بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية نيويورك بؤرة لتفشي فيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة، سلَّطت وسائل الإعلام الضوء على الوضع في المدينة، ونشرت مجلة «فايس» الأمريكية تقريرًا تستعرض فيه تخوفات العاملين في الرعاية الصحية في نيويورك، الذين أصبحوا يخشون الفشل في إحدى أخطر المعارك في تاريخ المدينة.

أشارت كاتي في مستهل تقريرها إلى أنه مع الانتشار السريع لفيروس كورونا القاتل في مدينة نيويورك، يخشى أطباء وممرضو المدينة من أن نقص الفحوصات، والأسرَّة، وأجهزة التنفس الصناعي، والمعدات الوقائية، قد دفعتهم إلى أعتاب الفشل في إحدى أهم المعارك في تاريخ نيويورك.

«هذه هي «تشيرنوبل» بالنسبة لنا»، هكذا قال طبيب بإحدى مستشفيات نيويورك، وهو كغيره من موظفي الرعاية الصحية الذين أجريت معهم مقابلة حول هذا المقال، طلب من «فايس» عدم إدراج اسمه أو مكان عمله. وتابع قائلًا: «المسؤولون لا يستمعون إلى الناس على أرض الواقع. كل شيء غائص في وحل البيروقراطية».

نيويورك تخشى سيناريو إيطاليا

في هذا الأسبوع، حذر حاكم نيويورك، أندرو كومو، من أن الفيروس يمكن أن يبلغ ذروته خلال شهر ونصف الشهر. ولكن بحلول يوم الخميس، أكَّدت نيويورك بالفعل 3600 حالة إصابة بفيروس كورونا – بزيادة على ألفي حالة في الليلة التي سبقتها فقط – وأن ولاية نيويورك بها 5200 حالة مؤكدة، أكثر من أي ولاية في البلاد. وكان كومو قد طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحشد سلاح المهندسين بالجيش، وبناء مرافق طبية مؤقتة في نيويورك.

«إنها فقط مسألة وقت قبل أن تمتلئ أسرَّة وحدة العناية المركزة في ولايتنا»، هكذا غرَّد كومو يوم الاثنين. وأضاف «يجب أن تتحرك الحكومة الاتحادية».

دولي

منذ 8 شهور
«فورين بوليسي»: لهذه الأسباب تفاقمت أزمة كورونا في إيطاليا

وفقًا للعاملين في مستشفيات نيويورك، فإن الأسرَّة الإضافية ضرورية بالفعل، والعدد المتزايد من الحالات جعل العاملين في المستشفيات يشعرون بالإرهاق تحت وطأة فيضان مرضى «كوفيد-19»، وهو وضع يزداد سوءًا بسبب الرسائل المتضاربة ومعايير السلامة المتراخية، التي يخشى العاملون من أنها يمكن أن تزيد من احتمالية إصابتهم ومرضاهم بالفيروس.

تلفت كاتي إلى صعوبة وضع حد لمعدل وفيات كوفيد-19. فيما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» مؤخرًا، أن العديد من العلماء ومسؤولي الصحة العامة الذين درسوا البيانات حتى الآن، يقولون إنهم يتوقعون معدل وفيات لكوفيد-19 بنحو 1%.

لكنَّ طبيبًا آخر في أحد مستشفيات نيويورك، أوضح أن معدل الوفيات في المدينة قد يقترب حثيثًا من معدل وفيات إيطاليا الأعلى – على ما يبدو – إذا لم تتخذ الولاية إجراءات لتحسين بنيتها التحتية ومرافقها عاجلًا.

وأضاف: «معدل الوفيات الذي يبلغ 1% يتطلب رعاية مثالية في وحدة العناية المركزة (..) نحتاج إلى بناء بنية تحتية وحمايتها».

وذكرت مصادر أنه حتى تنجح الولاية في مكافحة فيروس كورونا، ستحتاج مستشفيات نيويورك إلى فحوصات سريعة وموثوقة، ومرافق حجر وعزل صحي، وأسرَّة وأجهزة تنفس خاصة بوحدة عناية مركزة، وأقنعة وقائية شخصية للعاملين، وعدد كافٍ من العاملين لإنشاء فرق متفرغة إلى المرضى المصابين بكوفيد-19 والمصابين بغيره من الأمراض. والآن، ليس لدى نيويورك ما يكفي من هذه الأشياء.

«أسرَّة العزل ممتلئة بشكل مستمر»، هكذا قال أحد الممرِّضين الممارسين. وأضاف: «لقد لجأوا إلى نصب خيام في صالات قسم الطوارئ لعزل الناس. ونظام المستشفى الخاص بنا فقط غير مجَهَّز بشيء من هذا القبيل».

وبدون اتخاذ إجراءات صارمة، على حد تعبير الممرض، لن تستطيع المدينة قريبًا استيعاب كل من هم بحاجة إلى المساعدة، وتابع: «من الواضح جدًّا أننا ليس لدينا مكان يكفي لهؤلاء المرضى».

يمكن أن يتسبب التدفق في مشكلات، ليس فقط لهؤلاء الذين يعانون من فيروس كورونا، بل لمن يحتاجون رعاية طبية تقليدية. ويضيف: «الناس لا يتوقفون عن الإصابة بالسكتات والأزمات القلبية فقط لمجرد أن هناك جائحة».

الصين بعد كورونا

عمال صينيون يتناولون الغداء بمسافة فاصلة بينهم مقدارها 1.5 متر، بعد افتتاح بعض المصانع في مدينة ووهان. بتاريخ: 23 مارس (آذار) 2020.

دعوة إلى الاستفادة من التجربة الصينية

من أجل توفير أسرَّة إضافية، قال طبيب آخر إنه يضغط – مع أطباء آخرين – على المستشفيات من أجل التعلم من الصين وإنشاء مرافق منفصلة لعزل من أثبتت الفحوصات إصابتهم بفيروس كورونا، والحفاظ على أمن العاملين بالمستشفيات والمرضى الآخرين.

حتى الآن، لم تسفر المباحثات عن أي إجراءات ملموسة. واستدرك قائلًا: «يمكننا أن نفعل ذلك. نحن لدينا هذه الجامعات الخالية حولنا الآن. أنا لا أفهم. نحن لسنا بلدًا من بلدان العالم الثالث. نحن قادرون على الاحتشاد عند الحاجة، لكن كل شيء غائص في وحل هذه البيروقراطية». وتابع: «أشعر بأنني أعيش في عالم غريب».

ويشير التقرير إلى أنه في خضم أزمة صحية عامة، وجد العاملون أنفسهم محبطين بسبب قلق المستشفيات المستمر بحسابات الأرباح والخسائر.

ففي يوم الأحد، أصدر العمدة بيل دي بلاسيو أوامره لمستشفيات المدينة بإلغاء إجراءات العلاج الاختياري التي بإمكانها أن تنتظر، مثل عملية استئصال اللوزتين. لكنَّ العاملين بالمستشفيات ومديريها لم يمتثلوا لهذا القرار منذ ذلك الحين. وقال أحد العاملين في مجال الرعاية الصحية لـ«فايس» إنهم علموا بأن قرابة العشرات من جراحات تحويل مسار المعدة أُجريت في المستشفى التي يعمل بها منذ إصدار أمر دي بلاسيو.

«من الصعب تبرير ذلك»، هكذا قال العامل بالمستشفى. وتابع: «لكنهم يكسبون أموالًا من هذه العمليات الجراحية. وإذا أغلقت [غرفة العمليات بأكملها]، فأنت تغلق مصدر إيرادات ضخم للمستشفى».

وتفاقم الوضع بسبب رغبة عامة الناس الجنونية في شراء معدات وقائية شخصية، جرت العادة أن تكون مقتصرة على أخصائي الرعاية الصحية، أو الحصول عليها بأي طريقة أخرى، ما أسفر عن نقصها في المستشفيات في جميع أنحاء البلاد.

ومما يثير القلق بصورة خاصة، على حد تعبير كاتي، نقص كمامات «N95». هذه الكمامات – المخصصة لتلائم الوجه بشكل مريح – مهمة لمقدمي الرعاية الصحية وآخرين ممن يعملون مباشرة مع المرضى المصابين، لكنَّها أصبحت شيئًا مرغوبًا فيه وسط الذعر المتصل بفيروس كورونا. أحد أطباء نيويورك الذي تحدث إلى فايس قال إن صناديق كمامات N95 سُرقَت من قسم الطوارئ بالمستشفى.

أدى نقص كمامات N95 إلى معايير سلامة متراخية، ومستويات خطيرة من توزيعها بالحصة على موظفي الرعاية الصحية. وقال الممرض الممارس: «أُخبِرنا اليوم بأن معايير سلامة المريض الانتقائية لم تعد ضرورية».

Embed from Getty Images

ارتداء الكمامات لمدة تمتد من 7 إلى 14 يومًا

وأفادت مصادر بأن بعض المستشفيات تشجع موظفي الرعاية الصحية على تجاهل أفضل الممارسات المعتادة الآن، مثل تغيير القناع بعد التعامل مع كل مريض. وتشجع ما لا يقل عن ثلاث مستشفيات العاملين على ارتداء الكمامة ذاتها لمدة تمتد من 7 إلى 14 يومًا، مما يعني أنهم ليس لديهم خيار سوى إعادة استخدام أقنعة يحتمل أن تكون ملوَّثة، وهم يتعاملون مع المرضى الجدد.

ويشجع مديرو المستشفيات الأطباء في بعض الحالات على ارتداء الأقنعة فقط بعد إثبات الفحوصات إصابة المريض بكوفيد-19، وأثار هذا الاقتراح سخط من تحدثوا إلى «فايس». ونظرًا إلى الندرة الشديدة في توفر فحوصات فيروس كورونا على الصعيد الوطني، والوقت الذي تستغرقه للحصول على النتائج، يتوقع الأطباء والممرضون أن يختلطوا مع المرضى المصابين بكوفيد-19 قبل أن تعود نتيجة فحوصاتهم بالإيجاب.

واستشهدت كاتي بما قاله أحد الأطباء: «إن لم يكن لدينا [معدات وقائية شخصية] كافية، فأنت فقط تتطلب كارثة أكبر؛ لأنه بمجرد أن نُستَهدَف، ونضطر إلى الدخول للحجر الصحي أو أن نُصاب، فلن يكون بمقدورنا أن نعمل».

أصدر مركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك تقريرًا داخليًّا يوم الأربعاء يعترف ببعض مخاوف العاملين، وهو المركز الذي يشرف على مستشفيين في جزيرة مانهاتن، أحدهما في بروكلين، والآخر في لونج آيلاند.

وفي التقرير، الذي حصلت عليه «فايس» وأكدته مجموعة المستشفى، أشار المركز إلى أنه كان «يستمع إلى مخاوف العاملين بشأن فيروس كورونا (…) ويعمل عبر المنظومة على معالجة مخاوف العاملين قبل: التعرض المحتمل». ومع ذلك، أبلغ المستشفى أيضًا العاملين بأن «الكمامات الجراحية المزودة بأقنعة للوجه ستنفد» بحلول نهاية الأسبوع.

وذكر التقرير أن «معدلات استهلاك واقي الوجه تزداد (…) ويجب إعادة استخدام واقيات الوجه ما لم تكن تالفة – وهو ما ينبغي أن يبعث برسالة».

واستجابة لشواغل الممرضات، أصدرت بات كين، المدير التنفيذي لرابطة ممرضات ولاية نيويورك، بيانًا هذا الأسبوع ينتقد نقص الكمامات ومعدات وقائية شخصية أخرى للعاملين في مجال الرعاية الصحية.

وكتبت كين: «إذا كانت الأعداد المتزايدة من الممرضات غير قادرة على البقاء بجانب المرضى؛ لأنهن تعرضن لكوفيد-19 على نحو غير ضروري في العمل، فإن صحة الجميع معرضة للخطر. والخطوات التي نتخذها الآن يمكن أن تنقذ حياة أشخاص في قابل الأيام».

وقالت رابطة ممرضات ولاية نيويورك أيضًا، إنها تعتقد أن الفيروس تزداد قابلية انتقاله عبر الجو أكثر مما تدعي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها حاليًا، وأن كمامات N95 وحدها ربما لا توفر حماية كافية.

ويجادل بيان على موقع المنظمة بأن العاملين في مجال الرعاية الصحية ينبغي أن يرتدوا معدات وقائية شخصية تغطي كامل الجسم، كالتي جرى ارتداؤها أثناء التعامل مع الإيبولا وفيروسات أخرى منقولة عبر الهواء، عند معالجة الحالات المؤكد إصابتها بكوفيد-19 أو المشتبه بها؛ حتى يثبت أن موظفي الرعاية الصحية لا يواجهون خطرًا.

أعرب العاملون، بالإضافة إلى ذلك، عن قلقهم من تكليف المستشفيات للممرضات الممارسات ومقدمي الخدمات الأخرى بالتعامل مع مرضى كوفيد-19 بالتناوب، بدلًا من إنشاء فريق متفرغ لمكافحة الفيروس. وقال الممرض الممارس: «لديك أشخاص يمكن أن يصابوا عند العودة إلى مرضى آخرين، ومن المحتمل أن ينشروا الفيروس».

Embed from Getty Images

التكتم على المصابين بكوفيد-19

أشار التقرير إلى أن مديري المستشفيات عادة لا يخبرون العاملين عن المرضى الذين أثبتت الفحوصات إصابتهم بكوفيد-19 أيضًا.

بحسب أحد الممرضين الممارسين: «يقولون إن الأمر يتعلق بخصوصية المريض، وأن إخبارنا ربما يكون انتهاكًا لقانون حماية سرية المعلومات الخاصة بالمريض «HIPAA». هذا أمر مشين، فثمة طرق لأن نقول: مرحبًا، أحد الموظفين ربما يكون تعرض للعدوى. بدلًا من ذلك أُبلِغنا بأن نفترض أننا تعرضنا للعدوى بالفعل».

ويدرك مقدمو الرعاية الصحية جيدًا أن احتمالية إصابتهم بالعدوى أكثر من عامة الناس. وقال أحد الأطباء: «لدي طفل رضيع بالمنزل. جزء مني يريد أن أصطحب زوجتي وطفلي وأهرب ولا أعود. أعلم أنني من اختار هذا العمل، وأن لديَّ واجبًا تجاه مجتمعي، لكن هذا صعب، إنه صعب للغاية. إنني أعاني».

وتابع الطبيب أنه يشعر بأن العامة ما يزالون لا يتفهمون مدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه الفيروس بالناس من جميع الأعمار، فيقول: «ما تزال الفكرة التالية قائمة: وهي إذا كنت تشعر بصحة جيدة لا يمكنك نشر المرض، وإذا كنت تحت الـ60 عامًا، لن يكون هناك ضرر دائم»، بينما تشير بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن نحو 40% من الناس المرضى بما يكفي لدخولهم المستشفى بسبب فيروس كورونا تراوحت أعمارهم بين 20 و54 عامًا.

وبالفعل، شاهد الطبيب رجالًا يصابون بمضاعفات القلب والأوعية الدموية من الفيروس، على حد تعبيره. يقول الطبيب: «ثمة حالات يبدو فيها أن المريض يتعافى من الجزء الخاص بالرئة في المرض. إنهم يتحسنون وفجأة يصابون بنوبة قلبية حادة. وفي غضون يوم أو اثنين، يصابون بسكتة قلبية ويموتون».

وأضاف أنه من المحتمل أن تكون هذه نتيجة التهاب عضلة القلب الفيروسي، وهو التهاب في القلب ناجم عن عدوى فيروسية. ولكن مع مثل هذا الفيروس الجديد، من الصعب معرفة ذلك على وجه اليقين.

واختتمت كاتي تقريرها بقول الطبيب: «لا أنفك أقول لنفسي: إن عدد الحالات قليل، ولكن نعم، أنا خائف».

عربي

منذ 8 شهور
مترجم: لماذا لا تستطيع دول الخليج احتواء فيروس كورونا حتى الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد