أحد الأسئلة الكبرى التي يطرحها الناس «ماذا يجب أن أقرأ؟» قد يكون السؤال متعلقًا بموضوع: ماذا يجب أن أقرأ لأعرف عن الشيوعية المجالسية؟ وقد يكون السؤال عن الطريقة المثلى لاستيعاب موضوع ما بمرور الوقت: «بأي تسلسل يجب أن أقرأ؟»

لكن ما يفشل الناس مرارًا في السؤال عنه هو: «كيف يجب أن أقرأ؟»، وهو السؤال الجوهري. ومجرد دخولك لهذا الموقع يعني أن لديك فكرة عما يجب أن تقرأه، وسيمنحك دليل القراءات الثورية عددًا وفيرًا من الإضافات المنظمة موضوعيًا وسياسيًا لذلك. الأحرى بنا أن نسأل أنفسنا عن كيفية القراءة. وللإجابة على ذلك، أقترح عليكم ـ بادئ ذي بدء ـ أن أتحدث عن الطريقة التي لا يجب أن تقرأوا بها.

ترجى ملاحظة: كل خطأ سأقوم بتوضيحه، وكل عادة سيئة كنت ـ وما زلت ـ أمارسها. والاقتراحات الخاصة بكيفية القراءة هي نتاج ما يقرب من عشرين عامًا من ارتكاب الأخطاء والتعلم منها، ومعظم العادات الحسنة عن كيفية القراءة تعلمتها فقط في السنوات القليلة الاخيرة، بعد خمسة عشر عامًا من ممارسة العادات السيئة واكتساب الخبرات الجيدة. كما أنني شخصيًا أعتقد أنه من الأفضل الامتناع عن قراءة الأعمال النظرية، بدلا من قراءتها قراءة رديئة، على طريقة مدعي الثقافة، وحملة الشهادات الزائفة، أو على طريقة تقديس المرشد، وتدريب الكوادر.

والأفضل الاعتراف بالأخطاء وتغييرها، وتطوير العادات الحسنة، وتعلم الصبر والجدية، اللازمين للقراءة الجيدة، والطريق الأخير طريق لا نهاية له، وما يهم ليس بلوغ الهدف، بل الرحلة نفسها «بلغة البوذيين القدماء والطاويين».

عادة يقرأ اليساريون «ويشاركهم في ذلك طلاب الفصول الجامعية»؛ كي يقولوا إنهم  قد قرأوا ما يمكنهم من إدعاء الألفة مع الموضوعات، أو كتابة مقالات؛ بغرض النشر، أو بناء سيرة ذاتية. والإجراء المعتاد، على سبيل المثال، في بدء مجموعة قراءة هو اختيار عدد كبير من النصوص أو أجزاء من النصوص وتحديد وقت لقراءتها.

«سنقرأ مقدمة هيجل لكتاب (فينومينولوجيا) الروح، الفصل الأول من المجلد الأول لـ(رأس المال)، مخطوطات عام 1844 الاقتصادية والفلسفية، مقال لـ(هربرت ماركوزه)، بضع فصول من (لوكاش)، فصل من كتاب (الماركسية والحرية) لـ(رايا دونايفيسكايا)، جزء من كتاب (الجدل السلبي) لـ(أدورنو)، جزء من كتاب (دولوز وجاتاري) (أوديب المضاد)، بعض مختارات من كتاب (آلتوسير ونيجري) (عن سبينوزا)، وبضع قراءات أخرى. وسوف نقرأ ذلك كله خلال عام واحد».

وحتى لا يعتقد البعض أن تلك مبالغة، فإن ذلك ما قيل لي حرفيًا عن «مجموعة قراءة» بدأت في محل لبيع الكتب، عدا أن قائمتهم كانت أطول. يضمن هذا النهج في القراءة السماح للأفراد المشاركين أن يقولوا إنهم قرأوا لكل هؤلاء المفكرين، وإذا كان هناك ما يستحق أن نتعلمه من تلك النصوص – وهو بالتأكيد موجود – فإن ذلك النهج لن يسمح لنا بتعلم الكثير.

كيف لنا أن نتعلم من خلال قراءة مجموعة من أعقد الأعمال، وأكثرها إتقانًا، في آخر مائتي عام، إذا فعلنا ذلك بوتيرة قسرية؟ وكيف يمكننا أن نفهم ما يرمى إليه هؤلاء المؤلفون عبر قراءة مقتطفات من نصوص كاملة ما لم تكن تلك الأعمال سطحية؟ وبالطبع لا أؤيد المفاهيم الرائجة الآن حول القراءة، والتي تقول بأننا نستطيع البداية من أية نقطة، والقراءة بأي تسلسل، وأن نقرأ مقتطفات من هنا وهناك، ويظل بإمكاننا أن نخرج منها بمعرفة ما. بعض الأعمال يمكن قراءتها بتلك الطريقة، لكن هذا ليس هو الحال مع كثير من الأعمال الأخرى. وحتى تلك الأعمال التى يسهل قراءتها تستلزم وقتًا ومجهودًا يتعدى الأسبوع أو الأسبوعين المتاحين للقراءة.

أما الآخرون فيقرأون؛ لأن المجموعة التي ينضمون إليها، أو على اتصال بها، نظمت مجموعة دراسية، قد يكون تركيزها علي نص واحد، أو عدة نصوص. عادة ما تحرز تلك المجموعات تقدمًا؛ عبر هؤلاء الذين يقرأون، أو يتظاهرون بقراءة، ما يتعين عليهم قراءته كل أسبوع، بينما يوجه المجموعة قائدها الذي كان قد قرأ النصوص كلها، وحدد لها تأويلًا مسبقًا، وهذا ما يعرف بـ«التلقين»، ولا يرجع ذلك لاحتمال رداءة أو جودة قراءة قائد المجموعة وتحليله، بل لأن بناء المجموعة يرتكز على ذلك الشخص أو الأشخاص الذين لديهم تراكم معرفي كبير في تلك الكتب المختارة، ويهدفون إلى إقناع القراء الآخرين بتأويلهم. هذه العملية تميل إلى الإسراع بشدة. في أسوأ الأحوال.

وبحسب تجربتي في إحدى مجموعات القراءة «التروتسكية»؛ كمنتسب جديد، بالإضافة للعديد من المجموعات الأخرى، فهناك إلحاح على قراءة كتاب كل أسبوع؛ كي يتمكن القارئ من إظهار جدية رغبته في تحصيل الأساسيات الضرورية؛ حتى يستطيع تجنيد آخرين. وفي أفضل الأحوال، لن يكون الأمر بهذه العجلة، كما أن القراءات تكون شيقة، لكن قيمتها تتضاءل عمليًا؛ إذا ما قورنت بالجهد الفعلي للشخص الذي عيّن كمرشد للمجموعة. يذكرني ذلك بتيار «جونسون فروست»؛ إذ قد كان «جراس لي» و«رايا دونايفيسكايا»، يقضون ساعات في مناقشة بضع فقرات مصارعين لفهمها، لكن المجموعات التى برزت بعد ذلك لم تحذُ حذوهم فى ذلك الأسلوب، على الأحرى يُعامل المنظم باعتباره مرشدًا عبقريًا يشعر من يتعلم منه بأنه يجب أن يكون محظوظًا؛ لو استطاع فهمه ولو جزئيًا. وهذا الشخص قد يضطر للقيام بهذا العمل الشاق الذي تعتبره المنظمة عملًا زائفًا، ولا تمارسه؛ لأنها تراه من قبيل التجنيد، وأنشطة تدريب الكوادر.

وعليه، فإننا نجد داخل تيار اليسار نوعين بعينهما من القراءات، يركز أحدهما حول أن يكون بإمكان الشخص التصريح بأنه قرأ ما يجعله مواكبًا لكل ما هو رائج وما يعطيه شعورًا بالتفوق، والآخر ينصب اهتمامه فعليًا علي عملية تجنيد وتدريب الكوادر. والأسلوب الأخير في أحسن أحواله هو المفضل نوعًا ما، لما يسمح به من حد أدنى للقراءة المتعمقة والجادة، كما أنها تصبح تجربة مثيرة؛ طالما استطاع القارئ الاحتفاظ بملكة التفكير النقدي. وعلى أية حال، فإن فرص الثبات على الموقف النقدي لوقت طويل، مع الحفاظ على تلك الملكة ضئيلة، سيؤدي رفض هرمية مجموعة الدراسة وأزمة توجيه الأسئلة الغريبة ومعارضة الإرشاد والمشاكل الأخرى المرتبطة بهم، إما إلى استبعاد القارئ من المجموعة في النهاية أو إلى فقدانه لملكته النقدية، ومن ثم ينتهي به الحال إلى أن يصبح خطيبًا مدربًا تدريبًا جيدًا. أو قائدًا؛ إذا كانت لديه المواهب الضرورية للسيطرة على الآخرين والتلاعب بهم.

كذلك يتعين ملاحظة أنه هناك ميلًا قويًا داخل تيار بناء الكوادر؛ لقصر القراءة على قراءات المجموعة، واعتبار ما عداها هراء أكاديمي، أو بخس أهمية قراءة المفكرين الذين تعتبر أعمالهم أساسًا فكريًا لنقل «ماركس» أو «لينين» أو ما إلى ذلك؛ لأن أدبيات الحزب تعد انعكاسًا صادقًا لتلك الأفكار في المستقبل. من المأمول ألا يواجه القارئ المهتم بالشيوعية التحررية مشكلة كهذه؛ إذ إنها تميل لأن تكون مقصورة على المجموعات «اللينينية والطليعية».

وهناك مشكلة متعلقة بالمجموعات غير الطليعية: وهي أنها تقرأ شروح الآخرين، بدلًا من قراءة النصوص الأصلية؛ ليس لأن قراءة النصوص الأصلية يمكن تجنبها، أو لأن بعض التفسيرات في الغالب قد تفيد، لكن لأنه لا ينبغي أن تستبدل هذه الشروح بالأعمال الأصلية. كما لا يجدر بنا أن ننقل عن الآخرين، فمسألة عدم الثقة فيما يخص قراءة الرفاق – الذين نثق بهم على أية حال – أمر صعب، لكن كما هو شأن كل أشكال الثقة الحقة، يعد عدم الثقة المتمثل في المساءلة الدائمة للافتراضات المسبقة والأساسيات أمرًا ضروريًا؛ فالنقد الذي لا يطال سوى الأشخاص الآخرين، أو المجموعات الأخرى، أو ممن هم خارج الدائرة الاجتماعية، لا يعد نقدًا في جوهره، بل هو معاد له، ويتماشى مع عقلية الإرشاد أو التدريب التي ليست بعيدة عن العقلية الرائجة، التي لا تريد بوضوح أن تجبر على الالتزام بالممارسة النقدية.

إذن كيف نقرأ؟

الشيء المهم: التمهل في القراءة، لا تحاول القراءة بغية الانتهاء من قراءة كتاب، أو كي تتبنى توجهًا سياسيًا. القراءة الجيدة لن تجعل المرء مواكبًا لما هو رائج، كما لن تؤهله لأن يصبح كادرًا أو تابعًا مخلصًا. التمهُل سينتج عنه قراءة كتب أقل، لكن على الأرجح ستُحصّل منها الكثير. واقتباسًا من لينين خارج السياق، فإن «الأفضل أن يكون أقل؛ شريطة أن يكون أفضل». تذكر، أنك لست أكاديميًا في خط إنتاج شعاره «انشر أو اندثر» من أجل الحصول على راتبك (ليس في هذا السياق على الأقل).

اقرأ الكتاب أو المقال بأكمله إن أمكن، ومن الأفضل أن تتبع تسلسل الكاتب عند القراءة للمرة الأولى. فهذا مهم للغاية، على الأقل فى قراءة بعض الكتب. فعلى سبيل المثال، قراءة أجزاء من كتاب «رأس المال» أو قراءته، دون تسلسل، يعد خطأ، من وجهة نظري.

استعن بالمصادر الثانوية؛ كوسيلة مساعدة، لا كمصدر للحقيقة. وإذا لم تتمكن من فهم شيء ما، جرب الاستعانة بتآويلات متعددة، لكن تأكد أنك تستعين بتأويلات متعارضة؛ فقراءة أكثر من تأويل لفقرة واحدة ستساعدك على ألا تكون صدى لأفكار شخص آخر. في حال لم تجد شخصًا آخر تشتبك معه في سجال نقدي، ابحث عن كتاب أو مقال؛ يساعدك على فعل ذلك. فبالرغم من أنني لا أميل في العموم إلى أفكار «سلافوي جيجيك» السياسية، وتفسيراته، لكن قراءة أعماله تساعدني؛ لما لها من أهمية ودراية. لقد تعلمتُ الكثير من خلال قراءته، وهذا جيّد بما فيه الكفاية. يمكن قراءة النصوص الثانوية على نحو خاص قراءة مجزءة، عندما يستعان بها كنص مساعد، بالرغم من أن بعضها يبرز كعمل مكتمل ومؤثر حقًا.

كن قارئًا اجتماعيًا، فليس بوسعي أن أخبركم كم كان ذلك أمرًا مهمًا بالنسبة لي؛ فوجود رفيق قراءة جيد دائمًا جعل قراءتى أكثر عمقًا.

لنواجه الأمر، لا يستطيع كثير من الناس القيام بعمل فكري مبدع بمعزل عن الآخرين. إذا كان من المحتم أن تقرأ مع أكثر من شخص، فاقتصر على ستة أشخاص؛ لأن المجموعات الأكبر من ذلك، نادرًا ما تكون مُثمرة. كذلك تأكد من أن الجميع ملتزمون بأسلوب قراءة غير ذائع، وغير قائم على تربية الكوادر. إذا أرادوا قراءة خمسة عشر كتابًا فى عام واحد من خلال الاجتماع مرة أسبوعيًا، فلن يفلح الأمر؛ لأنهم سيسعون لإثبات صحة أفكارهم المسبقة. فهذا ما تنطوي عليه كلا القراءتين: القراءة الشائعة، وقراءة الكوادر؛ إذ لا (تميلان إلى/تنشدان) سوى إثبات «أفكارهم، سياساتهم، مفاهيمهم» المسبقة. لذا يغيب عنهما التفكير النقدي.

دون ملاحظات: ولا أعني بذلك أن تقتصر على تدوين تعليقاتك، فأحيانًا يكون من المفيد جدًا كتابة جمل وفقرات كاملة. تُنتج القراءة فى صحبة شخص أو أكثر مع تدوين الملاحظات مزيجًا رائعًا؛ لأنه حينها يكون بإمكانكم أن تقرأوها على بعضكم. إقرأوا النصوص بصوت مرتفع، مع تبادل الأدوار في القراءة، وتسجيل الملاحظات، وطرح الأسئلة على بعضكم. اتضح لي أن وجود فرخ ورق كبير منبسط على الطاولة، بحيث يتيح فرصة للمشاركين لتسجيل ملاحظاتهم العفوية، وتدوين تعليقات الآخرين، يجدي بشكل كبير، في حالة القراءة الجماعية، وعلى النقيض من الجلوس على الأرضية، فإن الالتفاف حول طاولة يزيد من معدل التركيز والجدية بشكل هائل.

التزم بكلمات المؤلف: امتنع تمامًا عن استخدام لغة مغايرة لتلك المستخدمة من قبل المؤلف عند البدء في التعليق على كتابه، والتزم بالمعنى الحرفي للكلمات والمصطلحات الخاصة بمؤلفي الكتب؛ فكثيرًا ما ننزلق نحو استخدام مصطلحاتنا، والتي من الجائز ألا تحمل المعنى والمفاهيم الدقيقة التي ذكرها المؤلف. كنت (وما زلت) أواجه هذه المشكلة – مثل الأخرين- مع أعمال «أنطونيو نيجرى»، ثم اكتشفت أنها كانت مشكلة ماثلة في كل ما سلف من قراءاتي. ومنذ أن قومت نفسي بالتوقف عن ذلك، أصبحت أتنفع كثيرًا من أناس، ليسوا بالضرورة ممن أحبهم أو أتفق مع آراءهم. وتكمن المشكلة الكبرى المتعلقة بالالتزام بمفردات المؤلف في السماح بأن تعوق قناعات القارئ فهم النص (وينطبق ذلك على اليساريين، كما ينطبق أيضًا على الليبراليين والرجعيين والمحافظين).

تجنب القراءة المفرطة في التسييس: فليس كل ما يستحق القراءة يصلح لأن يكون منشورًا جيدًا أو يؤكد صحة موقفك السياسي أو يلهمك شعارات جيدة. وليس من المفترض أن يكون ذلك هو الهدف من قراءتها، وإذا كنت تقرأ من أجل ذلك الغرض، فأهنئك، فإنك على الطريق لأن تصبح ناشطًا أو أيديولوجيًا مؤلفًا للشعارات. وبالنسبة لي، فإن الغرض هو الوصول للوحدة بين النظرية والتطبيق والفكر والممارسة، وذلك عمل صعب وشاق، لكنه جزء لا يتجزأ من النقد الشامل لرأس المال، ومن الضروري التعبير عنه نظريًا وحركيًا.

ادرس التاريخ: ستساعدك معرفة التاريخ، وتاريخ الأفكار، على تجنب الوقوع في الميل نحو المبالغة في تعميم الأفكار والمفاهيم وجعلها كونية؛ فإن كل مفكر ذي شأن يدين بقدر متفاوت لغيره من المفكرين.

افسح لخبرات المجال: إذا لم تستطع أن تجد فيما تقرأ شيئًا يمت بصلة إلى خبراتك وحياتك الشخصية، فثمة مشكلة، إما لديك أو لدى المؤلف. ولا يعني ذلك أن تقص تفاصيل حياتك لشريك، أو شركاء القراءة، بل حاول وانفتح على فكرة أن في القراءة ما يخبرك بشيء عن نفسك، بما في ذلك كيفية الارتباط بالشخص أو الأشخاص الذين تقرأ معهم، وآليات عمل المجموعة، وغير ذلك. فليس الغرض من تلك القراءة أن تكون ممارسة أكاديمية عقيمة، وإنما هي أقرب لفكرة «أفلاطون» القائلة بأن «حياة تخلو من التجربة، لا تستحق أن تعاش»، وأن وحدة النظرية والممارسة هي وحدة لا يمكن الزعم بأننا نمتلكها.

لا مرشدين ولا معلمين: ولهذا أهمية بالغة في ظل القراءة الاجتماعية بصحبة شخص أو عدة أشخاص. فلا يهم مقدار ما ينجزه أحدهم من قراءة؛ إذا أخذ كل شخص ما يقرأه حاليًا على محمل الجد والتزم بالنص؛ إذ إن القراءة المتأنية، والالتزام بالنص، من شأنهما الحد من قدرة أي شخص على إقحام الأفكار الخارجية التي يمكن استغلالها لاستعراض تفوقه في القراءة. وبمجرد أن تعي الفرق، يصبح من السهل أن تميز متى يسهم أحدهم بتعليقات ثرية ومتى يعمد إلى تولي القيادة، وتعزز تصرفات كهذه الفروق الذكورية والطبقية والعنصرية. كما أن هذه النزعة الإرشادية تجعل الآخرين منتظرين لتعليقاتك. فإذا ما شرعت في أداء دور المرشد، فاصمت واقبل مطالب العودة إلى النص، وأبقِ تعليقاتك مختصرة ومتصلة بالموضوع، وما إلى ذلك.

لا تابعين ولا خاضعين: عبر عن نفسك واخلق مساحتك. فإن لم تستطع أو لم تشعر بالراحة ، كافح من أجل تغيير هذا الوضع أو اترك المجموعة. لا تعاقب نفسك بالبقاء في مجموعة قراءة غير مثمرة؛ ذلك أن الهدف هو الجمع بين أشخاص متساوين نسبيًا، ومرتبطين بنص معين. فإذا قرأت قراءة متأنية، حينئذ سيكون لديك ما تقوله، بمثل ما لدى أي شخص آخر. ومجموعة تتألف من غير المتساويين في الالتزام والرغبة في بذل الجهد، ليست إلا مضيعة للوقت.

ضع أهدافًا واقعية: كما هو الحال دائمًا فمن الأفضل التريث في قراءة جزء، على المضي قدمًا، حينما ينتاب المشاركين شعور بعدم الوضوح، أو أن لديهم الكثير مما يمكن قوله. لا تكترث لطول مدة القراءة، إلا لو قام أحدهم بادعاء المعرفة، أو تطرق إلى نقاط ليس لها علاقة بالموضوع. وطالما كان النقاش حول النص مثمرًا فتحلَّ بالشجاعة والصبر وتمهل، ولا تكلف المجموعة بقراءة صفحات كثيرة بين الجلسات، كن على دراية بما يمكن لكل منكم قراءته واقعيًا. فلو كلفتهم بقراءة صفحات كثيرة سيشعر الأعضاء بأنهم مجبرون على الإسراع خلال القراءة والنقاش. فتوقع قراءة صفحات قليلة سيقلل من الشعور بعدم إحراز تقدم.

إذا شعرت بالملل أو أنك لا تحرز تقدمًا في القراءة فاقرأ كتبًا أخرى. فكل من الروايات والشعر والتاريخ والقصص القصيرة والتراجم والسير الذاتية وغيرها هي مكونات ضرورية لحياة القراءة، ولا يتطلب معظمها العناية التي تحتاجها الأعمال النظرية البحتة.

ترجمة هذا المقال نتاج الاجتماع الأسبوعي لطلبة «سيلاس: مبادرة الفنون والعلوم» من هواة الترجمة في ورشة ترجمة تعليمية. تعكس عملية ترجمة المقال ما اختبرناه في فصول المبادرة على مدى أشهر طويلة، وهي حقيقة أن «التعلم والفهم هما طريقتان للتعبير عن فعل الترجمة»، بحسب قول الفيلسوف الفرنسي «جاك رانسيير». فلا يمكن لأحد أن يترجم شيئًا لا يفهمه، ولا يمكن لأحد ألا يتعلم شيئًا مما يترجمه.

المشاركون: «إيمان معارك، نزيه عوض، أيمن الحسيني، محمد يحيي، حسين الحاج، هويدا أحمد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات