من بين كل الأشياء الساذجة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا شيء يقلق مسئولي الخارجية الأمريكية أكثر من إهماله لحلف الناتو. يعتقد هؤلاء المسئولون أن سياسة ترامب التجارية خاطئة تمامًا، ويرون أن كيم جونج أون، رئيس كوريا الشمالية، يتلاعب به، ويشعرون بالقلق إزاء علاقة ترامب بالرئيس الروسي بوتين وغيره من الزعماء الاستبداديين، ويخشون دخوله في حرب مع إيران، لكن تراجع دور الولايات المتحدة في الناتو تحديدًا أمر آخر، هو أشبه بانتقاد لعبة البيسبول في الولايات المتحدة.

في تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، ناقش الكاتب ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، دور الولايات المتحدة في حلف الناتو، مشيرًا إلى سوء الفهم العميق المتعلق بمستقبل الحلف وماضيه وحاضره، وأوضح ضرورة تراجع الولايات المتحدة عن دورها العسكري أوروبيًا، وذلك خلال النقاط الخمس التالية:

1. المادة الخامسة ليست شرارة حرب

في مقابلة على قناة فوكس نيوز مع المذيع تاكر كارلسون في يوليو (تموز) الماضي، عرض ترامب تفسيرًا جاهلًا غريبًا لبند الدفاع المشترك في معاهدة شمال الأطلسي. عندما طلب كارلسون من ترامب أن يشرح لماذا عليه أن يكون مستعدًا للدفاع عن مونتنيجرو (أحدث أعضاء الناتو)، أجاب ترامب بأنه وجه هذا السؤال لنفسه من قبل، ووصف شعبها بأنهم شعب عدواني للغاية، وحذّر قائلًا: «ربما يصبحون عدوانيين، فنجد أننا في حرب عالمية ثالثة. الآن أفهم ذلك، لكن هكذا تم إعداد الأمر».

أشار الكاتب إلى خطأ ما قاله ترامب، ففي الواقع تنص المادة الخامسة على «اتفاق الأعضاء على أن أي هجوم مسلح على عضو أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجومًا على جميع الدول الأعضاء، وبالتالي فإنهم يتفقون -في حالة وقوع مثل هذا الهجوم- على أن كل واحدة منها، ممارسةً لحق الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي، ستساعد العضو أو الأعضاء الذين تعرضوا للهجوم، وذلك من خلال اتخاذها، بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، الإجراء الذي تراه مناسبًا على الفور، بما في ذلك استخدام قوة السلاح؛ لإعادة الأمن لمنطقة شمال الأطلسي وحفظه».

أوضح الكاتب أنه على الرغم من أن المادة تنص على أن يُنظر إلى الهجوم على عضو في الناتو على أنه هجوم على جميع الأعضاء، فإن هذا لن ينطبق إذا ما بدأ أحد أعضاء الناتو الصراع. الأهم من ذلك هو أن المادة لا تُلزِم أي عضو باستخدام القوة العسكرية، على الرغم من أن استخدام القوة هو خيار، لكنه يدعو جميع الأطراف إلى «مساعدة» الأعضاء الذين تعرضوا للهجوم دون تحديد شكل هذه المساعدة بدقة.

يقول الكاتب إن استخدام القوة في بعض المواقف يكون مناسبًا، وإن هناك مواقف من الماضي امتنع فيها حلف الناتو عن استخدام القوة لمساعدة الدول الأعضاء، وتحديد ما إذا كان ذلك سيحدث في المستقبل يعتمد على الموقف والخيارات المتاحة ومصالح الأعضاء في ذلك الوقت؛ وهذا هو السبب في كتابة المادة الخامسة بتلك الصيغة. كما هو الحال في قضايا أخرى كثيرة، كان ترامب جاهلًا أو مشوشًا، أو مضلِّلًا بشكل متعمد.

2. لا توجد رسوم مالية لعضوية الناتو

اشتكى ترامب بشكل متكرر من تقاسم أعباء الناتو، وزعم أن الدول الأوروبية تدين للولايات المتحدة بمبلغ هائل من المال لحمايتهم. في الواقع، لا توجد رسوم مالية لعضوية الناتو، أي أن أي عضو ليس ملزمًا بدفع الأموال للأعضاء الآخرين من أجل حمايته، لكن كل دولة تحدد إنفاقها على الدفاع، ودور التحالف هو محاولة تنسيق هذه الاستعدادات الدفاعية من أجل إنتاج قوة أكبر وأكثر قدرة.

لا شك أن الأعضاء الأوروبيين في الناتو ينفقون نسبةً أقل من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع مقارنة بالولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، هم لا ينفقونها بكفاءة عالية؛ لذلك فإن قوتهم القتالية الفعلية أقل من القوة الأمريكية كثيرًا. لذلك، انتقد الرؤساء الأمريكيون، من دوايت أيزنهاور إلى باراك أوباما، الجهد الأوروبي.

لكن الكاتب يشير إلى أن القضية الحقيقية لا تكمن في مستوى إنفاق الدول الأوروبية، فهم على أية حال ينفقون أكثر بكثير من روسيا سنويًا، إضافة إلى ذلك، فإن الدول الأوروبية قادرة على مضاعفة إنفاقهم على الدفاع في أي لحظة، لكنهم لن يصبحوا أكثر أمانًا؛ لأنهم سيكونون بحاجة إلى تغيير طريقة تنظيمهم للدفاع، ولأنه ليس واضحًا ما يجب عليهم إنفاق أموالهم عليه. أي أنه من المحتمل أن تحسين الدول الأوروبية من قدراتها على مراقبة الحدود فيما يتعلق بالمهاجرين سيكون أكثر فائدةً من شراء المزيد من الدبابات أو الطائرات أو المدفعية، بحسب ما جاء في تقرير فورين بوليسي.

علاوة على ذلك، فإن مقارنة نسبة الإنفاق على الدفاع من الناتج المحلي الإجمالي وحدها ا لا تخبرك بمستوى الجهد المناسب. في جميع الحالات، من الغريب أن يحاول ترامب الضغط على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها، بينما يقوم هو بوضع المزيد من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في خزانة وزارة الدفاع. إذا كان ترامب يريد أن ينفق حلفاؤه المزيد من المال على الدفاع، فربما عليه أن يخفض من إنفاقه على إعانتهم.

3. توسيع الناتو كان خطأ

يقول الكاتب إن الاعتقاد عندما بدأ الناتو في التوسع بأنه سيخلق منطقة سلام واسعة في أوروبا ويعطي الحلف هدفًا جديدًا وساميًا في أعقاب الحرب الباردة، ما هو إلا أسطورة. لقد أدّى توسيع الناتو إلى تسميم العلاقات مع روسيا، وكان سببًا رئيسيًا في خلق الصراعات بين روسيا مع كل من جورجيا وأوكرانيا. بالطبع هذا ليس هو السبب الوحيد، ولا يعني ذلك أيضًا أن ردود موسكو كانت قانونية أو صحيحة أو مبررة أو مبنية على تصور دقيق عن نية الناتو، لكن الرد الروسي لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى تاريخ روسيا وإلى تعهدات إدارة جورج بوش الأب بعدم تحرك الناتو شبرًا جهة الشرق بعد إعادة توحيد ألمانيا. ربما اعتقد المخططون للتوسع أن تحرك الناتو شرقًا لا يشكل تهديدًا على روسيا، لكن القادة الروس استقبلوا ذلك بشكل مختلف.

خريطة أعضاء الناتو عام 2009

علاوة على ذلك ، زاد توسيع الناتو من الأماكن التي يُلزَم التحالف بالدفاع عنها، خصوصًا دول البلطيق، دون زيادة كافية في الموارد لأداء هذه المهمة. وقد جلب التوسع كذلك بعض الأعضاء الجدد الذين أُثبِت أن التزامهم بالديمقراطية الليبرالية ضعيف. على الرغم من أن هذا ليس عيبًا قاتلاً، لكنه يقوض مزاعم أنصار الناتو بأنه مجتمع أمني قائم على قيم ديمقراطية مشتركة وأنه عنصر أساسي في الليبرالية العالمية.

4. الناتو يمثل مفارقة تاريخية

قال اللورد إيزماي، الأمين العام الأول للناتو، على سبيل السخرية إن المهمة الأساسية للحلف هي «إبقاء السوفييت خارجًا، وجعل الأمريكيين في داخله، والألمان يتراجعون». ربما كان هذا صحيحًا في الأيام الأولى للناتو، فقد كان دور الولايات المتحدة أقل، وكان التهديد السوفيتي يلوح في الأفق، وكان تطور ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في بدايته وكانت نهايته غير معلومة، لكن هذه المقولة لا تنطبق اليوم.

الجنرال الأمريكي كورتيس سكاباروتي يتفقد جنودًا أمريكيين في بولندا

على الرغم من الحديث عن صعود روسيا من جديد وجهودها لإفساد العمليات الديمقراطية في الدول الأخرى، فإن روسيا تتراجع في الواقع ولا تشكل تهديدًا للسيطرة على أوروبا. جدير بالذكر أنه من المتوقع أن ينخفض عدد سكان روسيا مع مرور الوقت، إضافة إلى ارتفاع متوسط أعمار سكانها، كما يظل اقتصادها غارقًا في الفساد ويعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة التي من المرجح أن تنخفض قيمتها على المدى الطويل، بحسب ما جاء في تقرير فورين بوليسي. إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد الروسي أصغر من نظرائه الكندي والكوري الجنوبي والإيطالي. لذلك، لا تحتاج أوروبا إلى الولايات المتحدة لحمايتها، لا سيما وأن فرنسا والمملكة المتحدة تمتلكان أسلحة ردع نووية.

بالنسبة للألمان، فلا يوجد ما يدعو للقلق؛ فسكان ألمانيا يتقلصون ويتقدمون في السن كذلك، ومن غير المحتمل أن تعود ألمانيا لعصر فيلهلم أو عصر النازية، فحتى الأحزاب القومية اليمينية مثل حزب البديل تبدو انعزالية وليست هادفة إلى بناء إمبراطورية في المستقبل. في الواقع، فإن الخطر الأكبر من جانب ألمانيا هو تقاعسها عن إصلاح المشاكل الاقتصادية المستمرة في أوروبا، وهذا أكثر خطورة من القوة الألمانية، على حد وصف وزير الخارجية البولندي السابق رادوسلاف سيكورسكي في 2011.

يرى الكاتب إن المشكلة إذا ما غادرت الولايات المتحدة الحلف هي أن الأعضاء الأوروبيين سيعودون إلى التنافس الذي هدد القارة بأكملها في الماضي. لكن يبدو أن ترامب لا يهتم بذلك، إذ إن حماية أوروبا يصبح أكثر صعوبة عندما تواجه الولايات المتحدة عجزًا متزايدًا، وتحديًا جيوسياسيًا رئيسيًا من جانب الصين، إضافة إلى أنها ما زالت عالقة في أفغانستان والشرق الأوسط والحرب المفتوحة على الإرهاب.

5. أمريكا لا يمكنها إصلاح الناتو

لا شك أن سياسات ترامب تجاه الناتو كانت هدامة، على الرغم من أن كسب أوروبا من مصلحة الولايات المتحدة إذا ما أرادت أن تصبح أكثر صرامة مع الصين في مجال التجارة وتقيد أنشطة إيران في الشرق الأوسط. لكن ترامب فعل العكس تمامًا، فقام بتعطيل الاتفاق النووي مع إيران، وبدأ حروبًا تجارية مع الجميع، وأهان القادة الأوروبيين، وجعل صورته وصورة الولايات المتحدة الأسوأ منذ سنوات عديدة. ربما يكون ذلك مرضيًا لخصوم الولايات المتحدة، لكنه من الصعب رؤية كيف يمكن أن يحقق ذلك أي من المصالح الأمريكية، أو حتى أهداف ترامب المعلنة.

ومع ذلك، فإن المشاكل الحالية للناتو تسبق ترامب، فغياب خطر مشترك وواضح يجعل الحفاظ على تحالف متعدد الجنسيات متقاربًا أمرًا صعبًا. لذلك، حتى لو كان ترامب قد أكد على التزام الولايات المتحدة تجاه الناتو وأبقى علاقته طيبة بالقادة الأوروبيين، ما كان ذلك ليغير حقيقة التراجع التدريجي للناتو. كان من المفترض أن تبدأ الولايات المتحدة في خفض تدريجي وبنّاء –وبشكل وديّ، إن أمكن- لدورها في حفظ الأمن في أوروبا، حتى تتخلى عن دورها العسكري في أوروبا مع بقائها عضوًا رسميًا في حلف الناتو. لو كانت الولايات قد قامت بذلك، مع استمرار التجارة والاستثمار والسياحة واستمرارها في تصنيع الأسلحة وبيعها للمشترين الأوروبيين وقتما أرادوا، لكانت الولايات المتحدة أكثر تركيزًا على مشاكلها الأخرى.

وأوضح الكاتب في نهاية المقال أنه ليس معاديًا لأوروبا ولا الناتو، لكنه يرى أن التحالف خدم مصالح الولايات المتحدة وأوروبا جيدًا في الماضي. ويذكّر الكاتب بكلمات كتبها عام 1998 قائلًا: «لا شيء دائم في الشؤون الدولية، ولا يجب أن تعمينا إنجازات الناتو السابقة عن هشاشته المتنامية. بدلًا من تقديم الضمانات الساذجة بالمساعدة في المشاكل المحتملة في أي بقعة، وبدلًا من أن نضع سياستنا الخارجية على أساس افتراض وجود شراكة دائمة، فقد حان الوقت لكي تبدأ أوروبا والولايات المتحدة عملية فك الارتباط بشكل تدريجيّ بطيء، فهي سوف تحدث على أية حال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد