الغرفة لهو تحدٍّ، كما يقول أحدُ الخبراء، وهو في المراحل الأولى لبدء حوارٍ بين مسؤولين من السعودية وإيران. “جزء من المشكلة أن هناك عددًا قليلا من كبار صنّاع القرار السعوديين. أما الإيرانيون المهمون، رجال الحرس الثوري؛ فلا يمكن الوصول إليهم”. كما أخبرني.

تستمر الجلسات التي تنظمها راندا سليم، وتبرز لأنها على عكس معظم حوارات “المسار الثاني”، والتي لا تشمل إلا مسؤولين وخبراء سابقين؛ تضم مستشارين ومساعدين لمسؤولين حاليين. حضر كل من السعوديين والإيرانيين جميعَ الجلسات، وسيحضرون الاجتماع الثامن في الشهر المقبل.

غنيّ عن الذكر، أن المشاركين في مثل هذه الاجتماعات يحضرون لأنهم يفهمون بالفعل قيمة الحوار؛ فهم يمثّلون عقلية معينة في بلدانهم لا تمثل بالضرورة وجهة النظر السائدة في حكوماتهم. لكنّ مشاركة الجبير وظريف في الجولة الأولى من محادثات فيينا تشير إلى أن الطرفين فوَّضهما رؤساؤهما للجلوس على الطاولة سويًّا على الأقل.

“[إيران والسعودية] يفهم كلاهما أنهما متنافسان. إلا أنهما يرومان في الوقت عينه سبلًا لئلا يكونا عدوين”. هكذا قالت سليم. “لذا، فالسؤال هو؛ كيف يمكننا أن نرتقي إلى نوعٍ من المنافسة الموجَّهة”.

وقد حققت طهران والرياض هذا من قبل، لذا فليس من المستحيل تصور حدوثه مرة أخرى. ويعتبر كتاب “تنافس إيران والمملكة العربية السعودية خلال حربيْ الخليج” لكاتبه هينير فيرتيج، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمحلية؛ يُعتبر مُذكِّرًا ناجعًا لكل مِن تاريخ وسياق العلاقة المتكشِّفة.

يبدأ فيرتيج كتابه في الواقع باستطلاع العلاقات السعودية- الإيرانية، قبل أن تسوء الأمور عام 1979، حينما عاد مؤسس الثورة الإسلامية، آية الله روح الله الخميني؛ إلى إيران. قبل الثورة، رأت القوتان الإقليميتان عدوًّا مشتركًا في عروبة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وقومية صدام حسين البعثية. كانتا ركيزتي مبدأ نيكسون، والتي رسمت إستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الشيوعية في المنطقة. ولم تخلُ العلاقات من التوتر؛ فقد أثار شاهُ إيران الملكَ السعودي عندما صرح برغبته في أن تصبح إيران القوة الرائدة في منطقة الخليج، وقدمَ ادعاءات إقليمية بالخليج. لكنّ العلاقات كانت في معظمها ودّية، وتنازلت القوتان عن عددٍ من المناطق ذوات النفوذ لبعضهما البعض.

في عام 1962، عرضَ الشاه على ولي العهد آنذاك؛ الأمير فيصل؛ عونًا عسكريًّا عندما غزا المصريون اليمن. شكرَ وليُّ العهد الشاهَ لـ”عرضِه السخي”، ولكنه أنكرَ ما رآه تدخلًا إيرانيًّا في شؤونٍ عربية. وعندما زار الشاه المملكة العربية السعودية عام 1968، بعد أن تم الوصول إلى اتفاق حدودي جديد؛ وصف الملكَ بـ”أمير المؤمنين”، وهو لقب محترم شريفٌ، في الوقت الذي لم يكن الملوك السعوديون قد اتخذوا لقب خادم الحرمين الشريفين بعد.

ولم يتخذ الملك فهد هذا اللقب إلا عام 1986، لتلميع الأسرة المالكة كمدافعين عن الإيمان، وكان هذا قبل عامٍ من اشتباك القوات السعودية والحجاج الإيرانيين المُلوِّحين بصور الخميني، في مكة المكرمة أثناء موسم الحج. وقد شكك المرشد الأعلى الإيراني مرارًا وتكرارًا في قدرة آل سعود، وهم حلفاء للغرب؛ على حماية مكة والمدينة، ودعا في كثيرٍ من الأحيان إلى إنشاء لجنة إسلامية مشتركة لتتولى هذه المسؤولية.

حتى عام 1979، لم تكن طموحات الشاه العلمانية، وطموحات الأسرة الحاكمة السعودية للوحدة الإسلامية؛ تتنافسان على نفس الأرضية السياسية. كان إقحام الثورة الإيرانية للدين، كأداة سياسية؛ هو ما حلَّ العلاقة، وأيقظ المنافسات السنية الشيعية الخامدة، وأطلق العنان للتوترات الطائفية، والتي وصلت إلى ذروتها اليوم.

ولكن حتى بعد ذلك، تمكن البلدان من الوصول إلى تسوية مؤقتة. ففي عام 1995، أوفدَ الرئيس الإيراني، أكبر هاشمي رفسنجاني؛ سفيرَه في ألمانيا، سيد حسين موسويان؛ للقاء ولي العهد السعودي آنذاك، الأمير عبد الله، والذي سيصبح ملكًا بعد عقد من الزمن. أسفرتْ أربع أمسيات طوال من المحادثات في جدة عن اتفاق أمني بين البلدين، والذي استمر، رغم نجاحاته وإخفاقاته؛ حتى انتخاب الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد عام 2005.

“أعتقد أنّ بإمكاننا إيجاد طريقة اليوم مرة أخرى؛ فلدينا الخبرة”. كذا أخبرني موسويان على الهاتف من جامعة برنستون، حيث يعمل باحثًا الآن.

وهذا أمر صعب للغاية في المستقبل القريب. وفي حين تركز المحادثات في فيينا بشكل مباشر على إيجاد حلٍّ للحرب المدمّرة في سوريا، يصبح من الواضح أن الشرق الأوسط في حاجة ماسة إلى تسوية إقليمية مؤقتة.

تقول سليم: “بربط اليمن وسوريا ولبنان والعراق، أنت تزيد من احتمالات الوصول إلى حل؛ حيث سيكون على كليهما أن يخسر بعضَها ويكسب بعضَها. أنت تخلق مساحةً أكبر للتسوية”.

لا تزال إيران والسعودية الآن تتمسكان بمواقفهما المتطرفة، ويبدو الحل بعيدَ المنال. تمثّل الانفراجة بين الرياض وطهران أمنيةَ عسيرة المنال لسياسات الشرق الأوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد