قال بول إيدون في مقال له على موقع War is Boring إن الجيش العراقي بات أضعف كثيرًا مما كان. وأضاف إيدون أنّه بعد مرور عامين ونصف على الهزيمة النكراء التي مُني بها الجيش العراقي أمام الدولة الإسلامية في ثاني أكبر مدن العراق – الموصل – ما زال العراق بأسره يعاني من تبعات هذا الانهيار.

لكن إيدون يرى أن الجيش العراقي قد استعاد شيئًا من توازنه، بعد أن تمكن من استعادة نصف مدينة الموصل آخر معاقل التنظيم الإرهابي في البلاد. وتعتزم الأجهزة الأمنية العراقية – رأس الحربة في هذه المعركة – استعادة بقية المدينة في 2017.

لكن الفساد ما يزال يضرب بجذوره في الجيش العراقي.

شهدت المعركة ضد الدولة الإسلامية أول قصف جوي عراقي منذ أكثر من عقد من الزمان. وقد شملت عمليات القصف الجوي معاقل للتنظيم في سوريا المجاورة باستخدام مقاتلات إف-16 العراقية الجديدة.

وعلى الأرض – يشير إيدون – حدث أكبر هجوم بري يشنه العراق منذ غزو الكويت عام 1990 في يوليو (تموز) 2016 بهدف استعادة قاعدة القيارة الجوية من قبضة التنظيم. وقد شاركت مروحيات Mi-28 وMi-35 روسية الصنع في الهجوم لدعم القوات البرية، وقد أظهر الطيارون مهارات قتالية.

عانت الولايات المتحدة حوالي عشر سنوات لإعادة بناء الجيش العراقي الذي دمرته خلال الغزو عام 2003. كان القرار الثاني الذي اتخذته سلطة التحالف الانتقالية بعد الغزو هو حل الجيش العراقي وطرد كافة منتسبيه البالغ عددهم 250 ألف شخص. وقد ساهم ذلك في إشعال التمرد المسلح الذي اكتوت بنيرانه القوات الأمريكية في السنوات العشر التالية.

يقول إيدون إن الجيش العراقي الذي تشكل بعد 2003 لعب أدوارًا مساعدة للقوات الأمريكية مع بعض الاستثناءات. كان أحد هذه الاستثناءات هو الهجوم على جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر في مدينة البصرة في عام 2008، ولم ينتهِ الهجوم بانتصار حاسم.

بدا الجيش العراقي – نظريًا على الأقل – قادرًا على الحفاظ على الدولة بعد الانسحاب الأمريكي في 2011. لكن الهجوم الكاسح الذي شنه تنظيم الدولة على الموصل في 2014 حطم الجيش العراقي ووهم الحد الأدنى من القوة.

يرى إيدون أن المشكلة الرئيسية تمثلت في الفساد الذي قضى على قوة الجيش العراقي ومعنوياته. فقد شملت سجلات وزارة الدفاع العراقية 50000 اسمًا وهميًا لجنود عراقيين، حيث كان الضباط يستولون على المخصصات المالية لهؤلاء الجنود الوهميين. وهكذا، أصبح الجيش العراقي تجارة لهؤلاء الضباط، الذين فرّ العديد منهم وتركوا جنودهم يُذبحون على أيدي الدولة الإسلامية عند اجتياحها شمال العراق.

ينقل المقال عن لواء عراقي متقاعد قوله في حوار مع صحيفة الإندبندنت البريطانية إن السبب فيما جرى هو «الفساد ثم الفساد ثم الفساد» وأوضح أن الوضع كان سيئًا إلى درجة أنه ربما كانت بغداد تدفع رواتب لفيلق من 600 رجل، بينما عددهم في الواقع لا يتعدى 200.

وبسبب هذا الفساد، كانت جاهزية الجيش العراقي ضعيفة للغاية قبل سقوط الموصل. وبالتالي، جرى تقديم معلومات مزيفة تمامًا عن فعالية الجيش وقوته وحجمه إلى صناع القرار في بغداد والعالم. وقد محت الحقيقة – التي تجلت على يد تنظيم الدولة – الأساطير الزائفة التي تحيط الحكومات والجيوش أنفسها بها.

لكن الدولة الإسلامية عدو أشرس بكثير من أي من المتمردين الذين لاقاهم الجيش الأمريكي إبان الغزو. فخلال هجوم التنظيم على الرمادي، أسقط التنظيم الإرهابي موقعًا عراقيًا حصينًا بتحطيم جدرانه ببلدوزر حربي.

ينقل التقرير عن دوجلاس أوليفنت – محلل شؤون الأمن القومي في مؤسسة نيو أمريكا – قوله «بعد ذلك أدخل التنظيم سبع شاحنات تحمل كل منها خمسة أطنان من المتفجرات».

استطاع التنظيم أن يستولي على الرمادي، لكن الجيش العراقي طور من نفسه. اليوم – وللمرة الأولى هذا القرن – يتولى الجيش العراقي زمام المبادرة في ميدان المعركة مع دعم من التحالف الدولي يشمل القصف الجوي والمدفعي والدعم اللوجستي والتدريب.

لكن المراقبين يخشون من انهيار قوات النخبة العراقية، إذ أنها كانت رأس الحربة التي تحملت العبء الأكبر في الانتصارات الكبيرة مثل استعادة الرمادي.

ويؤكد التقرير أن الحكومة حاولت شطب الجنود الوهميين ومعاقبة السياسيين على تسليم عقود في صفقات يشوبها الفساد، لكن تلك الخطوات بطيئة ولا تؤثر في الفساد المستشري، وذلك وفقًا لمحلل الشؤون العراقية جويل وينج.

تحدث وينج لكاتب المقال قائلاً «لا تواجه الحكومة العراقية الفساد لأنه ليس مؤسسيًا فقط، ولكن لأنه جزء من أسلوب إدارة البلاد. إن منح عقود ووظائف بالتزكية وتسجيل جنود مزيفين كلها جزء من شبكات مصالح تحافظ عليها الأحزاب للفوز بأصوات الناخبين».

ويضيف وينج «حاول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي شطب بعض الجنود الوهميين. ولاحق وزير الدفاع السابق بعض السياسيين بسبب عقود فساد – ولكنه فعل ذلك لأن نفس التهمة كانت تلاحقه وجرت إقالته من قبل البرلمان».

يرى إيدون أن نظام المحاصصة العراقي يستمر في استنزاف الجيش ويشكل أكبر عقبة أمام السلام الدائم. اليوم، تتمثل المشكلة في الفساد. أما في حقبة صدام، تمثلت المشكلة في بنية الجيش القائمة على أساس الولاء لنظام البعث وليس على أساس الكفاءة.

عندما هاجم الجيش العراقي مقاطعة خوزستان الإيرانية في عام 1980، قاد صدام حسين الحملة بنفسه على الرغم من عدم امتلاكه أي خبرة عسكرية سابقة. حققت الحملة نجاحًا كبيرًا في بدايتها، لكنها انتهت بفشل ذريع.

كان للمتطوعين الإيرانيين دور بارز في دحر الغزاة العراقيين. بحلول يونيو (حزيران) 1982، أجبرت القوات الإيرانية الجيش العراقي على التراجع عن الحدود في معركة خرمشهر (المحمرة). وما لبثت طهران أن شنت هجومًا مضادًا أطال عمر الحرب ست سنوات دامية، فقُتل أكثر من 400 ألف شخص من كلا الجانبين مجتمعين.

وعلى إثر الهزيمة الكبرى التي لحقت بجيش العراق – يقول التقرير – استبدل صدام القيادات بأخرى تتميز بالكفاءة والاحترافية، وليس على أساس الولاء له.

يقول كنيث بولاك في كتاب «العرب يحاربون» «استبعد صدام القيادات التي لم تتمتع بالكفاءة (الذين كان العديد منهم من أصدقائه أو مناصريه أو حتى أقاربه) وعندما عثر على قيادات محترفة تمسك بها».

وبعد أن خسر العراق شبه جزيرة الفاو لصالح إيران في أوائل عام 1986 – مما هدد ميناء البصرة الاستراتيجي – سمح صدام لقادته بشن عمليات واتخاذ قرارات هامة دون الرجوع إليه. وقد أدى هذا التغير في الأسلوب إلى انتصارات عراقية على الأرض، ونتج عن ذلك انتهاء الحرب بعدها بسنتين.

ويؤكد بولاك في كتابه على أنه «في أعقاب استعادة العراق الفاو، دمرت الهجمات العراقية اللاحقة القوات الإيرانية المتبقية على الأرض، وتركت إيران بلا دفاعات فأُجبرت على قبول هدنة. وكان بوسع العراقيين احتلال مقاطعة خوزستان الإيرانية مجددًا بسهولة، بعد أن أصبحت العمليات العسكرية التي يشنها العراقيون دقيقة وفعالة».

وقد أظهرت سرعة الغزو العراقي للكويت في أغسطس (آب) من عام 1990 احترافية الجيش العراقي التي حسنت من قدراته بشدة. إلا أن قرار صدام بقتال الولايات المتحدة والتحالف الدولي الذي تشكل لتحرير الكويت مثّل بداية السقوط.

قضى التفوق في القوة النيرانية للتحالف الدولي على الجيش العراقي. وقد وجد مئات الآلاف من الجنود العراقيين أنفسهم بلا حماية بعد أن قطعت التكنولوجيا المتقدمة للعدو وسائل الاتصالات الخاصة بالجيش العراقي وقصفته في الصحراء المفتوحة.

وبينما تمكن صدام من سحق الانتفاضات الشيعية والكردية التي اندلعت لاحقًا – يقول التقرير – فلم يعد يمثّل أي تهديد لجيرانه، الذين اتجهوا جميعًا – باستثناء سوريا وإيران – نحو شراء العتاد العسكري الأمريكي.

وبحلول عام 2003، لم يظهر الجيش العراقي مقاومة شديدة للغزو، ولم يكترث صدام حتى باستخدام مقاتلات ميج 25 إس، وإنما اختار دفنها في الصحراء. وقد جرى حل الجيش العراقي بعد سقوط نظام صدام في خطوة أثارت الكثير من الجدل.

واليوم – يختتم التقرير بالقول – يبقى الجيش العراقي الجديد بعيدًا عن كونه مثاليًا. فما يزال يعتمد بشدة على القوات الخاصة والقوة النيرانية، بينما لا يحظى الجنود العاديون بالتدريب الكافي، ويبقى الفساد المستشري هو المشكلة الأكبر. حدث تقدم ملحوظ في الجيش العراقي، ولكن ما يزال أمامه الكثير لإنجازه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد