نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا عن آفاق الدعم العسكري الأمريكي في حال ضمت إسرائيل أراضي الضفة الغربية. ورأى محللو المجلة السياسيون البارزون دانييل ب. شابيرو، وشيرا عفرون، وإيفان جوتسمان، أن تخطيط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية سيقوض دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي للعلاقات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية؛ الأمر الذي سيعرض العلاقة الخاصة بين البلدين وأمن الإسرائيليين للخطر.

تقول المجلة: «إن انتخابات الثاني من مارس (آذار) الإسرائيلية من المرجح أن تترك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية طوال الأسابيع المقبلة على الأقل، حتى لو كان ببساطة يقود الآن حكومة تصريف أعمال. لكن على الرغم من أنه يرأس مرة أخرى أكبر حزب سياسي في إسرائيل، فإن رئيس الوزراء، الذي تبدأ محاكمته بتهم ارتكاب جرائم فساد في 17 مارس الجاري، أصبح الآن أكثر عرضة من أي وقت مضى لمواجهة تحديات قد تؤثر على فترة ولايته المستمرة (للمرة الخامسة على التوالي)».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«بلومبرج»: 9 أسئلة تشرح لك خطة نتنياهو لـ«ضم الضفة الغربية»

خطط إسرائيل للضم

في أعقاب إعلان خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروفة بصفقة القرن، والتي كُشف عن تفاصيلها في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية الإسرائيلية الأخيرة، يُعرّض هذا السيناريو مستقبل العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل لخطر كبير. ذلك لأن نتنياهو الذي يزداد يأسًا سيجعل ضم الضفة الغربية بمنتهى الحزم نصب عينيه.

سيصبح الاستنتاج المنطقي للضم هو قيام دولة واحدة غير ديمقراطية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط؛ وهذا الاحتمال سيغير بشكل أساسي طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

ويضيف كاتبو المقال – من بينهم شيرا عفرون الذي يعمل مستشارًا سياسيًا في منتدى سياسة إسرائيل وأستاذ زائر في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب – أن نتنياهو ربما تبنى في الماضي موقفًا أكثر حذرًا بشأن الضم خوفًا من معارضة الولايات المتحدة. أما الآن فيجري تضمين الضم كسياسة أمريكية رسمية بموجب خطة ترامب.

ويسمح اقتراح الإدارة الأمريكية لإسرائيل بضم 30% من الضفة الغربية. وفي الأسبوع الماضي، كانت هناك لجنة أمريكية – إسرائيلية مشتركة في الضفة الغربية للبدء في رسم خرائط للمناطق التي يمكن لإسرائيل أن «تمدد سيادتها عليها»؛ على حد التعبير المُخفف الذي يطلقه اليمين الإسرائيلي على الضم. 

وتضيف المجلة: ضع في اعتبارك أنه لا يوجد عضو واحد في هذه اللجنة قادم من الجيش الإسرائيلي، الذي سيتولى مهمة الدفاع عن الحدود الجديدة التي ستنشئها اللجنة، ولا يوجد أيضًا أي عضو فلسطيني. وهذا القصور يعكس حالة الخطة نفسها: فمهندسوها في الإدارة الأمريكية لم يتشاوروا مع أي فلسطيني أو مع الجيش الإسرائيلي، وفقًا للمحادثات الأخيرة التي أجرتها المجلة مع كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي.

وتلفت المجلة إلى ما هو أكثر من ذلك: أن الخطة تضع تصورًا لكيان فلسطيني لا يحمل أي خصائص لدولة ذات سيادة. وبدلًا عن ذلك ستخلق جيوبًا فلسطينية منفصلة مع استقلال محدود تحت السيطرة الإسرائيلية الشاملة. ومن المحتمل أن تؤدي هذه العملية إلى انهيار السلطة الفلسطينية. فزعيمها الحالي محمود عباس، يبلغ من العمر 84 عامًا، ويعانى من مشكلات صحية في السنوات الأخيرة، وقد يشعر جيل جديد من القادة الفلسطينيين بأنهم مضطرون إلى إنهاء التعاون الأمني ​​مع إسرائيل عندما تذهب آفاق إقامة الدولة سدى.

عندئذٍ يمكن لإسرائيل أن تجد نفسها مرة أخرى في حالة سيطرة عسكرية ومدنية كاملة على الضفة الغربية بأكملها، بما في ذلك المدن الفلسطينية الكبرى التي تحكمها السلطة الفلسطينية حاليًا. وسوف ينظر معظم العالم إلى هذه النتيجة على أنها دولة واحدة (باستثناء غزة) حيث يفتقر 3 ملايين فلسطيني إلى حقوق المواطنة.

علاقات أمريكا وإسرائيل على المحك

بالنسبة للولايات المتحدة، هناك مصالح إنسانية جدية على المحك إذا ظل الفلسطينيون تحت السيطرة الإسرائيلية الدائمة، لكن من المرجح أن تتراجع المخاوف الإنسانية إلى الوراء، مانحة الأولوية لمصلحة أمريكية طويلة الأمد: ونعني بها الحفاظ على شراكة أمنية مع إسرائيل عند مستواها الحالي.

وفي رأي كتَّاب المقال – ومنهم إيفان جوتسمان المدير المساعد للسياسة والاتصالات بمنتدى السياسة الإسرائيلي – أن الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ستتعرض للتهديد بطرق متعددة إذا واصلت إسرائيل الانزلاق نحو اللاديمقراطية (غياب الديمقراطية). وتبقى المخاوف الأمنية المشروعة لإسرائيل قائمة بالطبع، حتى لو بدت إسرائيل أقل للغاية عما يجب أن تكون كدولة ديمقراطية كاملة. وستظل الولايات المتحدة مهتمة بقدرات إسرائيل على الدفاع عن النفس، لكن القيم المشتركة التي كانت دومًا أساس الشراكة بين البلدين ستتلاشى وتتبخر.

إن قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع مجموعة واسعة من التهديدات من الشرق الأوسط – مثل المنظمات الإرهابية بدءًا من «حزب الله» إلى «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، والدول العدوانية مثل إيران التي تسعى لحيازة أسلحة الدمار الشامل، وعدم الاستقرار والحروب الأهلية المتوطنة في العالم العربي – تكتمل وتتحسن بقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها ضد هذه التهديدات ذاتها. ويحتفظ محترفو الاستخبارات الأمريكيون والإسرائيليون بعلاقات عميقة تتسم بالثقة، وهو النوع الذي تتمتع به الولايات المتحدة مع حلفائها الديمقراطيين فقط. وحدوث انهيار في ديمقراطية إسرائيل من شأنه أن يعرض كل هذا للخطر.

ويرى كاتبو المقال – وأبرزهم دانييل ب. شابيرو، الأستاذ الزائر بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب والذي عمل سفيرًا للولايات المتحدة لدى إسرائيل في الفترة من 2011 حتى 2017، وكان ضمن فريق مجلس الأمن القومي خلال إدارة اوباما – بأنه علاوة على ذلك، يمكن للإدارات والكونجرس في الولايات المتحدة في المستقبل، حتى لو ظلوا ملتزمين بشدة بأمن إسرائيل، أن يشعروا، ولو كحد أدنى، بأنهم مضطرون لتقييد استخدام المساعدة الأمريكية بسبب فرض نظام غير ديمقراطي في الضفة الغربية.

والواقع أن الأعضاء الديمقراطيين في الكونجرس والمرشح الرئاسي السناتور بيرني ساندرز أثاروا بالفعل تساؤلات حول تخفيض المساعدات الأمريكية لإسرائيل أو ربطها بشروط، وستزداد هذه التساؤلات فقط في حالة حدوث الضم.

وترى المجلة المهتمة بالتحليلات السياسية الدولية أن العمليات التي تشنها إسرائيل لمواجهة التهديدات في سوريا ولبنان وإيران لن تتأثر بهذه القيود. لكن حساب مثل هذه الفروق – وطرح التساؤلات عن أين وكيف تنفق الدولارات، واستخدام المعدات، ونشر المعلومات الاستخباراتية – سيكون أمرًا معقدًا ومصدرًا للتوتر الثنائي (بين البلدين) إذا زاد تحرك إسرائيل في اتجاه غير ديمقراطي.

وبالتالي – وكما يصف مسؤولو القوات المسلحة والمخابرات الأمريكية بعض الأنشطة الإسرائيلية بأنها غير مؤهلة للحصول على دعم واشنطن – فإن علاقاتهم مع نظرائهم في إسرائيل ستتوتر بالتأكيد. فماذا سيحدث – على سبيل المثال – إذا أخبر الجيش الأمريكي إسرائيل بأنها لا تستطيع استخدام طائرات هليكوبتر زودتها بها الولايات المتحدة في عملية معينة؟

هل يتكرر سيناريو تركيا مع إسرائيل؟

يرى كاتبو المقال أنه عندما تتدهور الثقة بين المتخصصين في مجال الأمن، يتعرض التواصل للتأزم والاختناق في كلا الاتجاهين. وهذا السيناريو من شأنه تقويض الشراكة الإستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، والتي تعود بالنفع الهائل على البلدين.

ويجب على أولئك الذين يتخيلون أنه لا يمكن أن يحدث أي تآكل أو تدهور في العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل أن ينظروا إلى تركيا، وهي حليف لحلف الناتو، ولكنها أيضًا دولة ديمقراطية تتعرض للضغط. فلم يعد المسؤولون الأمريكيون يتمتعون الآن بأي قدر من الثقة التي كانوا يتمتعون بها مع نظرائهم الأتراك من قبل. وفي البلدان غير الديمقراطية مثل المغرب والأردن، حيث – على عكس تركيا – لا يزال التوافق الإستراتيجي مع الولايات المتحدة متينًا، يُقيد نطاق واستخدامات المساعدات والمعلومات الأمريكية بدرجة أكبر بكثير مما يحدث مع إسرائيل.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن هذه المواقف لا تتطابق مع الحالة الإسرائيلية بالضبط، إلا أنها تشير إلى أن الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تعتبر مهمة للولايات المتحدة لأسباب أخلاقية وإستراتيجية، ستضعف بشدة في حال تقييد المساعدات ونقص الثقة.

ويمكن لخطة إدارة ترامب والضوء الأخضر الذي تمنحه لخطة ضم الأراضي الفلسطينية، والذي من شأنه أن يُسرع بتراجع الطابع الديمقراطي لإسرائيل، أن يهدد في النهاية الدعم الواسع النطاق الذي تحظى به المساعدة الأمنية الأمريكية لإسرائيل، وهي النقطة النادرة التي تحظى بإجماع محلي من كلا الحزبين (الجمهوري، والديمقراطي).

واليوم ما زالت قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي والأغلبية من الحزبين في الكونجرس توافق على أن الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تستحق الاستثمار فيها، كما فعلت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عندما وقعت حزمة مساعدات أمنية بقيمة 38 مليار دولار مدتها 10 سنوات، وتستمر حتى عام 2028. وبموجب هذا الاتفاق تتلقى إسرائيل ما يقرب من 50% من جميع أموال المساعدات الأمنية الأمريكية.

ومع ذلك فإن المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق للمساعدة الأمنية، من المرجح أن تبدأ في السنوات القليلة المقبلة، وستكون أكثر صعوبة إذا مضت إسرائيل قدمًا في ضم أحادي الجانب وتحركات في اتجاه غير ديمقراطي. يُذكر أن اتفاق 2016، الذي لا يتضمن أي ربط بالممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، قد حظي بدعم من الحزبين، لكن هذا الاتفاق سيكون في خطر بعد الضم.

دراسة حديثة لخيارات مختلفة

يضيف الكُتَّاب الثلاثة: في دراسة حديثة، درسنا النتائج المحتملة لكل من السيناريوهات التالية: حل الدولتين، والوضع الراهن، وكونفدرالية إسرائيلية فلسطينية، تشترك فيها إسرائيل وفلسطين في المؤسسات الحكومية والحدود المفتوحة، على غرار الاتحاد الأوروبي، ودولة ديمقراطية أو ثنائية القومية، ودولة يهودية واحدة غير ديمقراطية؛ وخيار أردني، يكون الأردن بموجبه مسؤولًا عن الفلسطينيين، وقد يتحول إلى دولة فلسطينية، وخطة ترامب.

وخلصت الدراسة إلى أن خطة ترامب تدفع إسرائيل نحو نتيجة واحدة؛ الدولة الواحدة (الأحادية) غير الديمقراطية. إن التهديد الذي يمثله هذا السيناريو على العلاقات الأمنية الأمريكية – الإسرائيلية هو الأخطر على الأطلاق، لكنه يظل مجرد أحد الخيارات من بين عديد من العواقب الضارة للغاية، بحسب التحليل. 

إذا لم ينجح نتنياهو في النهاية في الحفاظ على منصب رئاسة الوزراء، فإن إدارة ترامب تشير الآن إلى أنها تعتزم المضي قدمًا في اقتراحها بصرف النظر عمن تؤول إليه مقاليد السلطة في القدس

وفي أعقاب الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، يمكن لنتنياهو أن يسعى إلى تفعيل الخطة وإحكام ضمها لحفز الدعم لتشكيل حكومة تحت قيادته، أو على الأقل وقف أي جهد لإصدار تشريع يحول دون استمراره في رئاسة الوزراء. وقد يحتاج إلى مجرد حفنة من أعضاء الكنيست لالتقام الطعم.

وتخلص المجلة إلى أنه حتى لو لم ينجح نتنياهو في النهاية في الحفاظ على منصب رئاسة الوزراء، فإن إدارة ترامب تشير الآن إلى أنها تعتزم محاولة المضي قدمًا في اقتراحها بصرف النظر عمن تؤول إليه مقاليد السلطة في إسرائيل. وصرح جاريد كوشنر لمجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي هذا الأسبوع، بأنه إذا لم يأت الفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات في غضون بضعة أشهر، فسيتم الضم في أقرب وقت ممكن.

ومع ذلك فإن عواقب مثل هذه الخطوة ستتجاوز المجال السياسي الداخلي الإسرائيلي لتصل إلى أساس العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويجب أن يعترف مؤيدو وجود علاقة قوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأن خطة ترامب تمثل خطرًا شديدًا، والاحتمال الواقعي للغاية أنها ستؤدي إلى إضفاء الطابع المؤسسي على حكومة غير ديمقراطية لا يمكن إنكار عدم ديمقراطيتها.

ويختم التحليل بالقول: إن الإبقاء على آفاق حل الدولتين على قيد الحياة، والذي من شأنه أن يحافظ على مكانة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، أمر ضروري لمستقبل العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن خطة ترامب قد تلحق بها أضرار جسيمة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هل يجب أن تبقى السلطة الفلسطينية على قيد الحياة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد