عندما يتعلق الأمر بالتمرد المسلح الذي تشهده سيناء، فقد بحث الجيش المصري طويلاً عن استراتيجية ناجحة للقضاء عليه، مثلما يفعل الرئيس المصري في إدارته لملف الاقتصاد المصري المتداعي.

هكذا بدأ الكاتب الصحافي عمرو خليفة مقاله في موقع «ميدل إيست آي»، الذي يتحدث فيه حول استراتيجيات ثلاث يمكنها القضاء على الإرهاب المسلح في سيناء، وفيما يلي الترجمة الكاملة للمقال:

كان أكثر من 50 جنديًا مصريًا قد قتلوا أو جرحوا هذا الشهر في هجوم لتنظيم الدولة، مما يستدعي إعادة تقييم للاستراتيجية المتبعة لمكافحة التمرد في سيناء.

ظهرت الجماعة في البداية تحت اسم «أنصار بيت المقدس» بعد الإطاحة بحسني مبارك من رحم القبائل التي ادعت تعرضها للاضطهاد على يد الحكومة المصرية. وقد ركزت الجماعة هجماتها في البداية على إسرائيل، ثم اكتسبت سمعة سيئة عقب تفجيرها خط تصدير الغاز المصري إلى كل من الأردن وإسرائيل.

لكن الجماعة حولت بوصلة هجماتها نحو قوات الأمن المصرية. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2014، أعلنت الجماعة ولاءها لتنظيم الدولة وغيرت اسمها إلى «ولاية سيناء»، ومنذ ذلك الحين، اشتعل التمرد المسلح على الحدود الشمالية من سيناء.

اقرأ أيضًا: «ساسة بوست» يستقصي: كيف تشكلت الحاضنة الشعبية لـ«ولاية سيناء»؟

واصلت الجماعة تنفيذ هجمات إرهابية بلا توقف. وفي كل مرة يقع هجوم ضخم، يكون من المتوقع أن يكون الرد حازمًا، لكن هذا لا يحدث. ولكن هناك حلولًا لهذا التمرد الذي امتد حتى وصل إلى دلتا النيل. علينا أن نتمعن في التاريخ العسكري، والأيديولوجيا، والجغرافيا وفوق كل شيء، التفكير بشكل منطقي.

تصاعد حدة العنف

ما انفكت الحكومة المصرية تعلن مرارًا أن تنظيم ولاية سيناء يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولكن منذ الانقلاب الذي قاده السيسي في 2013، تزايدت حدة الهجمات الإرهابية بشدة، سواءً على صعيد عدد العمليات المنفذة أو عدد القتلى الذين يسقطون فيها.

لكن عدد الهجمات انخفض العام الماضي من 225 هجومًا في الربع الثاني من العام إلى 209 في الربع الثالث، ليصل إلى 168 بحلول نهاية العام، ووفقًا لمؤسسة التحرير، فالسبب في ذلك هو أن التنظيم وسع خريطة عملياته لتشمل الأقباط المصريين.

بدأ الهجوم على المسيحيين في العريش في فبراير (شباط) المنقضي، مما سبب فرار الآلاف منهم وسط صمت تام من الحكومة. وفي أبريل (نيسان)، نقل التنظيم المعركة إلى دلتا النيل، ليشن عمليات كبر في طنطا والإسكندرية، فقتل 100 من الأقباط، من بينهم 40 سقطوا في هجوم واحد.

ولعل الاستخبارات الإسرائيلية قد تزعم أن الجيش المصري قد حقق سلسلة نجاحات ضد التنظيم، بمساعدة من الطائرات الإسرائيلية المسيرة. وعلى الرغم من انخفاض عدد الهجمات بحلول نهاية العام الماضي، فقد ارتفع عدد القتلى من المدنيين بنسبة 107% عن الربع الثالث من العام السابق.

الأرقام لا تكذب، وباتت البدائل المتاحة محدودة إزاء هذه الكارثة: فإما انتشار الذعر واستمرار اتباع نفس الحلول السطحية والتحدث عن انتصارات وهمية، أو تحمل المسئولية وتقديم حلول أفضل. من الأفضل لمصر تبني البديل الثاني، وبصراحة، لقد تأخرنا كثيرًا.

اقرأ أيضًا: الصدام يحتدم: قبيلة الترابين في مواجهة «ولاية سيناء»

كيف يمكن الانتصار؟

لماذا ننظر إلى تنظيم «داعش» في سيناء فقط عندما يكون الإرهاب قد ضرب أيضًا في القاهرة والغردقة قبل أيام؟ فمن الواضح أن التمرد – الذي لا يظهر أي علامات على التراجع – يتركز في شمال سيناء، حيث يبلغ عدد قوات الجيش المصري أكثر من 20 ألف جندي.

قد تكون الهجمات المسلحة تنتشر بشكل مثير للقلق للمراكز الحضرية في البلاد، ولكن الأسلوب الرئيسي المتبع يبقى حرب العصابات. ولكي نحقق الانتصار في سيناء، يجب هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية على ملعبه، باستخدام بعض استراتيجياته الخاصة.

قيل مرارًا إن جيشًا تقليديًا لا يستطيع أن يحارب العناصر غير التقليدية وغير الحكومية بشكل كبير لأن لديهم القدرة على الانتقال من حالة السكون إلى الاستعداد المسلح في الوقت والمكان الذي يختارونه وذلك لخبرتهم بمعالم المنطقة، لأنهم من السكان المحليين، فبوسعهم التخفي بين السكان واكتساب التعاطف لأنهم يفهمون المظالم المحلية.

ومع وضع هذه العوامل الثلاثة في الاعتبار، يمكن وضع خطة عمل أفضل. لماذا تسمح للمسلحين بنقل المعركة إلى التمركزات العسكرية الثابتة؟ الخطوة الأولى لكسب الحرب ضد داعش تنطوي على تنقل القوة القتالية.

1. ضمان التنقل المستمر للقوات

يجب أن تصبح نقاط التفتيش متنقلة بحيث تجعل من المستحيل على السكان المحليين المسلحين أن ينسقوا الهجمات ويحققوا انتصارات، ويجب أيضًا على الجيش أن يستخدم أفكارًا مبتكرة لوضع كمائن بدلاً من انتظار الهجوم.

وسواء كانت نقطة التفتيش في العريش أو الشيخ زويد أو رفح، يجب أن يجري نشر القوات الخاصة على مسافات مختلفة تبدأ من 100 و500 وألف متر من نقاط التفتيش، مع فرق عسكرية وأسلحة مناسبة الحجم، وتعمل كقوة حماية/هجوم مزدوجة لكل من نقاط التفتيش الثابتة والمتنقلة.

وبدلاً من أن تكون القوات النظامية غير مجهزة تجهيزا جيدًا، يجب أن تتعاون تلك القوات مع القوات الخاصة المدربة تدريبًا عاليًا على عدم التصدي للمهاجمين فحسب، بل وأيضًا مطاردة الخلايا الإرهابية وإخمادها. ومن شأن هذا التحول الاستراتيجي أن يقوض قدرة داعش على مفاجأة القوات التقليدية ويحتمل أن تبدأ في تغيير دفة القتال لصالح القوات الأمنية.

كما أن التغيير اليومي للطريق الذي تتخذه القوات العسكرية وقوات الشرطة سيعوق أيضًا فعالية القنابل المزروعة على جانب الطريق التي يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية.

اقرأ أيضًا: رسائل «ولاية سيناء» من استهداف أقباط العريش

2. كسب تأييد السكان المحليين

إن كسب قلوب وعقول السكان المحليين من شأنه أن يضعف قدرة داعش – بفضل معرفتها بجغرافية المنطقة – على الاندماج مع سكان سيناء. ومن الأهمية بمكان أن تفهم وكالات الاستخبارات ما يطلبه السكان المحليون وكذلك كيف تعمل الدولة الإسلامية بين الناس.

منذ ما يقرب من ثلاث سنوات – منذ مبايعة ولاية سيناء تنظيم الدولة الإسلامية – فقد استخدمت أسلوب العصا والجزرة بكفاءة عالية. معظمنا لا يسمع إلا عن العصا فقط، لأن الصحفيين لا يسمح لهم بدخول سيناء، إلا في حالات نادرة، ووسائل الإعلام الحكومية تقدم تغطية منحازة هدفها الدعاية، بدلا من المعلومات.

شاهد المصريون مقاطع فيديو لقطع الرؤوس وهدم المنازل التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية في محاولة لتخويف السكان المحليين والسيطرة عليهم. لكن الكثيرين لا يعرفون شيئًا عن كيفية قيام التنظيم بتعويض السكان المحليين عن فقدان المنازل التي هدمها الجيش عند البحث عن المسلحين أنفسهم.

كيف يمكن أن يبرر السيسي حالة الطوارئ التي لا تنتهي أبدا والتي تفشل؟ إن الحلول التقليدية بدون إعادة تخطيط لن يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك حول دوافع النظام المصري.

وبذلك، تقوم المجموعة بتحسين سمعتها في المنطقة والاستفادة من الحماس المحلي المحدود لجهود الجيش العشوائية التي أدت إلى عمليات الإخلاء القسري وفقدان المنازل والوظائف أثناء تدمير شبكات الأنفاق وإخلاء الأراضي.

يطبق تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء جهود التوعية الاجتماعية التي يطبقها في سوريا والعراق، ولا يتهاون في هذه الجهود حتى يترك بصمة دائمة، بما في ذلك توزيع الأموال في مظاريف تحمل «الدولة الإسلامية، ولاية سيناء» في الأسواق، وتقديم المساعدات الغذائية للأسر، وعلاج الأطفال.

المال يتحدث وداعش يحصل على ما يريد. هل نود الانتصار في معركة للقلوب والعقول؟ لا يمكن أن ينظر إلى الجيش على أنه الطرف الذي يدمر الحياة، فيهدم المنازل ويغلق المدارس ويقتل العائلة والأصدقاء. إن الجهود المحلية لإعادة بناء المدارس، وإنشاء برامج تدريبية صغيرة للأعمال التجارية، واستخدام المعاملة المتسامح عند نقاط التفتيش، ستقلب الطاولة على عدو ذكي.

3. استعادة الأراضي

مع تزايد الانتصارات العسكرية، وسع تنظيم داعش نفوذه، بما في ذلك استخدام نقاط التفتيش الخاصة به واستخدام «شرطة الأخلاق» باعتبارها قوة لتجفيف تجارة تهريب السجائر. المنتشرة هناك.

وما يثير السخرية هو أنه في حين أن جزءًا كبيرًا من تمويل ولاية سيناء جاء سابقًا من داعش، فمع خسائر التنظيم المتصاعدة في العراق وسوريا، بات يعتمد في عملياته والبرامج الاجتماعية التي ينظمها على الدخل من تجارة المخدرات من خلال سيطرته على المناطق الحدودية.

اقرأ أيضًا: بمَ يخبرنا فيديو قناصة ولاية سيناء «صاعقات القلوب»؟

وفي الواقع، فإن تنظيم الدولة الإسلامية يشارك في تجارة المخدرات، لدرجة أن إحدى أكبر القبائل البدوية في شمال سيناء – الترابين – شنت معركة ضد الجماعة ودعت قبائل أخرى في المنطقة إلى التوحد. يقول زاك جولد، وهو زميل غير مقيم في مجلس الأطلسي، إن تصدي قبيلة الترابين للتنظيم «ليس نابعًا من موقف وطني»، لكنها معركة على المكاسب غير المشروعة.

وعلى الرغم من أن القول أسهل من الفعل، فإن إنهاء سيطرة الدولة الإسلامية على هذه المناطق سيحقق هدفًا مهمًا بالنسبة لقوات الأمن: قطع التمويل عن العمليات الإرهابية التي ينفذها التنظيم.

بعيدًا عن المسكنات

إن التحول الاستراتيجي في عمليات الحماية والهجوم ضد العدو، ونهج الجزرة مع سكان سيناء الذين رأوا فقط العصا وقطع الأرزاق، كلها ضروريات لا اقتراحات.

إذا كانت الحكومة جادة في هزيمة داعش، فإن الأفكار موجودة. ولكن لا بد من توافر الإرادة السياسية والعسكرية لتنفيذها. حتى الآن، تمثلت سياسة الحكومة في: «نحتاج وحوشًا، إلى الأمام!».

إذا كنتُ متشككًا، قد أسأل: من دون وحوش مثل داعش، كيف يمكن أن يبرر السيسي حالة الطوارئ التي لا تنتهي أبدًا والتي تفشل؟ إن الحلول التقليدية بدون إعادة تخطيط لن يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك حول دوافع النظام المصري.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد