صحيح أن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، واحتمالات إجراء انتخابات أخرى لا تزال غير واضحة بعد، إلا أن هناك شيئًا واحدًا مؤكدًا، وهو: أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد انتزع نصرًا؛ حسبما كتبت الصحفية الإسرائيلية ليلي جليلي في تحليلٍ نشره موقع «ميدل إيست آي». وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص التقرير:

إن الانتخابات التي جرت يوم الاثنين في زمن فيروس كورونا، والتي صوت فيها الآلاف من الإسرائيليين الخاضعين للحجر الصحي في مراكز اقتراع خاصة، ليست مجرد جولة انتخابية ثالثة؛ بل كانت استفتاء على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المتهم بالرشوة والاحتيال، وعلى حكم القانون والديمقراطية. 

فاز نتنياهو الذي كان من المقرر أن يحاكم في 17 مارس (آذار) الجاري. النتائج ليست نهائية بعد، ولكن بناءً على فرز 90% من الأصوات؛ فإن حزب الليكود يتقدم على حزب أزرق أبيض بواقع 36 مقعدًا مقابل 32. وتشغل الكتلة اليمينية الأرثوكسية المتطرفة 59 مقعدًا من أصل 120 في البرلمان الإسرائيلي، المعروف باسم الكنيست. في الوقت ذاته، تراجع نصيب كتلة يسار الوسط إلى 54 مقعدًا، مع تراجع تحالف العمل – ميرتس إلى ست مقاعد فقط. 

نتائج الانتخابات الإسرائيلية

واختفى اليسار الصهيوني كما عهدناه، بعد أن تخلى عنه الإسرائيليون اليهود، وهو بحاجة الآن إلى شراكة مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إذا أراد البقاء على قيد الحياة. 

على الرغم من خسارتهم لإسرائيل الديمقراطية الليبرالية، كسب الإسرائيليون أنفسهم بطريقة ما. مع أعلى نسبة إقبال للناخبين منذ 20 عامًا (حوالي 72%)، أرسل الإسرائيليون رسالة واضحة هذه المرة، وربما نجحوا في تجنب أكثر ما كان يخيفهم: جولة رابعة من الانتخابات. 

صوّت الإسرائيليون ليس فقط لمرشحهم، ولكن صوتوا لأنفسهم أيضًا. نحو 250 ألف ناخب – من العرب واليهود – الذين اختاروا البقاء في منازلهم خلال جولة سبتمبر (أيلول) الانتخابية، ذهبوا إلى مراكز الاقتراع هذه المرة. معظم هذه الأصوات الجديدة ذهبت لصالح حزب الليكود بقيادة نتنياهو، في حين ذهب عدد ليس بالقليل أيضًا من الأصوات لتحالف القائمة المشتركة للأحزاب الفلسطينية. 

كما يتضح من مجريات الأمور، يبدو أن هؤلاء الناخبين الجدد وفروا على أنفسهم عناء أن يطلب منهم التصويت مرة أخرى. كما كفلوا للقائمة المشتركة مكانًا باعتباره ثالث أكبر حزب؛ إذ ارتفع عدد مقاعدها من 13 إلى 15. ولكن الأهم من كل ذلك أنهم توّجوا «بيبي» رئيسًا للوزراء. 

خطوط حمر تحت خطر الانتهاك

إذا كنت لا تهتم حقًا للفساد، والافتقار التام للخطوط الحمراء والمبادئ الأخلاقية في القائد الذي تنتخبه، فهذا الخيار منطقي. 

إذا كنت لا تهتم لكون ضم المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة أمرًا غير أخلاقي ويقلب حياة كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن نتنياهو بالتأكيد هو الخيار الصحيح. وإذا كنت لا تهتم لانتشار العنصرية بمعدل أسرع من فيروس كورونا، فهذا الخيار له ما يبرره تمامًا.

Embed from Getty Images

عندما ينجلي الغبار، يتفق الاستراتيجيون على أن العبارة التي كررها نتنياهو مرارًا وتكرارًا: « لا يستطيع جانتس تشكيل حكومة بدون الطيبي»، في إشارة إلى أحمد الطيبي زعيم القائمة المشتركة، أثبتت فاعلية بالغة. 

استخدم نتنياهو الطيبي ليس فقط شعارًا، بل رمزًا للتهديد الجماعي الذي اتهم رئيس الوزراء جميع العرب بأنهم يشكلونه على الدولة اليهودية. 

اختار بيني جانتس، المنافس الرئيسي لنتنياهو ورئيس حزب أزرق أبيض، حشر نفسه في الزاوية، عندما تعهد بتشكيل حكومة يهودية فقط، وعندما وصف القائمة المشتركة بالشريك غير الشرعي. وطمس بفعله هذا الخط الفاصل بين حزبه وحزب الليكود، ولم يقدم أية أسباب تدعو للتصويت لصالحه. 

فاز نتنياهو الذي صُنف عن جدارة بأنه أفضل من ينظم حملة انتخابية في التاريخ الإسرائيلي، والذي أدار بمفرده أقذر حملة انتخابية وأكثرها دناءة وخزيًا، وربح. تقول حملته الكثير عنه، وتوضح أكثر ما غدت عليه إسرائيل.

كانت العملية الديمقراطية بمثابة أداة لإنشاء إسرائيل، التي تتسم بديمقراطية أقل وعنصرية وكراهية أكثر. فهي الآن بلد يوصم العرب فيها بأنهم شركاء غير شرعيين، وأولئك الذين يعارضون الإكراه الديني (مثل المهاجرين من الدول السوفيتية السابقة) يعتبرون معادين للسامية، ومن هم إلى اليسار ويؤيدون حل الدولتين مع الفلسطينيين موصومون بالعداء للدولة. وعليه فإن جميع دعائم الديمقراطية تتعرض للهجوم. 

الطريق نحو الحصانة؟

كان أول سؤال سأله نواب الليكود في منتصف الليل، هو ما إذا كان نتنياهو المنتصر سيقيل أفيشاي ماندلبليت، المدعي العام الذي اتهمه. يبقى هذا السؤال بلا إجابة، على الرغم من أن بعض المحللين المرتبطين باليمين توّاقون للقول بأن نتنياهو قد ضمن الحصانة الأخلاقية متترسًا بالشعب.

في صباح يوم الثلاثاء، أعلن النائب عن الليكود ميكي زوهار – حارس نتنياهو المتحمس – على الراديو أن النتائج تقول بصوت عالٍ وبكل وضوح بأن رئيس الوزراء لن يحاكم. هذه التصريحات ليست ذات أهمية من الناحية القانونية، ولكنها في الواقع خطيرة. 

إذ يسمح القانون الإسرائيلي لرئيس الوزراء المتهم بالرشوة والاحتيال بالبقاء في منصبه حتى صدور إدانة قاطعة بحقه، لكن مسألة إن كان مؤهلًا قانونيًا لتشكيل حكومة ما زالت غير واضحة. 

ببساطة هو وضع غير مسبوق في تاريخ البلاد، ويحتمل أن يكون متفجرًا بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي. بالنسبة للكتلة اليمينية الأرثوذكسية المتطرفة لنتنياهو وناخبيه، كانت انتخابات الأمس بمثابة استفتاء على هذا السؤال، وأي تدخل قانوني قد يؤدي إلى رد فعل عنيف. على الرغم من فوز نتنياهو الواضح، فإن المستقبل لا يزال يغلفه الغموض. فالمقاعد الـ59 لكتلته الصلبة غير كافية لتشكيل الحكومة، ونتنياهو بحاجة للمزيد وبسرعة. 

Embed from Getty Images

اعتبارًا من الأمس، بدأت إسرائيل السير في مسارين مختلفين: المسار السياسي في محاولة لتشكيل حكومة قادرة على البقاء، والمسار القانوني لنتنياهو. سيُدمج المساران في غضون أسبوعين مع بدء محاكمة نتنياهو. 

ولذلك يحرص نتنياهو على تشكيل الحكومة قبل الـ 17 من مارس؛ كي يتمكن من الوقوف أمام المحكمة بوصفه رئيس وزراء وليس منتخَبًا على وشك تشكيل حكومة. سيكون هذا الهدف صعب المنال. 

قد تتدخل العديد من العوامل في هذه العملية. والعامل الفوري، هو: احتساب أصوات الجنود وتحليلها بعد ظهر الأربعاء. تمثل هذه الأصوات خمسة إلى ستة مقاعد، ويمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا. في جولة سبتمبر صوّت معظم الجنود لحزب أزرق أبيض. العامل الآخر المجهول هو: أفيجدور ليبرمان، رئيس حزب إسرائيل بيتنا. كما يقول المثل: لن تنتهي المسألة حتى تغني السيدة السمينة. وليبرمان بمقاعده الستة أقل سمنة مما كان عليه في سبتمبر، عندما فاز بثمانية مقاعد، ولكنه لا زال يتحكم بمصير هذه المقاعد الستة. 

إذا اختار الانضمام الكتلة اليمينية فسيريق ماء وجهه، ولكنه سيضمن تشكيل حكومة يمينية صلبة. وليفعل ذلك، عليه تجاوز ازدرائه لنتنياهو، ومشاعره المعادية للأرثوذكس، ونكث جميع وعوده الانتخابية. 

بدا (ليبرمان) حذرًا في تصريحه الذي تلا انتخابات الاثنين، إذ قال في مقره الذي لم يكتس بثوب الاحتفال: «إذا نظرنا إلى الكتلة الأرثوذكسية المسيانية، فنحن نفضل انتظار النتائج النهائية. نحن حزب ذو مبادئ، ولن نتزحزح قيد أنملة عما وعدنا به في حملتنا الانتخابية». 

وما وعدوا به كان: لا بيبي ولا عرب ولا شركاء أرثوذكس. فما لم يستورد هيئة انتخابية إسرائيلية جديدة كليًا، لن يستطيع الانضمام لأي كتلة دون أن ينكث بوعوده.

بناء ائتلاف ينقذ نتنياهو

هل أنت مشوش؟ أنت محق في ذلك؛ فكل تنبؤ يناقض الآخر. 

Embed from Getty Images

في بضع مقابلات سبقت الانتخابات، ألمح نتنياهو أنه يتوقع أن يمكنه المنسحبون من الأحزاب الأخرى من تشكيل ائتلاف متين من 61 – 62 مقعدًا. ومنذ ظهور نتائج استطلاعات الرأي، استمر أنصار نتنياهو في تكرار هذا السيناريو. 

نظريًا، هناك ثلاثة مخزونات محتملة: نواب غير راضين في أسفل قائمة أزرق أبيض، وأعضاء في حزب ليبرمان، وأورلي ليفي، التي كانت سابقًا عضوة في إسرائيل بيتنا وهي الآن في شراكة مع تحالف العمل-ميرتس. يجعلها تاريخها السياسي الحلقة الأضعف هنا، وحتى الآن لا يبدو أي من هذه السيناريوهات ميسورًا على نحو خاص. 

الخيار الآخر هو حكومة موحدة، وهو الخيار الذي يبقيه نواب ووزراء الليكود متاحًا. فسياسيًا، هو خيار منطقي، فلا يوجد فرق أيديولوجي حقيقي بين الحزبين الرئيسيين بخلاف حقيقة أن حزب أزرق أبيض تعهد بعدم الجلوس مع نتنياهو طالما هو متهم بالرشوة والاحتيال. 

وشدد مئير كوهين، نائب حزب أزرق أبيض، في مقابلة إذاعية يوم الثلاثاء الماضي، أنه لن يكون هناك متسللون من الأحزاب الأخرى، والتحالف مع نتنياهو أمر غير مطروح. وبينما نجح نتنياهو في تطبيق مفهوم «أنا الدولة، والدولة هي أنا L’etat c’est moi»، فمن الصعب فصل مصيره عن مصير الحكومة المستقبلية. 

واقعيًا، 61 – 62 مقعدًا تكفي للحكم، لكنها غير كافية لإنقاذ نتنياهو من حكم القانون. وأفضل رهان له في هذه المرحلة هو القانون الفرنسي بشأن الحصانة السيادية التي تسمح له بإرجاء محاكمته حتى اليوم التالي من انتهاء ولايته. ولتشريع هذا القانون، فهو بحاجة إلى أغلبية أكبر. وإذا فشل في ذلك، فسيصر على ممارسة دوره باعتباره رئيسًا للوزراء ومتابعة قضيته في المحكمة في الوقت نفسه. 

هل يبدو وكأنها جولة انتخابية رابعة؟ ربما لا، على الرغم من أنه لا حل آخر يلوح في الأفق الآن. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«ميدل إيست آي»: مؤتمر أيباك 2020.. تعرف إلى الحاضرين والمقاطعين

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد