ملأ المُحتجُّون ضد الرئيس عمر البشير وحكومته الشوارع في مختلف المحافظات السودانية، بما فيها العاصمة الخرطوم، على مدار الأسبوعين الماضيين.

وبينما لا تعد تلك المرة الأولى التي تشهد فيها السودان احتجاجاتٍ ضد البشير، تشير الكاتبة السودانية نسرين مالك في مقالٍ نشرته بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إلى أنَّ الموجة الحالية من التظاهرات تتميَّزُ عن سابقاتها؛ لأنَّها تشهد مشاركة قطاعٍ عريضٍ من المجتمع السوداني، وتتَّسم بالتخطيط التنظيمي والعفوية العاطفية في الوقت نفسه، وتُشكِّل تهديدًا حقيقيًا للنظام القائم منذ سنين.

ترى نسرين أنَّ هذه الاحتجاجات لها خلفيتان تاريخيتان: إحداهما بعيدة، والأخرى قريبة.

فحكومة البشير، التي وصلت إلى السلطة عن طريق انقلابٍ عسكريٍ عام 1989، تسيء معاملة المجتمع السوداني منذ 30 عامًا. وتدهورت مؤسسات البلاد الأساسية، مثل الخدمة المدنية والاقتصاد والمنظومة التعليمية والجيش والثقافة، من أجل أن تحظى الحكومة بسيطرةٍ أكبر على السلطة، وضمان احتكارها لكافة وسائل المكاسب الاقتصادية.

30 عامًا في الحكم.. لماذا تفشل المعارضة السودانية دومًا في هزيمة البشير؟

 

وتُضيف أنَّ سياسات الوحشية والتجاهل كانت هي الوسائل المُفضِّلة للبشير؛ إذ استعمل سياسة الأرض المحروقة في الرد على كل من يُعارضه أو يشتكي من حكمه، سواءٌ من القبائل المُهمَّشة في دارفور أو العاملين بوسائل الإعلام في الخرطوم. وفي الوقت ذاته، تجاهلت الحكومة ببساطةٍ مساحاتٍ شاسعةٍ من السودان، ومؤسساتها التي لا تُدِرُّ عوائد مادية؛ مما وصل بها إلى شفير الانهيار. ويحمل المُحتجُّون في الشوارع السودانية الآن على أكتافهم ما شهدوه من نهبٍ حكوميٍ على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، رغم أنَّ معظمهم لا يتذكرون الانقلاب الذي أتى بالبشير لصغر أعمارهم.

أما في ما يتعلق بالتاريخ القريب، فتوضح نسرين أنَّ هذا الغضب الشعبي هو نتيجةٌ للظروف الاقتصادية السيئة التي تعاني منها السودان بعد أن فقدت الحكومة سيطرتها على الخدمات الأساسية؛ إذ ارتفع مُعدَّل التضخُّم السوداني ليحتل المرتبة الثالثة عالميًا على مدار العام المنقضي، وأضحى نقص الموارد واضحًا في أزمة البنزين (مع اصطفاف طوابيرَ طويلةٍ من السيارات أمام محطات الوقود بانتظام) ونقص السيولة المالية في النظام المصرفي؛ ما أثار انتقاداتٍ واسعة. وأتت استجابة الحكومة للأزمة الثانية قبل بضعة أشهرٍ لتُثير المزيد من الذُعر بين المواطنين: إذ فرضت حدًا مُنخفضًا على السحب من أجهزة الصراف الآلي والحسابات البنكية؛ مما أغضب الطبقة الوسطى من السودانيين الذين لم يَعُد بمقدورهم سحب رواتبهم.

وبحسب الكاتبة، تختلف الحلول المُمكنة لهذه الاحتجاجات باختلاف هذين الخلفيتين اللذين تسببا في وجود حاجتين متباينتين يحتاج المحتجون إلى إشباعهما. فهناك مَطالب فورية بتوفير الخبز والبنزين والسيولة النقدية والعلاج الطبي، لكنَّ ذلك لا ينفي الحاجة المُجرَّدة لاستعادة الكرامة والفخر الوطني من حكومةٍ لم توفِّر للمواطنين أيًا منهما.

Embed from Getty Images

جنود الجيش السوداني في اليمن عام 2015. 

ولا ترى نسرين أنَّ نظام البشير يمتلك مساحةً للمناورة مثلما كان يفعل في الماضي؛ إذ فقد البشير سيطرته على الثروة النفطية منذ انفصال جنوب السودان عام 2011. ويُعاني النظام أيضًا بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان عام 1997، والتي عزلتها اقتصاديًا نتيجة إدانة البشير في المحكمة الجنائية الدولية لما ارتكبه من جرائم حرب في دارفور؛ مما زاد من عُزلة حكومته.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت السودان مُعتمدةً على عددٍ قليلٍ من الحلفاء الإقليميين المزاجيين، مثل السعودية التي يأتي كرمها مُتقطِّعًا ومشروطًا، ويتطلَّب تقديم قرابين ولاء ضخمة، وأحد أبرز الأمثلة على ذلك ما كشفته صحيفة «نيويورك تايمز» عن إرسال السودان قرابة 14 ألف جنديٍ للمشاركة في حرب السعودية باليمن تحت قيادة الجيش السعودي، الذي يدير السودانيين عن بعد؛ لأنَّه لا يرغب في تعريض جنوده للخطر.

وتشير الكاتبة إلى أنَّ المُشكلات المالية التي تعاني منها الحكومة تعود جزئيًا إلى شبكات المحسوبية المُتنامية في السودان، التي تشمل الشرطة والجيش وقوات الدعم السريع، وهي قوات عسكرية غير رسمية تشمل ميليشيات «الجنجويد» سيئة السمعة، التي فككتها الحكومة في أعقاب صراع دارفور. وظهرت آثار تلك المحسوبية جليةً في حملة القمع السريعة التي شُنَّت ضد المُحتجِّين، إذ أطلقت التشكيلات المُؤلَّفة من عناصر الشرطة والأمن النار على الحشود، واعتقلت واعتدت على الصحافيين والنشطاء ورموز المعارضة. وشمل القمع اختفاء بعض المُحتجِّين، إذ تداول مُستخدمو الشبكات الاجتماعية صور أحبائهم في محاولةٍ لتحديد مواقعهم. ولقي قرابة 40 شخصًا مصرعهم حتى تاريخه، لكنَّ ذلك لم يقضِ على زخم الاحتجاجات حتى الآن بعد مرور أسبوعين على انطلاقها.

Embed from Getty Images

ولسنوات لم تكن معاناة الطبقة الدنيا من المجتمع كافيةً لإطلاق شرارة حركةٍ احتجاجيةٍ منظمةٍ، لتوفر المساحة أمام البرجوازيين غير المنتمين لأي تياراتٍ سياسية للازدهار أو البقاء على قيد الحياة على الأقل. لكن نسرين توضح أنَّ التدهور الاقتصادي المستمر كسر هذا الاتفاق الضمني بين الحكومة ونخبة البلاد. فالشلل الاقتصادي دفع بالمهنيين من ذوي الياقات البيضاء إلى الاختلاط بأبناء الطبقة العاملة في طوابير المؤن اليومية. وكان البشير يدرك أهمية كسب رضا تلك الطبقات في السنوات الماضية، حين عرض على أفراد المعارضة والمجتمع المدني المُعترضين على نظامه مناصبَ داخل الحكومة، أو فرصًا للثراء، لكن عجزه المتزايد عن توفير ذلك أثبت خطورته.

وبحسب نسرين، ربما يكون حبل النجاة بالنسبة للبشير في الوقت الحالي هو التضييق الذي مارسه على المجال السياسي طوال السنوات الماضية، والذي مكَّنه من البقاء في السلطة كل هذه المدة. وبسبب هذا لم تعد هناك شخصيةٌ بارزةٌ بوسعها التدخُّل وتسلُّم مقاليد الحكم خلال التفاوض على انتقال السلطة بشكلٍ سلمي، فضلًا عن غياب شخصيةٍ عسكريةٍ قويةٍ يُمكنها إجباره على الاستقالة وتسليم السلطة إلى حكومةٍ انتقالية، كما حدث مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك. هذا بالإضافة إلى تشتُّت المعارضة.

وتضيف الكاتبة سببًا آخر لاستمرار البشير حتى الآن، وهو استغلال الإسلام لخدمة أهدافه الخاصة؛ إذ عرقل البشير ظهور أي حركةٍ احتجاجيةٍ إسلاميةٍ، مثل: الإخوان المسلمين، بينما يزعم نظامه أنَّه يحكم بالشريعة الإسلامية، رغم تخلِّيه عن المظاهر الدينية منذ وقتٍ طويل.

مرّت 2018 بدون انقلابات عسكريّة.. هل سيستمرّ ذلك في 2019؟

 

هذا الغياب لأي أحزابٍ سياسية عن الاحتجاجات الجارية تسبَّب بحسب نسرين في زيادة انتشارها؛ إذ بدأت تلك الاحتجاجات بغضبٍ عفويٍ ساد الشوارع، لكنَّ جماعات النشطاء سرعان ما انضمت إلى الجموع للمساعدة في تنظيم الاحتجاجات وأعمال العصيان المدني. وربما أضفى ذلك التنوُّع مزيدًا من القوة على التظاهرات.

ولهذا ترى نسرين أنَّ هذا الفراغ السياسي السوداني إمَّا سيتسبَّب في الحفاظ على موقع البشير في السلطة بحكم العادة، أو سيطرده منها.

وتخلُص الكاتبة في النهاية إلى أنَّ هذه الثورة ليست أكثر من مجرد صفحةٍ في تاريخٍ طويلٍ من الاعتراض على حكومةٍ تحاول ترسيخ فكرة عدم وجود بديلٍ لاستمرار حكمها، لكن من الواضح أنَّ النظام شخصيًا هو من فقد البدائل لحل الأزمة الراهنة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد