نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا للمراسلة جانين دي جيوفاني التي عملت مراسلة ومحققة في مجال حقوق الإنسان لـ25 عامًا في مناطق النزاع في البلقان وأفريقيا والشرق الأوسط، تناول وجهة نظرها في الطريقة المثلى لإنهاء الحرب في سوريا.

تذكر جيوفاني في مقالها أن في أوائل الشهر الجاري عُين جير بيدرسون، سفير النرويج في الصين والممثل الدائم السابق لدى الأمم المتحدة، مبعوثًا خاصًا للصراع في سوريا. حل بيدرسون محل المفاوض الإيطالي السويدي المخضرم ستافان دي ميستورا، الذي حاول إنهاء الحرب الأهلية الدموية في سوريا طوال أربع سنوات، لكنه فشل في ذلك.

Embed from Getty Images

المبعوث الأممي الجديد جير بيدرسون

قمعت سوريا بوحشية لما يقرب من ثمان سنوات. ثمان سنوات هو عمر طفل في الصف الثالث، وهي فترة أطول من الحرب العالمية الثانية بعامين. وخلال هاتين السنتين الأخيرتين، بدلًا عن انحسار الحرب بفعل إنهاك جميع المشاركين فيها، فإنَّ الأزمة السورية قد تصاعدت.

تدمير سوريا

 


 لو استمرت الحرب في سوريا فلن يبقى الكثير من الناس في البلاد ليُقتلوا

تضيف جيوفاني أنَّ أثر الحرب على المجتمع السوري كان مدمرًا. فالجيل الصاعد لم يعرف شيئًا غير الحرب. نزح 6 ملايين شخص داخل البلاد، وغادر 5 ملايين آخرون ليصبحوا لاجئين. قرابة 14 مليون شخص بحاجة للمساعدة الإنسانية – من أصل 22 مليونًا هم سكان سوريا قبل الحرب. سوريا بلد محترق تعرض للتجويع والاعتداءات الكيميائية والقصف حتى الإخضاع في جميع المناطق التي كانت بحوزة المعارضة سابقًا، باستثناء إدلب، آخر أجزاء الأحجية، التي يريد بشار الأسد التغلب عليها. أما انتهاكات حقوق الإنسان – التي تشمل الاعتقال الجماعي، والتعذيب والاغتصاب، فضلًا عن الهجمات بالأسلحة الكيميائية ضد المدنيين واستخدام التجويع أداة من أدوات الحرب – فهي من بين أسوأ ما رأيت في حياتي التي شملت ثلاثة عقود من تحليل النزاعات والكتابة عنها.

«فورين أفيرز»: ليس موقعها فقط.. هذه أسباب إسرائيل لاحتلال هضبة الجولان بأكملها

 

وقالت جيوفاني إنه ما لم تنته الحرب في سوريا قريبًا، فسوف تصبح شيئًا قريبًا من النزاع الذي بدأ عام 1975في لبنان، واستمر 17 عامًا، فدمرت البلد، وتسبب في قتل 150 ألف شخص ونزوح عشرات الآلاف. ولو استمرت الحرب في سوريا بهذا القدر، فلن يبقى الكثير من الناس في البلاد ليقتلوا.

تكمل جيوفاني أن لا أحد يعرف على وجه التحقيق عدد من ماتوا في سوريا حتى الآن. فالأمم المتحدة توقفت عن إحصاء الموتى عام 2016، لكنَّ التقديرات تقترب من نصف مليون، ما لم يكن أكثر من ذلك. وقد استقبلت لبنان – وهي مجرد بلد واحد من بلدان مجاورة كثيرة تأثرت بهذه الحرب – 1.5مليون سوري، اقتربوا من إنهاك مؤسساتها الهشة بالفعل. ولأنَّ الكثير من أولئك اللاجئين من المسلمين السنة، فإنَّ تدفقهم قد أزعج التوازن الديني الدقيق في لبنان؛ ما أدى إلى رد فعل عنيف ضد اللاجئين. وأضافت جيوفاني أنَّ شتاء جديدًا على وشك القدوم، سوف يكون وقتًا عصيبًا على اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات، والمدنيين المحاصرين في أماكن مثل إدلب والغوطة وحلب، التي سحقتها القنابل الروسية والسورية.

مهمة جسيمة

 

معاهدة إنهاء حرب ما هي، في حقيقة الأمر، تجهيز لحرب أخرى ما لم يجر معالجة أسباب هذه الحرب وما لم تخلق نظامًا سياسيًا جديدًا لمنع تكرارها.

تذكر جيوفاني أنَّ مهمة بيدرسون مهمة جسيمة، حتى بالنسبة لواحد من أكثر الدبلوماسيين احترامًا في الأمم المتحدة، ورجل ذي تاريخ طويل مثله.

لكنَّ ما قد يصب في مصلحة بيدرسون هو التوقيت، فجميع الفاعلين – المعارضة والنظام، وحتى الروس وحزب الله والولايات المتحدة وتركيا – منهكون، وهو ما قد يشير إلى أنه قد حان وقت التفاوض، وهو أمر لم يكن موجودًا عندما كان دي ميستورا في منصبه. حتى الآن فإنَّ دي ميستورا كان أطول مبعوث في ذلك النزاع، ذلك أنَّ كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، الخبيران في إنهاء الحروب، بقيا في منصبيهما خمسة شهور للأول وأقل من سنتين للثاني، وقد ثبط من عزيمتهما الطبيعة العنيدة للمشاركين في هذه الحرب وحقيقة أنه لا يبدو أنَّ أحدًا يريد إنهاءها فعلًا.

Embed from Getty Images

دي ميستورا وسيرجي لافروف

عمل ديمستورا، الذي سبق له العمل في السودان والعراق وأفغانستان، بلا كلل في سوريا، لكنه استمر في مواجهة جدار: الأسد وراعيه، فلاديمير بوتين. قال لي دي ميستورا عام 2015: «لم أشهد قط في حياتي حربًا أكثر عبثية» مشيرًا إلى أنَّ كلا الطرفين كانا مستعدين للتضحية بشعبيهما، بدلًا عن تقديم تنازلات للسلام. حاول دي ميستورا، المعروف بدبلوماسيته الإبداعية، وقف إطلاق النار، الذي فشل. وحاول عقد جولات من المفاوضات كانت شديدة التوتر إلى درجة أنَّ الأطراف المشاركة لم تظهر أو رفضت التحدث مع بعضها بعضًا، وقبل رحيله رفض الأسد محاولات لصياغة دستور سوري جديد، وهو ما لم يكن مفاجئَا لأحد. لم يكن أي طرف مستعدًا للاستسلام.

وتضيف جيوفاني إنَّ الحروب تنتهي بالقوة أو الإنهاك أو التفاوض. أحيانًا يحتاج الأمر سنوات لكي تكون الأرضية خصبة للتفاوض. فصلح وستفاليا، الذي أنهى الحروب الدينية الأوروبية عام 1648، وأسس أول دول قومية مستقلة، تضمن 109 كيانات سياسية واستغرق عامين لتوقيعه. وقالت جيوفاني إنه بصرف النظر عن السبب الذي سوف ينهي الصراع السوري، فينبغي أن يكون اتفاقًا من شأنه البقاء، لئلا تعود الأطراف المتحاربة إلى ساحة المعركة. ذلك أنَّ «معاهدة إنهاء حرب ما هي، في حقيقة الأمر، تجهيز لحرب أخرى ما لم يجر معالجة أسباب هذه الحرب وما لم تخلق نظامًا سياسيًا جديدًا لمنع تكرارها» بحسب مؤلف كتاب «السلام ضد العدالة»، الكتاب الأهم للمفاوضين.

 

لا مكان للأسد في سوريا الجديدة

من المحال تخيل بلد ما بعد النزاع يحاول التعافي مع استمرار الرجل الذي تسبب في مثل هذا العذاب في البقاء في السلطة.

قالت جيوفاني: «إنَّ بيدرسون قد ورث معارضة محطمة وديكتاتورًا مجرمًا عنيدًا صعب المراس في دمشق يرفض المغادرة. وأكدت جيوفاني على ضرورة أن يكون في القلب من أي مفاوضات مبدأ ذهاب الأسد، الرجل الملطخة يداه بالكثير من الدماء، لكنه يحظى بدعم بوتين وحزب الله. من المحال تخيل بلد ما بعد النزاع يحاول التعافي مع استمرار الرجل الذي تسبب في مثل هذا العذاب في البقاء في السلطة».

«ميدل إيست آي»: هل «حزب الله» هو الرابح الحقيقي في الحرب السورية؟ 

كيف يمكن للعدالة الانتقالية أن تعمل؟ ما يزال الروس، الذين يحملون أوراق الحل في نهاية المطاف، متمسكين بأن يكون الأسد جزءًا من العملية السياسية. لكن لو نجح بيدرسون في جعل عرفات ورابين يصافحان بعضهما بعضًا، فربما يستطيع إيجاد طريقة لإقناع وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافاروف، أنَّ الأسد قد انتهى.

إدلب ونهاية الحرب

 

لدى بيدرسون سجل حافل من العمل مع أصعب المفاوضين على وجه الأرض. لكنه بحاجة إلى الإصرار على أن تنتهي هذه الحرب نهاية صحيحة: ينبغي ألا يكون الأسد جزءًا من مستقبل سوريا.

وفي غضون ذلك يستمر العذاب؛ إذ أخبر رائد الصالح، رئيس منظمة الخوذ البيضاء التي تعرضت للكثير من التشويه، صحيفة «الديلي تلجراف» البريطانية الأسبوع الماضي أنَّ إدلب، آخر معاقل المعارضة، في مرمى الأسد مرة أخرى. تقع إدلب جزئيًا تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، الجماعة الجهادية التي تعدها روسيا والحكومة السورية هدفًا شرعيًا. وقد جرى التوصل إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار هناك في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنَّ صالح حذر من أنَّ قذائف الهاون التي يطلقها النظام قد قتلت 20 شخصًا خلال الأيام القليلة الماضية. وقالت جيوفاني: «إنَّ إنهاء إدلب بمساعدة الروس كان دائمًا جزءًا من خطة الأسد الكبرى – إذا كانت لديه استراتيجية على الإطلاق – وسوف يكمل مهمته بالتطهير العرقي لبلاده من خلال حشد المعارضة السنية في منطقة صغيرة، لكنَّ ذلك سوف يعرض سكان إدلب الثلاثة ملايين للخطر».

Embed from Getty Images

الخوذ البيضاء في سوريا

 

وشددت جيوفاني على ضرورة أن تنتهي الحرب في سوريا، وضرورة إنشاء مسار للعدالة، على نمط المحاكم المحلية الرواندية أو لجنة الحقيقة والمصالحة الجنوب أفريقية، وذلك لضمان تقديم منتهكي حقوق الإنسان إلى العدالة. هذه العملية وحدها، بحسب جيوفاني، هي ما يمكن أن تجلب الشفاء الحقيقي لمثل هذه البقعة الجريحة. وهذا لن يحدث مع وجود الأسد في السلطة.

قبل 23 عامًا، في مثل هذا الأسبوع، جلب الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هولبروك زعماء الفصائل المتحاربة في البوسنة إلى قاعدة رايت باترسون الجوية في دايتون، أوهايو. جلب هولبروك القادة معًا، فتملق الرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش خلال جلسات الشرب في وقت متأخر من الليل، وأرهب القائد البوسني الضعيف، علي عزت بيجوفيتش، ليوقع على التخلي عن أجزاء من بلاده كان معارضًا بشدة لخسارتها، وكانت مطالبة المسلمين بها، في الحقيقة، مطالبة شرعية. لم تنجح اتفاقيات دايتون نجاحًا كاملًا – إذ كان العديد من البوسنيين غاضبين من الطريقة التي انتهت بها الحرب، ويشهد الصعود الحالي للقومية في جمهورية صرب البوسنة في البوسنة، تحت حكم ميلوراد دوديك، على أوجه القصور الخطيرة في هذه الاتفاقية – لكنَّ هذه التسوية التفاوضية وضعت حدًا للقتل الذي حول البوسنة إلى حمام دم، وصل ذروته في مذبحة سربرنيتسا عام 1995.

واختمت جيوفاني مقالها بالقول إنَّ الحرب في سوريا يجب أن تنتهي. وقالت: «إنَّ لدى بيدرسون سجل حافل من العمل مع أصعب المفاوضين على وجه الأرض. لكنه بحاجة إلى الإصرار على أن تنتهي هذه الحرب نهاية صحيحة: ينبغي ألا يكون الأسد جزءًا من مستقبل سوريا، وينبغي لأي تسوية أن توفر آلية للعدالة الانتقالية، يمكن بموجبها البحث عن مرتكبي الجرائم المروعة ضد الإنسانية ومحاكمتهم. خلاف ذلك فإنَّ الكراهية والمعاناة سوف تعود بلا شك خلال عقدين من الزمان، وسوف يظهر أسد جديد».

 

«فورين بوليسي»: ماذا تعرف عن تاريخ التدخل الأمريكي في سوريا منذ الأربعينات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد