يقول أحد المصابين بمرض مزمن أن هذا الموضوع يعكس ما أريد أن أوصله إلى أحبائي (الأسرة والأصدقاء المقربون). فهؤلاء الأشخاص قد فعلوا الكثير من أجلي وأنا ممتن لهم للغاية. لكني ببساطة أريد منهم أن يعرفوا بعضًا من تلك الأشياء التي أشعر بها.

***

بعد أن قضيت اثنتا عشرة عامًا في التفاعل مع أصحاب الأمراض المزمنة على الإنترنت أستطيع أن أتحدث براحة بالنيابة عنهم هنا. فعندما يتعلق الأمر بألم مزمن ومرض دائم لأشخاص نحبهم يكون الأمر في غاية الصعوبة. ونحن هنا سوف نعرض ثلاثة أشياء نظن أن كل المصابين بأمراض مزمنة يريدون من أحبائهم أن يعرفوها عنهم.

1- الحزن الذي نشعر به إزاء الحياة التي فقدناها يظهر بين الحين والآخر وسيظل هكذا إلى أجل غير مسمى

تمتلئ الحياة بأحداث دالة على تنوع عظيم في “موازين ضغوط الحياة”، تلك الضغوط التي تتجاوز الخسائر الكبيرة في الحياة مثل فقدان علاقة مع شخص نحبه بسبب الانفصال أو الوفاة.

ولم أكن أتخيل أن هذه الضغوط صعبة ومتنوعة بهذه الدرجة حتى مرضت بمرض مزمن. فلم أكن أعرف من قبل أن الأشخاص في محيطي والذين يعانون من أمراض مزمنة ويناضلون منذ زمن بعيد مع أمراضهم حزينون لهذا المدى. ولكني الآن أعلم أن لديهم قدرًا كبيرًا من الحزن، فهم فقدوا القدرة على أن يكونوا منتجين كما كانوا من قبل، فقدوا القدرة على أن يشاركوا في الأنشطة المختلفة، على أن يكونوا مستقلين عن ذويهم.

وعن حزنهم فإنه يأتي في موجات، ويأتي في كثير من الأحيان بشكل غير متوقع. ففي لحظة واحدة يمكن أن نشعر بالرضا تجاه التغيرات التي طرأت على حياتنا. وفي اللحظة التي تليها مباشرة يمكن أن يتغلب الحزن علينا، ويكون السبب وراء تحولنا من الرضا للحزن في ثانية واحدة أشياء بسيطة للغاية. فعلى سبيل المثال كنت قد اعتقدت أنني انتهيت من حزني على فقداني لمهنتي التي اضطررت أن أتخلى عنها بسبب مرضي، لكن في أحد الأيام قابلت زميلة سابقة شرعت في وصف كل التغيرات التي طرأت عليها في كلية الحقوق حيث كنت أدرس حينها، تفاجئت حينها بموجة شديدة من الحزن بذلت معها قصارى جهدي كي أمنع نفسي من البكاء أمامها. حدث ذلك على الرغم من تجاوزي لمراحل الحزن على ما أصابني، ولكن فكرة أنني لن أعود إلى مهنتي القديمة فكرة موجعة للغاية.

فعملية الحزن التي مررت بها كنتيجة لمرضي المزمن كانت واحدة من أكثر العمليات كثافة في حياتي. والغريب – كما قد يبدو للبعض – أن حزني من مرضي كان أشد من الحزن الذي شعرت به عند وفاة والدتي. فوالدتي كان يفصلها عني المحيط الأطلسي، لم نكن نرى بعضنا كثيرًا وقد عاشت حياة طويلة وجيدة. لقد حزنت لفقدانها بالطبع، لكن حزني بسبب الاضطرابات التي حدثت لحياتي بسبب المرض المزمن لم يكن كحزني عليها.

2- يمكننا الشعور بأننا نخذلكم رغم ادعائكم الدائم بأننا لا نفعل

لدي صديقتان مقربتان أحاول دائمًا أن أراهم كل أسبوع، ودائمًا ما يقولون لي بأنني إن لم أكن أشعر بكوني بخير كفاية لكي أراهم فلنلغ الزيارة، وأني لا يجب أن أشعر بالسوء تجاه ذلك. لكن حتى الآن وعندما أضطر لإلغاء موعد معهم أتمنى لو بإمكاني تصديقهم عندما يقولون أنني لا أحتاج أن أشعر بالسوء تجاه إلغاء الموعد.

هذا الشعور بتأنيب الذات هو نوع من الاعتذار لهم كوننا مرضى ونشعر بالألم حتى وإن لم يكن هذا الاعتذار ضروريًا. فأنا دائمًا أجد نفسي أعتذر لزوجي ولأطفالي ولأصدقائي المقربين كوني غير قادرة على المشاركة في الأنشطة معهم.

أجد أن الاعتذار يجعلني فى حالة أفضل، فالاعتذار هو طريقتي لكي أقول لهم “أعرف أنني غير قادرة على القيام بالكثير من الأشياء والتي تجعلك تواجه الكثير من الصعوبات أعجز حتى عن تخيلها”.

3- كونك صاحب مرض مزمن يمكن أن يكون أمرًا محرجًا

لقد كتبت من قبل عن الحرج في موضوع آخر تحت عنوان “هل أنت محرج؟” وفيه قلت أن السبب الرئيسي المسبب للحرج هو وضع توقعات عالية بشكل غير واقعي لأنفسنا، ومن ثم نحكم على أنفسنا بطريقة سلبية عندما لا نستطيع أن نلبي تلك المعايير التي تخيلنا أنها معبرة عنا.

ولكن نحن كمصابين بأمراض مزمنة ليس لدينا توقعات عالية غير واقعية، أو أحكام ذاتية سلبية تجعلنا محرجين، فالحرج عندنا لديه أسباب أخرى. فنحن مثلًا مع عيشنا في ثقافة تخبرنا مرارًا وتكرارًا بأننا لا يجب أن نعيش فقط كمرضى يشعرون بالألم، ففي الولايات المتحدة فقط نجد أن هناك قرابة الـ 130 مليون شخص يعانون من أمراض مزمنة، والأشخاص المقربون مني يتقبلون مرضي، رغم كل هذا أجد نفسي محرجة أمامهم بسبب حقيقة أنني مريضة منذ سنوات.

في بعض الأحيان أجد الذنب يزحف إليّ بسبب شعوري بأنني خذلتهم. ليس هناك سبب منطقي يجعلني أشعر بالذنب هنا، فليس هناك أي من المقربين لي من قال أي شيء لي يوحي بأنهم يشعرون أنني خذلتهم.

هناك سبب آخر يجعل المصابين بأمراض مزمنة يشعرون بالإحراج. إنها تلك الرسائل الثقافية التي تخبرك دائمًا أنه يجب أن تكون سليمًا ومعافى، فذلك يشعرني أنني يجب أن أجعل وضعي الصحي في مخبأ عن الجميع. فنحن بالفعل نجعل الكثير من تفاصيل حياتنا سرية وخاصة بنا، فلماذا لا نجعل المرض المزمن والألم أيضًا ضمن هذه التفاصيل. إلا أن معظمنا لا يجد البراح اللازم لكي يجعل أمر مرضه شيئًا خاصًا به فقط، فكيف سيقدر إذا قرر أن يشرح لأقاربه عدم قدرته على المشاركة في الكثير من الأنشطة، كيف يشرح اضطراره إلى إلغاء خطط في اللحظة الأخيرة وحاجته للجلوس فجأة أو تركه للجميع في وقت مبكر. فبدلًا من حفظ هذا الجزء الحساس من حياتنا الخاصة نحن مضطرون للحديث حوله، والذي يكون أمرًا محرجًا بالنسبة لنا.

ثالثًا معظمنا يميل إلى الاستقلال معتمدًا على ما تبقى له من صحة جيدة. ونُحرج من كوننا نعتمد باستمرارعلى أحبائنا في فعل الكثير من الأشياء لنا، سواء في التنظيف أو التسوق أو دعمنا من الناحية المالية. أنا أعرف الكثير من الناس المصابين بأمراض مزمنة أجبروا على العودة إلى منازلهم التي تربوا فيها كونهم غير قادرين على رعاية أنفسهم أو لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش بشكل مستقل. فاضطرارك لأن تخبر الناس بأنك ستعود للعيش في منزل والديك لا يمكن أن يكون إلا مصدرًا للإحراج وفي بعض الأحيان يصل لأن يكون مصدرًا للعار.

نحن نقدر كثيرًا ما يفعله أحباؤنا لكي يتثقفوا حول الحالة الصحية لدينا، ورعايتهم لنا ودعمهم المستمر. هذه فقط كانت ثلاثة أشياء كنا نريد لهم أن يعرفوها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد