قال زفي بارئيل في مقال له في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إن تحالفًا جديدًا في الشرق الأوسط بدأت تظهر ملامحه بين روسيا وأمريكا وإسرائيل، ملمحًا إلى أن هذا التحالف هو من سيكتب نهاية الحرب في سوريا.

وأوضح بارئيل أن الرئيس ترامب تقمص دور ناشط في مجال حقوق الإنسان وندد في تغريدة له على تويتر بما أسماها «المجزرة» التي ترتكبها القوات السورية – بمساعدة روسيا وإيران – في محافظة إدلب السورية، وراح ضحيتها المئات، ودُمرت فيها عشرات المستشفيات والبنايات السكنية، وتسببت في نزوح الآلاف.

يزعم النظام السوري أنه يحارب الإرهاب في إدلب، متمثلاً في جبهة النصرة. لكن المحافظة التي يسكنها قرابة 3 مليون نسمة – وهي المعقل الأخير للمعارضة المسلحة – باتت ساحة حرب بالوكالة بين موسكو وأنقرة ودمشق. ويسعى الأسد إلى السيطرة عليها عبر دحر حوالي 50 ألفًا من المتمردين.

لم تبدأ معركة النظام ضد إدلب بعد – يشير بارئيل. ولكن في الأيام القليلة الماضية، استولت قوات الجيش السوري على بعض القرى بينما قصفت الطائرات الروسية بشكل مكثف، بهدف الضغط على المتمردين وتركيا لاختيار المفاوضات بدل القتل الجماعي. إذا استمرت المعارك، من المتوقع أن تستقبل تركيا موجة جديدة من اللاجئين لتنضم إلى 3.5 مليون لاجئ موجودين بالفعل هناك.

ورقة اللعب السورية في يد موسكو

اتفقت تركيا وروسيا في سبتمبر (أيلول) 2018 على طرد تركيا للمتمردين المسلحين وتطهير المنطقة من الأسلحة الثقيلة، وهو ما يعني تسليم المقاطعة فعليّا إلى الأسد، أو على الأقل تحويلها إلى منطقة أمنية تحت إشراف تركي وروسي. لكن تركيا فشلت في مهمتها، ورفضت الميليشيات المتمردة إلقاء أسلحتها.

بيد أن الحملة على إدلب تعطل خطط روسيا لصياغة دستور جديد لسوريا، وإجراء الانتخابات، وبدء إعادة إعمار البلاد.

لا تنوي روسيا ببساطة إعادة سوريا إلى سيطرة الأسد – يستدرك بارئيل – ولكن تعتزم استخدام البلاد ورقة لتعزيز قبضتها في الشرق الأوسط. ويشمل ذلك بناء الجسور مع السعودية والإمارات، وإقامة تحالف اقتصادي وعسكري مع مصر، والتخلص من العقوبات الأمريكية والأوروبية، وتعزيز مكانتها في العالم.

محافظة إدلب آخر معقل للمعارضة المسلحة

لكن لإيران تطلعات تصطدم مع المخططات الروسية. ترى إيران سوريا موقعًا استراتيجيّا يحافظ على نفوذها في لبنان، ومحطة إقليمية لموازنة طموحات السعودية، ومنفذًا لها على البحر المتوسط، ​​وأداة لتعزيز التحالفات التي أقامتها مع العراق وتركيا. ولكن من وجهة نظر إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا، يعتبر هذا تهديدًا استراتيجيًا.

ويؤكد بارئيل أن روسيا بدأت بالتصدي لنفوذ إيران في سوريا، وقد تجلى ذلك في الاشتباكات التي وقعت بين ميليشيات تابعة لكلا الحليفين. قد يقول البعض إن الأمر حادث عابر، لكن روسيا تقوم بتدريب وتسليح الميليشيات المحلية من خلال شركات روسية خاصة. ويرتدي المقاتلون الزي الرسمي الروسي ويستخدمون الأسلحة الروسية. كما أمرت روسيا الأسد بفصل ضباط وجنود موالين لإيران بينما تولى الضباط الروس قيادة بعض وحدات الجيش السوري.

إرهاصات تفتت التحالف

تلقت إيران صفعتين مؤلمتين من قبل روسيا. الأولى، عندما رفضت روسيا طلبها لشراء صواريخ إس-400 المضادة للطائرات، والثانية عندما سمحت روسيا لإسرائيل بمهاجمة أهداف إيرانية في سوريا.

أعلن المتحدث باسم الكرملين أن «التقارير المشوهة حول القضية» يجب أن تعامل بحذر، لكن محللين روس أخبروا الصحفيين أن روسيا ترى أن بيع أنظمة إس-400 إلى إيران «يشكل تهديدًا لاستقرار المنطقة».

أما بالنسبة لإيران – ينوه بارئيل – فهذا يعني أن روسيا لن تقف إلى جانبها إذا هوجمت من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن لروسيا مصلحة في إبقاء إيران في عزلة. يتقاسم المراقبون الغربيون هذا الافتراض، قائلين إن دعم روسيا لقرار إيران بتخفيض التزامها بالاتفاقية النووية ينبع من رغبتها في إبقاء التوترات بين إيران والولايات المتحدة، جزءًا من لعبتها الاستراتيجية بصفتها المورد الحصري للنفط إلى أوروبا.

بعد إعلان قرارها بتخفيض الالتزامات بالاتفاقية، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن هذه الخطوة «غير متوقعة». ولكن بعد بضعة أيام برر لافروف قرار إيران في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الإيرانية، حيث قال إن الولايات المتحدة هي السبب في اتخاذ إيران هذه الخطوة.

ليسوا على قلب رجل واحد كما يظن البعض

لم تتجاوب إيران مع إعلان ترامب عن رغبته في التفاوض معها دون شروط مسبقة – يضيف بارئيل – بينما ظلت روسيا صامتة. إن إزالة العقوبات عن إيران أو تخفيفها ليس في صالح موسكو، لأنه عندما دخل الاتفاق النووي حيز التنفيذ، راقبت بقلق كيف شرعت الدول الأوروبية في تنويع مصادرها النفطية بعيدًا عن روسيا.

كانت هناك خطط في ذلك الوقت لبناء خط أنابيب للنفط من إيران إلى أوروبا عبر تركيا، وجزء منه تم بناؤه بالفعل. في الوقت نفسه، تم استكمال خط أنابيب الغاز بين روسيا وتركيا ، وهذا يعني أن روسيا كانت رائدة في السباق. أما إذا تم رفع العقوبات وأصبحت إيران لاعبًا في سوق النفط مرة أخرى، فقد تفقد روسيا جزءًا كبيرًا من السوق الأوروبية.

ملامح تحالف جديد

اتفقت إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة على عقد قمة لمستشاري الأمن القومي في إسرائيل هذا الشهر لبحث الملف الإيراني. ووفقًا لمصادر غير مؤكدة، تتوقع روسيا من الولايات المتحدة الاعتراف بنظام الأسد ورفع العقوبات. في المقابل، ستعمل روسيا على طرد إيران من سوريا.

يرى بارئيل أن هذا اجتماع غير عادي، حيث ستبحث الدول الثلاث التطورات الإقليمية باعتبارهم شركاء متساوين. إن مثل هذه القمة، حتى لو لم تسفر عن نتائج ملموسة فورية، تبعث برسالة إلى إيران والمنطقة أن المحور الروسي الأمريكي الإسرائيلي هو الذي سيصوغ خريطة الطريق الجديدة للشرق الأوسط.

لكن ربما يكون هناك إفراط في التفاؤل بنتائج هذا اللقاء. فقد أوضح لافروف مؤخرًا أن قيام روسيا بإخراج القوات الإيرانية من سوريا «غير واقعي». وفشلت روسيا أيضًا في الوفاء بوعدها بإبقاء القوات الإيرانية على بعد أكثر من 80 كيلومترًا من حدود إسرائيل في مرتفعات الجولان، وهناك شكوك حول ما إذا كان بإمكانها جعل إيران تنسحب في هذه المرحلة.

كان الصحفي باراك رافيد قد صرح على القناة 13 الإسرائيلية أن روسيا عرضت على إسرائيل إقناع إيران بالانسحاب من سوريا في مقابل رفع الولايات المتحدة عن العقوبات. ولكن رفضت إسرائيل الاقتراح.

إذا ألغت الولايات المتحدة العقوبات – يواصل بارئيل كلامه – فستفعل ذلك في مقابل المفاوضات مع إيران على اتفاقية نووية جديدة، وليس مجرد انسحاب إيران من سوريا.

مصير الأسد بيد إسرائيل وروسيا وأمريكا

ثمة بديل آخر هو الضغط على الأسد لإخراج القوات الإيرانية من سوريا، وحينها ستجد إيران صعوبة في البقاء. في المقابل، ستعترف أمريكا بنظام الأسد، وستتوقف إسرائيل عن مهاجمة سوريا. وقد يتلقى التزامًا سعوديًا بالمشاركة في تمويل إعادة إعادة سوريا إلى جانب الدعم الاستراتيجي الروسي. وهذا أكثر بكثير مما يمكن أن تقدمه له إيران.

لكن الأسد إذا وافق على طرد القوات الإيرانية – يقول بارئيل – فسيتعين عليه أن يشرح لإيران سبب بقاء القوات الروسية. وسيضطر أيضًا إلى الاعتماد على الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا، التي صرحت مرارًا وتكرارًا أن اهتمامها بسوريا ليس مقصورًا على شخص واحد. بمعنى آخر، يمكن للأسد أن يذهب.

من ناحية أخرى، فإن إيران هي أكبر داعم للأسد، فقد منحته بين 6 و8 مليارات دولار مساعدة. وهي حليفته منذ زمن طويل. من المبكر الحديث عن ذلك؛ فلم تنته الحرب في سوريا بعد ولم تقدم أمريكا أي عروض مغرية حتى الآن. لكن اللحظة تقترب، وسيتعين على الأسد أن يقرر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد