عفاف محمد 28
عفاف محمد 28

583

ثورةٌ معرفيّةٌ حقيقية أنتجتها دراسة العالَم دون الذرّي؛ إذ منحت البشرية فهمًا أعمق لقوانين الكون، ورؤىً غير مسبوقة مصحوبةً بأسئلة جوهرية. صحيحٌ أن المجال الفلسفيّ عبر التاريخ تبنّى أسئلةً من قبيل: كيف انبثق الكون إلى الوجود؟ لماذا الكون على الحال التي هو عليها؟ لماذا يوجد شيءٌ ما عوضًا عن العدم؟

لكن آن للفلسفةِ أن تتنحى جانبًا بعدَ تقدّم العلم الكبير في بناء المعدات التي تساعدنا في الإجابة عن هذه الأسئلة. هذه فكرةُ «دون لينكلن» العالِم الفيزيائي والباحث في مختبر «فيرمي لاب» الوطني، والتي يطرحها في مقاله الأخير المنشور على موقع «لايف ساينس»، ويتحدث فيه عن تجربةٍ فيزيائية جديدة، تتضمن إطلاق الجسيمات الشبحية المسمّاة «نيوترينو» عبر الأرض على مسافة تقارب الـ1300 كيلومتر من أحدِ المختبرات الفيزيائية، وصولًا إلى مختبرٍ فيزيائي آخر.

إلى ماذا تسعى هذه التجربة الفيزيائية؟

يبدأ الكاتب مقاله بالحديث عن الخبر العلميّ الأخير، إذ أعلنت مجموعةُ دوليةٌ من علماء الفيزياء عن مشاهدتهم الإشارات الأولى في الكاشف المكعب الشكل، والذي يطلق عليه «ProtoDUNE» (پروتودون، أو طليعة دون)، وهي نقطة انطلاق كبيرة لتجربة «دون» والتي ستكون البرنامج الرائد لأبحاث فيزياء الجسيمات في الولايات المتحدة على مدى العقدين المقبلين (تجربة «DUNE» هي اختصار لمسمّى: Deep Underground Neutrino Experiment، ويعني: تجربة النيوترينو عميقًا تحت الأرض).

فيديو لكواشف پروتودون وشرح للتجربة من قِبل مختبر فيرمي لاب



يبلغ حجم كاشف «پروتودون» منزلًا بثلاثة طوابق، ويعتبر نموذجًا أوليًا للكواشف التي ستُستخدَم في تجربة «دون» لاحقًا. ويوضح إعلان العلماء الذي صدر في يوم 18 سبتمبر (أيلول) أن التقنية المُختارة تعمل بالفعل.

ستكون كواشف «دون» موجودةً ضمن مختبر مسرّع فيرمي الوطني «فيرمي لاب» خارج مدينة شيكاغو مباشرةً، وكذلك في ﻣﺮﻓﻖ ﺳﺎﻧﻔﻮرد ﻷﺑﺤﺎث ﺗﺤﺖ اﻷرض «سيرف» في مدينة ليد في داكوتا الجنوبية. حينما يحين وقت التجربة ويتم البدء بها، سيشكّل مسرّع الجسيمات القوي في «فيرمي لاب» حزمةً مكثفة من جسيمات نوترينو دون الذريّة، ومن ثم إطلاقها حرفيًّا عبر الأرض، ليتمّ رصدها في مختبر «سيرف».

ستقطع جسيمات النيوترينو مسافة 1300 كم تقريبًا، عبر الأرض ما بين المختبرين. مصدر الصورة: فيرمي لاب

جسيمات نيوترينو هي أشباح العالم دون الذرّي، إذ تتميز بالقدرة على المرور عبر الكوكب بأكمله دون أيّ تفاعلات تقريبا. فاجأت جسيمات نيوترينو العلماء مراتٍ كثيرة في الماضي. بدايةً من قدرتها الاستثنائية على مرور من خلال المادة دون تفاعل، مروراً بحقيقة تعاملها مع المادة والمادة المضادة بشكل مختلف للغاية، وصولاً إلى قدرتها على التحوّل بسلاسة من نسخةٍ إلى أخرى، فإن جعبة هذه الجسيمات ما تزال مليئة بالمفاجئات للمجتمع العلمي في العالم كله. ستتحرى تجربة «دون» بشأن خاصيتيّ النيوترينو المذكورتين أخيرا.

المادةُ المضادة.. اللغز الكوني

تبدو المادة المضادة وكأنها تنتمي إلى الخيال العلمي الصرف، لكنها حقيقيةٌ بكل تأكيد. يحدّدها الكاتِبُ بأنها عكس المادة؛ احضِر المادة والمادة المضادة معاً وسيفنيان بعضهما البعض إلى طاقةٍ خالصة. جرى التنبؤ بوجود المادة المضادة في عام 1928 وتم رصدها لأول مرة في عام 1931. في العقود اللاحقة، قام العلماء (بمن فيهم الكاتب) بدراستها بتفصيلٍ مُرهِق. في الأغلب الأعم المادة المضادة مفهومة، فقط يتبقى لغز أخير مربكٌ جدا: عندما نحول الطاقة إلى مادة مضادة؛ فإننا ننتج كمية مماثلة من المادة. أصبح هذا ضمن العلوم الراسخة؛ لكن ليست المشكلة هنا.

تكمن المشكلة في أنه عندما نضع هذه الملاحظة جنباً إلى جنب مع فكرة الانفجار العظيم، يحدثُ عدم توافقٍ واضح. فبعد فترةٍ وجيزة من الانفجار العظيم، كان الكون مليئاً بالطاقة والتي كان يجب أن تتحول إلى مادة ومادة مضادة بالتساوي. لكن كوننا يتألف بشكلٍ كاملٍ من المادة. أين ذهبت إذن تلك المادة المضادة؟ لا يوجد إجابةٌ لهذا السؤال بعد؛ لكن ربما تكشف الدراسة المتأنية لجسيمات نيوترينو المادة وجسيمات نيوترينو المادة المضادة شيئاً بهذا الخصوص.

كما هو حال الجسيمات دون الذرية الأخرى، فإن جسيمات نيوترينو ومضاد النيوترينو لديها كميّة تُدعى بـ(اللفّ المغزلي)، والتي تتشابه بشكلٍ عابر وغير مثاليّ لكراتِ الغزل الصغيرة. تلفّ جسيمات النيوترينو ومضاد النيوترينو في اتجاهين متعاكسين. إذا أطلقتَ شعاع نيوترينو بحيث يكون قادماً نحوك مع القدرة على التحديق في محور التفاف الجسيمات؛ فإنك سترى النيوترينو يلتفّ في اتجاه عقارب الساعة؛ فيما يلتفّ مضاد النيوترينو في الاتجاه المعاكس. التناقض في اتجاه دوران كلٍ من النيوترينو ومضاد النيوترينو يحدد الفارق بين الاثنين. ربما يكون هذا الاختلاف مؤشراً على أن دراسة المادة ونظيرتها المضادة من جسيمات النيوترينو ستلقي الضوء على ذلك اللغز.

يغيّر هويته!

يذكّر الكاتبُ بالخاصيّة الأخرى لجسيمات نيوترينو والتي تجعلها مثيرةً للاهتمام ضمن لغز المادة المضادة المفقودة، ألا وهي قدرتها على التحوّل بسلاسة من هويّة إلى أخرى. وجد العلماء ثلاثة أنواع متميزة من جسيمات النيوترينو. يرتبط أحد الأنواع بالإلكترونات ويسمى نيوترينو الإلكترون، فيما يرتبط الاثنان الآخران بجسيمين دون ذريين آخرين، وهما (ميون) و(تاو)، وهما أبناء عمومة ثقيلان للإلكترون.

إذا ما بدأتَ بحفنةٍ من نيوترينوات الإلكترون ومن ثم نظرتَ إليها بعد قليل؛ ستجد أن هنالك نيوترينوات إلكترون أقل من البداية، ولكن بالمقابل هنالك ما يكفي من نيوترينوات الميون ونيوترينوات التاو بما يكفي لتعويض ذلك النقص. النيوترينوات لا تتحلل أو تذوي، بل تتحول إلى الأنواع الأخرى.

Embed from Getty Images

زوار ينظرون إلى كاشف جسيمات في منشأة «سيرن» الأوروبية



الأمر مشابهٌ لأن يكون لديك غرفة مليئة بـ100 من الكلاب، وحينما تنظر إليها لاحقًا تتفاجأ بوجود 80 كلبًا و17 قطةً و3 ببغاوات. وحتى إذا ما نظرتَ في وقتٍ لاحق، ستكون هنالك تشكيلةٌ مختلفةٌ بانتظارك.

يدعو العلماء تحول النيوترينو هذا بـ(التذبذب) وهو أيضًا من الفيزياء الراسخة الآن. اشتبه العلماء بشأنه منذ الستينات، ومن ثم تيّقنوا من حقيقة وجوده في عام 1998، وتوصلوا إلى البرهان عام 2001. اكتشاف تذبذب النيوترينو استحقّ جائزة نوبل للفيزياء في عام 2015.

 

تعاونٌ دوليّ لمستقبلٍ معرفي أفضل

لتجربة «دون» أهدافٌ بحثية متعددة، لكن أكثرها إلحاحًا ربما يكون قياس تذبذب النيوترينو أولًا، ومن ثم قياس تذبذب النيوترينو المضاد. إذا تبيّن اختلافهما، ربما يساعدنا فهم العملية بمزيدٍ من التفصيل على الوصول للسبب الذي يجعل الكون مكونًا حصريًا من المادة. وباختصار قد يفسر في النهاية سبب وجودِنا أصلًا.

ستتألف تجربة «دون» من مجمّعين للكواشف، الأصغر منهما في «فيرمي لاب»، والأربعة الأكبر تقع في «سيرف». سيغادر شعاع النيوترينوات من فيرمي لاب متجهًا نحو الكواشف البعيدة في مختبر سيرف. وسيتم قياس نسب أنواع النيوترينو المختلفة في الكواشف الموجودة في كلٍّ من المختبرين. سيتم قياس الاختلافات الناجمة عن تذبذب النيوترينو، ومن ثم سيتم تكرار العملية نفسها للنيوترينو المضاد.

تتضمن التقنية التي سيتم استخدامها في تجارب «دون» أحواضًا كبيرة من الأرجون السائل، والتي تتفاعل فيها النيوترينوات وبالتالي يتم رصدها. سيكون كلّ من الكواشف الأضخم الموجودة في «سيرف» بارتفاعِ وعرض مبنى من أربعة طوابق وأطول من ملعب كرة قدم. وسيحتوي كل واحدٍ منها على 17000 طن من الأرجون السائل.

أما كاشف «پروتودون» فهو نموذجٌ أصغر بكثير، يحوي فقط على 800 طن من الأرجون السائل. وهو حجم كبيرٌ بما فيه الكفاية ليشمل بيتًا صغيرًا.

نظرة إلى الأرجون السائل في «فيرمي لاب» المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية

التعاون لأجلِ تجربة «دون» يتمّ على نطاقٍ عالميّ، مستقطبًا الباحثين من جميع أنحاء العالم. ففي حين أن «فيرمي لاب» هو المختبر المضيف لكن مختبراتٌ دولية أخرى تشارك أيضًا. المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات «سيرن» هو أحد تلك المنشآت، ويقع خارج جنيف في سويسرا. إذ يوجد كاشف «پروتودون» فيه، يزيد هذا من ترسيخ العلاقة الطويلة بين المختبرات. على سبيل المثال: شارك «فيرمي لاب» منذ فترة طويلة في الأبحاث، من خلال استخدام البيانات التي يسجّلها مصادم الهيدرونات الكبير في «سيرن». تعد تجربة «دون» الاستثمار الأول لـ«سيرن» في تجربةٍ تُجرى في مختبرٍ في الولايات المتحدة.

مُستقبَلٌ واعِد

الإعلان العلميّ الأخير إعلانٌ كبير، يدلّ على أن تقنيّة الأرجون السائل – والتي ستشكّل قلب تجربة «دون» – كانت خيارًا جيدًا. سيبدأ كاشف «پروتودون» ثاني خلال بضعة أشهر، يعتمد الإصدار الثاني تقنيّة مختلفة قليلًا لمراقبة مسارات الجسيمات الناتجة عن تفاعلات النيوترينو النادرة. نتائج اختبارات هذين الكاشفين ستوجّه العلماء إلى قرارٍ بشأن التصميم النهائي لمكوّنات الكاشف، سيتمّ بناء «دون» خلال العقد القادم، ومن المقرر تشغيل نماذج الكواشف الأولى في عام 2026.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك