قالت دانييلا بلي في مقال لها على موقع «فورين بوليسي» إنه مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، بعد دمار أوروبا، سارع بعض الناجين إلى مهمة توثيق ذلك الحدث المدمر. فشرعوا في الحفاظ على ما أسماه إسحق شنيرسون، وهو حاخام فرنسي وتاجر، «مواد الحقيقة: المراسلات الشخصية والتواريخ الشفوية التي تم جمعها من قبل لجان ومراكز التوثيق المشكلة حديثًا». بنى شنيرسون أرشيفًا في باريس مليئًا بالقرائن التي استخدمها المدعون الفرنسيون في محاكمات نورمبرج.

وفي أمستردام، طلب المسؤولون من الجمهور التبرع بالمذكرات والرسائل وألبومات الصور لتسجيل ما كانت عليه الحياة في ظل الاحتلال الألماني. وجدت هذه المصادر منزلًا في معهد الدولة للتوثيق الحربي، وهو اليوم معهد NIOD للحرب والمحرقة ودراسات الإبادة الجماعية. وأوضحت بلي أن الباحثين الهولنديين أرادوا توثيق تاريخ الحرب عبر هذه المحفوظات، لكن أسئلة العدالة والانتقام كانت أيضًا على المحك. فمثل أي مكان في أوروبا، كان الخونة في هولندا يحرضون على الجرائم النازية. استخدم المدعون العامون عشرات الآلاف من الوثائق الموجودة في المحفوظات خلال عامي 1945 و1946، وقام المعهد بتشكيل الذاكرة الجماعية للحرب وما بعدها، بدءًا من معاملة المجتمع الهولندي لليهود، وحتى التطهيرات السياسية للمتعاطفين مع النازيين.

واليوم -تشير بلي- يحاول أوجور أومت أونجور، وهو مؤرخ في جامعة أوتريخت، فعل نفس الشيء مع الحرب في سوريا، بدعم من المعهد الهولندي.

يهدف مشروع «تاريخ سوريا الشفوي»، الذي أسسه أوجور في وقت سابق من هذا العام، إلى جمع أكبر عدد ممكن من الشهادات لتوثيقها. ويمكن أيضًا استخدامها في الملاحقات القضائية: ففي هولندا، كما في ألمانيا والسويد وفرنسا، تمنح الولاية القضائية العالمية المحاكم الوطنية سلطة توجيه الاتهام لأي شخص بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

Embed from Getty Images

نازحون سوريون بسبب الحرب في بلادهم

يترأس المشروع مؤرخ أكاديمي يسعى لجمع أول مسودة تاريخية تحكي يوميات الحرب للأجيال القادمة، وربما التأثير في الجهود لتحقيق العدالة والمساءلة. يبدو أنه لا مجال لغض الطرف عن الحرب الأهلية، التي تدخل الآن عامها التاسع.

لقد ميز الشعور بالعجز العديد من تجارب السوريين مع الحرب في سوريا –تشدد بلي- ولكن مثل الناجين من الهولوكوست الذين وثقوا الفظاعات، فإن المشاركين في مشروع التاريخ الشفهي في سوريا يسيطرون على القصص التي يروونها. قد تكون الشهادة شكلًا من أشكال الوكالة، كما كتب مؤرخ المحرقة الفائز بجائزة بوليتزر، ساؤول فريدلاندر. هذا هو الحال خاصة عندما تؤدي شهادة شخصية إلى تحقيق العدالة.

«موسم الحج إلى دمشق».. هكذا انطلق «قطار التطبيع» العربي مع نظام الأسد

ويخطط أوجور وفريقه المكون من ثلاثة باحثين سوريين والعديد من الصحافيين والمثقفين لإجراء مقابلات معمقة مع حوالي 8 آلاف لاجئ سوري يعيشون في هولندا لتوثيق تجارب الحرب والنزوح. لقد أكملوا أكثر من 100 مقابلة غنية بالتفاصيل والجوهر، وقد بدأت هذه المقابلات في ملء الفجوة في السجل التاريخي.

على الرغم من أن الاهتمام الدولي يتركز على الأحداث في سوريا، إلا أن البلاد تشبه الثقب الأسود بالنسبة إلى مؤرخي الماضي القريب. فمنذ تولي عائلة الأسد السلطة قبل 47 عامًا –توضح بلي- كان للباحثين قدرة محدودة على الوصول إلى المصادر. ولا يزال العمل الميداني شبه مستحيل بسبب الحرب. وعلى الرغم من كثرة المقاطع المصورة على يوتيوب عن حرب سوريا، وجهود المنظمات غير الحكومية مثل مركز توثيق الانتهاكات، والأرشيف السوري ببرلين في جمع لقطات فيديو، والسجلات الطبية، وتقارير شهود العيان عن انتهاكات حقوق الإنسان، مع مراعاة الإجراءات المتعلقة بالعدالة في المستقبل، فمن الصعب العثور على شهادات شخصية وروايات منشورة. أحد الاستثناءات البارزة هي حملة الرقة تذبح بصمت، وهي مجموعة مدنية وثقت الجرائم التي ارتكبتها الدولة الإسلامية. وقد فقد العديد من أعضائها حياتهم.

Embed from Getty Images

عشرات الآلاف لقوا حتفهم في الحرب السورية

أجرى أوجور مقابلات عبر سكايب ورحلات إلى المدن التركية، كما تكشف بلي. فسمع قصصًا مرعبة عن التعذيب في سجون نظام الأسد، وعمليات القتل التي حدثت في الشارع، وغيرها من الصدمات في عقول السوريين. لقد استحقت هذه الروايات انتباه العالم، ولكنها يمكن أن تغير أيضًا معلومات مغلوطة عن النزاع، يقول أوجور: «تركز النشرات الإخبارية على المتمردين الإسلاميين، من القوميين إلى جماعة داعش اليمينية». ولكن لم يركز أحد على شبكة السجون السرية التي بناها الأسد وقتل فيها الآلاف. ثم تتساءل بلي: لماذا كان التركيز بالكامل على الإرهاب وليس على عنف الدولة؟

بحلول عام 2017، مع وجود أكثر من مليون لاجئ سوري في أوروبا، لم يعد أوجور مضطرًا للسفر لإجراء المقابلات. فبما أنه يدشن مشروع تاريخ شفوي طموحًا، فإنه يأمل في إنتاج مجموعة جديدة من المصادر للباحثين في شئون المنطقة وطلاب بناء السلام. ولأسباب أخلاقية ومنهجية، كان يعتقد أنه والباحثين في المشروع يجب أن يكونوا سوريين، وقد جنّد زملاء لتمثيل مختلف الطبقات الاجتماعية والأجناس ومناطق البلاد والخلفيات العرقية والدينية. يتواجد الفريق الآن في هولندا، حيث يجري مقابلات في ما يسمونه «طريقة استراتيجية وعلمية وهادفة». وستحفظ السجلات في النهاية في مؤسسة أو منظمة مثل مؤسسة USC Shoah، وهي أكبر أرشيف في العالم لشهادات المحرقة. ويستشهد أوجور بالكتاب الأزرق البريطاني عام 1916، وهو عبارة عن مجموعة وثائقية ضخمة عن الإبادة الجماعية للأرمن، كنموذج آخر. ومثل كل مشروع يأخذ شكله من مصادره، فقد ظهرت تطورات غير متوقعة أيضًا.

إن تحقيق العدالة ليس سهلًا أثناء أو بعد صراع مثل سوريا –تنوه بلي-؛ إذ يتطلب جمع الأدلة من الضحايا والشهود السفر إلى البلد الذي وقعت فيه الجرائم، وغالبًا ما تشكل الحواجز اللغوية والثقافية عائقًا. ومع ذلك، فإن هولندا لديها سجل حافل في تحديد أولويات الجرائم الدولية، فابتداء من عام 1997، عندما ذكرت وسائل الإعلام الهولندية أن مجرمي الحرب الأفغان يتسللون إلى داخل البلاد إلى جانب اللاجئين، مما أشعل غضب الرأي العام؛ فأنشأت أمستردام وحدات متخصصة في جرائم الحرب في دائرة الهجرة والشرطة، والتي ساعدت المحاكم الهولندية في السنوات الأخيرة على احتجاز وتسليم مرتكبي الإبادة الجماعية في رواندا. عندما يتعلق الأمر بسوريا، فإن السلطات الهولندية لم تحاكم سوى أعضاء الدولة الإسلامية. وقد اتخذت ألمانيا والسويد زمام المبادرة في إدانة مجرمي الحرب. ولكن عبر إنتاج مصادر جديدة، وتحويل التركيز من الإرهاب إلى عنف الدولة، يجب أن يكون مشروع تاريخ سوريا الشفوي في وضع جيد للتأثير في المحققين والمدعين العامين الهولنديين في السنوات القادمة.

Embed from Getty Images

سجون الأسد شهدت ارتكاب فظائع بحق السوريين

يلتزم فريق أوجور بمبدأ «لا للإيذاء»، إذ يسعى إلى إضافة قصص إلى السجل التاريخي، لا تشجيع المشاركين على تجريم الذات أو انتزاع اعترافات منهم، ومع ذلك فقد جرت مقابلات مع العديد من السوريين الذين كانوا متلهفين للتحدث عن جريمة رأوها، أو حتى ارتكبوها. وصفت محامية من حلب لقاءها مع جلاد معروف، اكتشفت أنه يعيش في هولندا. سأل أوجور رئيس قسم الجرائم الدولية في البلاد: «هل أنا ملزم بالإبلاغ عن هذه الحوادث للشرطة الهولندية؟»، وقد أكد له أن مشاركة المعلومات ليست مطلوبة. وأضاف أوجور: «في كثير من الحالات، إذا كنت أعرف شيئًا ما، فقد تبين أنهم يعرفون ذلك أيضًا. إنهم مهتمون بحكم القانون ويريدون القبض على المحتالين ومقاضاتهم. أما أنا فلا أهتم فقط بالجرائم ولكن أيضًا بحكايات الأشخاص. كل سوري لديه قصة يقول إنها مهمة».

في عامي 2006 و2009، زار أوجور بعض المدن السورية، وأجرى مقابلات مع الأرمن المسنين في كتابه «بناء تركيا الحديثة: الأمة والدولة في شرق الأناضول، 1913- 1950». خلال هذه الزيارة –تضيف بلي- جمع الأدلة التي من شأنها أن تثير الأسئلة التي يطرحها فريقه في المقابلات. وبينما كان شبح الحرب بعيدًا، اكتشف إحجامًا عامًا عن الحديث عن الماضي، سواء كان الموضوع هو جماعة الإخوان المسلمين في الثمانينيات، أو تاريخ الأكراد في البلاد، أو الحروب الأربعة التي خاضتها سوريا ضد إسرائيل. يقول أوجور: «في الواقع، أي نقاش سياسي كان محظورًا في أي محادثة مهذبة. لم يكن هناك مكتبة واحدة في البلاد أو وسيلة إعلامية معارضة، باستثناء القنوات الفضائية العربية».

«ستراتفور»: بهذه الطريقة ستسبب 5 قوات عسكرية دمارًا جديدًا في سوريا

وبعيدًا عن كرم الضيافة الذي اشتُهر به شعب سوريا، وجد أوجور «مجتمعًا شديد الاستقطاب، والإحباط، والقلق، والمحسوبية»، وألمح الناس إلى زيارة أحبائهم في أحد سجون بشار الأسد السيئة السمعة. وقال: «كان النظام يملك السلطة المطلقة لحبس الناس أو إبادتهم، ولم تكن هناك قيود، سواء من المجتمع المدني أو الدستور؛ لحماية هؤلاء الناس من قوة الدولة».

تختتم بلي بالقول: يريد مشروع تاريخ سوريا الشفوي أن يوثق السوريون ما حدث لبلدهم. جرت المقابلات لمنح المشاركين وقتًا كافيًا لإخبار قصصهم بكل ما فيها من كمال وتعقيد. في حين أن هذا يعزز أهداف العدالة الانتقالية، أو عملية معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، فإن الأمل هو أن المجتمع الهولندي ككل سيستفيد من الاستماع إلى اللاجئين، فكثير منهم سيظل مصدومًا ويحتاج إلى العلاج والتعليم، والوظائف في المستقبل المنظور. حتى الآن، شكلت التغطية الإعلامية قصة حرب سوريا، لكن شهادات الآلاف من السوريين ستعيد كتابتها في نهاية المطاف. هذه التواريخ الشفهية ستشكل الفهم العام للصراع؛ أسبابه وعواقبه، ومصير ضحاياه ومرتكبيه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد