في تقرير نشره موقع المنتدى الاقتصادي العالمي، تحدّث «باسكار شاكرافورتي»، الخبير في العلوم المالية والتجارية الدولية بجامعة تافتس في الولايات المتحدة، عن اتجاه الدول للاستغناء عن النقود الورقية والاتجاه إلى الأموال الرقمية، وناقش إمكانية تحقيق ذلك، وما يجب على الدول فعله لتنجح في التحول إلى الأموال الرقمية.

مرّ قرابة الـ300 عام منذ أصبحت الأوراق النقدية عملات قانونية، لكن في الآونة الأخيرة أصبحنا في طريقنا إلى عالم بلا أوراق نقدية. بوجود تطبيقات مثل PayPal وVenmo وSquare Cash، ومنصات للدفع بواسطة الهاتف مثل mPesa في كينيا، وbKash في بنجلاديش، ومنصة Apple Pay الشهيرة، يبدو أن الأوراق النقدية في طريقها لأن تُستبدل ببدائل رقمية، مثلما حدث مع الصور الفوتوغرافية، وأشرطة  الكاسيت، وأقراص الفيديو الرقمية.

هل الأموال الرقمية أفضل؟

يقول الكاتب إن التقلبات الاقتصادية حول العالم أثارت المخاوف من قيام المستهلكين بسحب أموالهم من البنوك وادّخارها، ويعتبر إلغاء الأوراق النقدية أحد الوسائل للحد من هذا الخطر.

ويشير إلى دراسة أجرتها شركة «MasterCard» أوضحت أن النقود الورقية تُستخدَم فيما يقرب من 85% من المعاملات المالية للمستهلكين حول العالم. ومع كون النقود الورقية لا يمكن تعقبّها، لذلك فإنها تعطي الكثيرين شعورًا بالأمان، وبالاستقلال عن رقابة الحكومة. كما أن ازدياد معدلات الجريمة الإلكترونية، إلى جانب المخاوف من قدرة الهيئات الحكومية على الاطلاع على السجلات الرقمية، يعتبران سببين رئيسيين في رفض الكثير من الناس إلغاء النقود الورقية، بحسب ما ذكره التقرير.

وأوضح الكاتب أن الانتقال لمجتمع بلا نقود ورقية لا يمكن أن يتم بشكل موحد وعالمي؛ فبينما تدعم السويد فكرة إلغاء النقود الورقية، جنبًا إلى جنب مع مجموعة أخرى من الدول تشمل الصومال وكندا وكينيا وكوريا الجنوبية، يطالب مواطنو بعض الدول الأوروبية، نتيجة للوائح الاتحاد الأوروبي التي تقيّد استخدام النقد، بـ«حقّهم الدستوري في الدفع نقدًا»، وذلك بسبب مخاوفهم من معدلات الفائدة السلبية، وفقدان الخصوصية في حالة استخدام الأموال الرقمية.

ويشير الكاتب أنه في بعض الدول، كان التحوّل إلى استخدام الأموال الرقمية سريعًا بدرجة غير مسبوقة. على سبيل المثال، كان الدفع النقدي عند الاستلام يمثِّل أكثر من ثُلثيّ الأموال المدفوعة في التجارة الإلكترونية في الصين في عام 2009. الآن –بفضل وجود شركات مثل بايدو وعلي بابا وتينسنت- فإن أكثر من 70% من معاملات التجارة الإلكترونية في الصين تتم من خلال الدفع عبر الهاتف.

هنا ينبغي التفكير في بعض الأسئلة: أي الدول ستحقق الاستفادة الأكبر من الانتقال إلى الأموال الرقمية؟ وأي الدول أكثر استعدادًا  لذلك؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، قام كاتب المقال –بالاشتراك مع الباحثيْن رافي شانكار شاتورفيدي وبنيامين مازوتا- بتحليل التكلفة النقدية باستخدام قاعدة بيانات تشمل 154 دولة، وتضمّن ذلك التحليل:

– تقييم التكاليف التي تتحملها البنوك لصيانة أجهزة الصراف الآلي (في جميع الدول الـ154).

– إنشاء طريقة لتقييم التكلفة النقدية بالنسبة للمستهلكين (في 72 دولة، والتي تتوفر بياناتها) وإضافة التكاليف الفعلية للحصول على النقد، بما في ذلك تكاليف النقل للحصول على النقد، ورسوم أجهزة الصرّاف الآلي.

– حساب «الفجوة الضريبية» باعتبارها مؤشرًا على الإيرادات التي تفقدها الحكومة بسبب اعتمادها على اقتصاد نقدي، والفجوة الضريبية هي تقدير لنسبة الأموال المستحقة للهيئة المالية الحكومية، ولكنها لا تحصل عليها بسبب المعاملات النقدية غير المُبلغ عنها، أو المبلغ عنها بقيمة أقل من قيمتها الحقيقية.

ملاحظة مهمة عن الخريطة أدناه: لا تعني الخريطة أن الدول ذات التكاليف النقدية المنخفضة هي الأقرب لأن تكون مجتمعات بلا نقود، أو أن انتقالها سيكون بشكل أسهل. الخريطة توضح فقط أن التكاليف النقدية في هذه البلاد أقل من باقي الدول.

خريطة توضح التكلفة النقدية (صعوبة الحصول على النقود) لدول العالم

يتبين من الخريطة، بحسب الكاتب، أن التكلفة النقدية تختلف بشكل كبير بين الدول، كما أن ترتيب الدول بناءً على التكلفة يتغير بصورة ملحوظة باختلاف الجانب –سواء كان البنوك، أو المستهلكين، أو الحكومة- الذي تعتبره في الترتيب. وذكر الكاتب أيضًا أن التكاليف لا ترتبط بمستويات التنمية الاقتصادية أو السياسية. وقد أوضح الكاتب أيضًا الحقائق التالية:

– تخزين الأموال في أجهزة الصراف الآلي، وإبقاء الأجهزة تعمل بشكل صحيح، يمثلان تكلفة للبنوك. تكلفة صيانة أجهزة الصراف الآلي تعتبر مرتفعة بالنسبة للكثير من الدول النامية، مثل دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، ودول أمريكا اللاتينية، التي تواجه تحديات عديدة فيما يتعلق بالأمن والبنية التحتية، وكذلك الحال في الدول كبيرة المساحة ذات الكثافة السكانية المنخفضة مثل كندا، وروسيا، وأستراليا، والتي تواجه تحديات لوجيستية كبيرة.

– التكلفة النقدية المُطْلقة للمستهلكين، بناءً على الوقت اللازم لنقل النقود، وعلى تكاليف الوصول إلى النقود، مرتفعة في الدول ذات التعداد السكاني الضخم، مثل إندونيسيا ونيجيريا وبنجلاديش والهند والصين والولايات المتحدة، ومرتفعة كذلك في دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا واليابان. تقل هذه التكاليف في الدول الإسكندنافية التي تعتمد على أنظمة الدفع عن طريق الهاتف بشكل أكبر، مثل السويد وفنلندا والدنمارك، وكذلك في الدول التي تشهد تطورًا سريعًا في أنظمة الدفع عن طريق الهاتف، مثل كوريا الجنوبية وكينيا.

– تشهد الدول النامية عادةً فجوة ضريبية أكبر، ودرجة أكبر أيضًا من عدم اليقين بشأن مصداقية تقديرات الفجوة الضريبية. في هذه الدول، يقدّر المال في السوق السوداء  بحوالي 30%-44% من إجمالي الناتج المحلي. على سبيل المثال، تُقدّر الفجوة الضريبية في الهند بثُلثيّ الضرائب المستحقة.

أيّ الدول الأكثر استعدادًا للاستغناء عن النقود؟

يقترح الكاتب وزميلاه الباحثان عاملين مهمين في إرشاد الدول التي تسعى للاستغناء عن النقود، وتخصيص الموارد على النحو الأمثل. الاقتراح الأول هو أولوية الاستغناء عن النقود للدول التي تشهد ارتفاعًا في التكلفة النقدية بالنسبة للمستهلك، لأن المستهلكين سيفضّلون استخدام البدائل الرقمية. والاقتراح الثاني هو التركيز على البلدان الأكثر استعدادًا تقنيًّا للتغيير إلى بديل رقمي. لقياس الاستعداد الرقمي، استخدم الباحثون مؤشر التطور الرقمي الخاص بهم. الجمع بين هذين العاملين، ينشئ خريطة بأكثر الدول جاهزية للاستغناء عن النقود، كما يلي:

يرى الكاتب أن دولًا مثل الولايات المتحدة، وهولندا، واليابان، وألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وإسبانيا، وجمهورية التشيك، والصين، والبرازيل، لديها إمكانية أفضل للاستغناء عن الأموال النقدية. على سبيل المثال، تتحمل الولايات المتحدة تكلفة تصل إلى 200 مليار دولار سنويًّا للحفاظ على النقد المتداول، بالإضافة إلى أن حوالي ثُلث مبيعات المتاجر في الولايات المتحدة تعتمد على النقد.

يشير الكاتب إلى مجموعة من الدول ذات تكلفة نقدية أعلى من المتوسط، لكنها تحتاج إلى تحسين مستوى استعدادها تقنيًّا قبل أن تتمكن من الاعتماد على الأموال الرقمية بشكل كامل. تشمل هذه المجموعة بعض دول أوروبا الشرقية مثل روسيا وبولندا، ودول ذات تعداد سكاني كبير مثل الهند وإندونيسيا والمكسيك ونيجيريا ومصر والفلبين. بحسب الدراسات التي أجراها الباحثون، يقضي سكان مدينة نيودلهي البالغ عددهم 11 مليونًا قرابة الـ72 مليون ساعة سنويًّا مجتمعين للحصول على أموالهم، كما تصل نسبة الاحتيال النقدي الذي تعاني منه الشركات الصغيرة في المكسيك إلى 21%. بالرغم من ذلك، فإن البنية التحتية الرقمية غير المتطورة، بالإضافة إلى عدم التكافؤ في الاتصال بشبكة الإنترنت، يجعلان من التحول إلى الأموال الرقمية أمرًا صعبًا.

وذكر الكاتب في نهاية التقرير أن الدول المتطورة رقميًّا هي الأكثر جاهزية للتحول إلى البدائل الرقمية للنقود، وأن الدول الأقل تطورًا رقميًّا بحاجة إلى الاستثمار في التطوير الرقمي أولًا، إذ إنه –بحسب الكاتب- أمر حاسم للنجاح في الاستغناء عن النقود الورقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد