580

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا لِمارثا كرينشو، المختصة بدراسات الإرهاب وبروفيسورة العلوم السياسيّة في جامعة ستانفورد الأمريكيّة. وفي مقالها تُفكّر وتطرح بدائلَ غير الحل العسكري للتعاطي مع «القاعدة» و تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العالم، وفي الدول المسلمة على وجه التحديد.

التدخّل الغربي.. بوابة التطرّف

تنظرُ مارثا نحو المستقبل على أنه يحملُ المزيد من الصراعات المُحتملة التي تجمعُ الإرهاب العابر للحدود بالحروب الأهليّة، والمزيد من التعاون بين الجهاديين والمتمردين المحليين من غير الجهاديين، والمزيد من الانقسام والانتشار داخلَ العالم الجهاديّ، لا أقلّ من ذلك. سيكون مستحيلًا استئصال الإرهاب بالقوة العسكريّة –درسٌ يجب على أمريكا أن تكون قد تعلمته- ولكن البدائل الممكنة لإدارة أو احتواء التهديد قليلة. وفي هذه الحالة، تقترحُ مارثا التفاوض في هذه الأوقات: الولايات المتحدة جاهزةٌ لتدعم محادثات مع طالبان الأفغانية. يستحقُ الأمر التفكير فيما إذا كانت نَفس الروح التوفيقية –أو بلغة أدق: روح التنازل- قابلةً لتشمل مجموعات أخرى مُتعاونة مع «القاعدة» أو حتى مع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». الصراعات التي تضمّ جماعات جهادية تمرديّة تقاتل لإسقاط الأنظمة القائمة تتزايد بشكل ثابت في العقود الماضية.

تُجادل مارثا بأن التدخل العسكري في بلدان غالبيتها مسلمة كان أول ما أتاح الفرصة للجهاديين ليقاتلوا المُحتلين الأجانب «الكفّار» وعملاءهم المحليين، منذ الغزو السوفيتي لأفغانستان عامَ 1979، وحرب أفغانستان ما بعد 2001، ثمَّ لاحقًا الغزو الأمريكي للعراق عامَ 2003. وتُذكّر مارثا بأن «القاعدة» بدأت حراكًا لمقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان واكتسبت زخمًا لرفضها دعوةَ السعودية للولايات المتحدة لتُرسل قوات لحماية المملكة من العراق في التسعينيات.

بعد أن جلبت «القاعدة» القتال إلى الغرب في 11 سبتمبر (أيلول) 2011 ردَّت الولايات المتحدة وحلفاؤها الهجوم من خلال ما سمّوه «حربًا عالميةً على الإرهاب». وكان ذلك الصراع في نظر مارثا حافزًا لمُناصري الجهاديين بنفس القدر الذي كان فيه عقابًا لهم وتثبيطًا. في الحقيقة، حفّز ذلك نمو «القاعدة» باعتبارها قوةً عابرةً للحدود بالوكالة. ومن المثير للسخرية أن أول فرع لها شُكّل في العراق بعد 2003 كان مقدمةً لـ «داعش» التي انتشرت في النهاية عبرَ العراق وسوريا في 2014.

تستعرضُ مارثا فرعًا آخر: «القاعدة» في المغرب الإسلاميّ، تأسست عام 2007 وتتشكّل من جهاديين جزائريين وصارت الآن مصدرَ اضطراب شمالَ المغرب وفي منطقة الساحل.

العيش على الظلم

وأبعدَ من التدخّل الغربي في الشرق الأوسط، تنظرُ مارثا إلى الفشل السياسيّ المحلي باعتباره منجم ذهبٍ للجماعات الإرهابية. كانت الحروب الأهلية في الجزائر والبلقان حاضنات للتطرف. أعطى الربيع العربي المجموعات الإرهابية فرصةً لتموّل حروبها. على سبيل المثال، «اضطرابات» سوريا التي بدأت عام 2011 سمحت «داعش» أن تؤسس خلافةً إقليمية على امتدادات من العراق وسوريا. كان مُذهلًا زحفها العسكريّ بسرعة خاطفة على الجيش العراقي المدرّب والمسلّح أمريكيًا. ورغمَ أن المطامح الإقليمية للمجموعة قد أُحبطت –انتهت عمليات القتال الأساسية في 2018 وتقولُ الولايات المتحدة أن الحملة ضد «داعش» في آخر مراحلها- إلا أنَّ جرأتها أظهرت إمكان وقوع انتصار جهاديّ.

Embed from Getty Images

أفرادٌ من القوات العراقيّة يرفعون إشارة النصر في مدينة القائم بجانب الحدود العراقيّة السوريّة بعد استعادتها من «داعش».

لدى «داعش» ما يقارب 30 ألف محارب في العراق. وتقول مارثا بأنّ إسهامها الأساسيّ في القضيّة الجهادية في إعلانها الخلافة، على رغم ضعفها، لأنها ألهمت الإرهاب وجذبت المقاتلين الأجانب من كافة أنحاء العالم. واليوم يظلُّ الجهاديون لاعبًا أساسيًا في سوريا رغمَ أن المتمردين في تراجع حاد. لمجموعات مرتبطة بـ«داعش» تواجد قوي في أفغانستان، والجزائر، وبنغلاديش، ومصر، وإندونيسيا، والعراق وليبيا، ومالي والنيجر، ونيجيريا، وباكستان، والفلبين، وتونس، والصومال واليمن وغيرها. وإما بتوجيه من الدولة أو استلهامًا منها ضربَ المهاجمون بلجيكا وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وتركيا، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وروسيا، وأهدافًا أخرى.

وباختصار تقولُ مارثا إنّ الحركات الجهادية أثبتت بشكل ملحوظ مرونتها مع تقلبات وتحولات العقدين الماضيين. جزءٌ من السبب أنّ الجماعات الجهادية كانت قادرةً على الانتفاع من المظالم المتجذّرة في الصراعات المدنيّة، بالتحالف مع المتمردين المحليين الذين قد يكونون مُنجذبين بنفس القدر لموارد الإرهابيين ولمبادئهم الدينية. (على الرغم من أن الجماعات المحليّة تنحو للراديكالية مع دخول الجهاديين إلى المشهد). وتسوقُ مارثا ما حصلَ في الجزائر مثالًا على ذلك، بعد أن خسرت «القاعدة» مكانها هناك، نجحت «القاعدة» في المغرب الإسلامي في الانضمام إلى متمردي الطوارق الماليين ومعاونتهم، وهم مجموعة إثنية انفصالية بتاريخ طويل من معارضة سلطة حكومة مالي الضعيفة. كان التحالف على بعد خطوة من إسقاط النظام قبلَ تدخل القوات الفرنسية لتؤمّنه. فحافظت على الدولة الماليّة ودفعت العنف وراء الحدود: انتشر الصراع عبر الساحل إلى تشاد وساحل العاج وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر.

Embed from Getty Images

مدرعة لقوات ألمانيّة تابعة للأمم المتحدة تُساعد الحكومة الماليّة في مواجهة المتمردين.

تصفُ مارثا أن تمييز مكافحة الإرهاب من مكافحة التهرب في صراعات هجينةٍ كهذه مستحيل عندما يندمج الإرهابيّون الدوليّون بينَ المتمردين المحليين ومعهم مظالم مشروعة. ويستحيل أيضًا فصلُ أي استراتيجية عن المهمة الصعبة؛ بناء الدولة.

أما الأسلوب الذي تقترحه مارثا فهو أن تعتمد القوى المُتدخلة الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا على أن حلفاءها المحليين الذين هم في كثيرٍ من الأحيان شركاء في الحرب على الإرهاب ومصالحهم لا تتفق بالضرورة مع مصالح رعاياهم. لا يُنهي التدخلُ الخارجي –في معظم الأحيان- إلا أزمةً آنيّة ويترك المشاكل الأساسية التي حدث التدخل لأجلها غير محلولة بل حتّى مُتفاقمة.

بين داعش والقاعدة: خلافات الفكر والتنظيم والأيدولوجيا

بالوكالة.. جهاديون حول العالم

وفي عرض مارثا لأسباب صعوبة القضاء على «الإرهاب الجهادي» تذكر طبيعة الحركة الانتشارية والانتقالية. لا توجد وحدةٌ واحدة واضحة يمكن هزمها. حتّى الآن الصدع الأساسي بين «القاعدة» و«داعش»، ولكن الكثير من الخلافات والشقوق تفرّق الجهاديين. تقوّض الصراعات الداخلية على السلطة وحدة المجموعات، وكذلك الخلافات المذهبية والاستراتيجية.

وعلى سبيل المثال أصّرت «القاعدة» على أنّ إعلان «داعش» عن خليفة في 2014 كانَ مُبكرًا وغيرَ محسوب جيدًا. واعترض على بربرية «داعش» حتى أشدّ الجهاديين الملتزمين، ممن يعتقدون أن العنف أساسيّ للدفاع عن الإسلام أمام الغرب وأنّ الديمقراطية في جوهرها غير إسلاميّة. تعجرف المجموعة في الإعلان عن ردّة المسلمين ومن ثمّ تعرّضهم لحكم الإعدام كانَ سببًا آخر للخلاف وخاصةً بعد توسعه لاغتيال قادة مُنافسين.

Embed from Getty Images

أبو بكر البغدادي، خليفة تنظيم «داعش».

اندلع في العلن صراع «القاعدة» و«داعش» بعد 2014 وظهرت فروع «داعش» سريعًا في مناطق كانت تسيطر عليها القاعدة. تحدّت الدولة الإسلاميّة طالبان في أفغانستان وميّزت نفسها بمهاجمة المدنيين وتحديدًا الأقلية الشيعية في البلاد. وانفصلَ فصيلٌ من تنظيم «القاعدة» في المغرب الإسلاميّ ليصبح «داعش» في الصحراء الكبرى» وهاجم قوات أمريكيّة وسحب قوات أمريكية أخرى. وقررت حركة بوكو حرام في نيجيريا أن تنخرط في المنافسة الجديدة بالانشقاق مع «داعش» ما سبّب انشقاقات لاحقة.

ماذا عن تنظيم القاعدة؟ تقول مارثا أنّه يمرُ بانقسام داخلي بعد انفصال «القاعدة» الأم عن فرعها العراقيّ. وفي سوريا، انفصلت جبهة النصرة –ذات ولاءٍ قاعديّ- عن «القاعدة» الأم في 2016 بسبب سؤال إشكال إن كان النضال يجب أن يركّز على الأعداء «القريبين» أم «البعيدين». دائمًا ما أيّدت «القاعدة» جهودًا ثوريّة جهاديّة دولية، بينما فضّل فرعها السوري أن يُركز على سوريا. وبشكل مثير لقلق الولايات المتحدة وحلفائها عن انهيار المعارضة السوريّة تقوية موقف «القاعدة» الأم التي هي العدو الأساسي للغرب.

قد يُفسّر هذا الافتقار للوحدة بين الجهاديين إشارةً عن الضعف، وتسعى الحكومات لزرع الخلاف بين صفوف خصومها. «فرّق تسد» شعارٌ مفيد هنا، ولكن الواقع، وفقًا لمارثا، أنَّ الصراعات بين الفصائل المتمردة أو بين الفصائل الإرهابيّة غالبًا ما يجعل الصراع أكثر دموية وصعوبة. تنتقلُ مارثا إلى المفارقة: أن يكون التنظيم مكونًا من أجزاء متعددة قد يُساهم في بقائها ككل، ومع ذلك يمكن للنزاعات الداخلية أن تفتح أبوابًا لحلول سياسية.

خيارُ القتال بالقوّة محدودٌ بالنظر لقدرة الجهاديين على التكيّف والانتشار. أحدُ البدائل محاولة حلّ الأسباب الجذريّة للمشكلة بإزالة الظروف التي تجعلُ الجهاد جاذبًا. ولكن الأسباب المتعددة للعنف، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى وإن كانت مُمكنة التحديد فمعالجتها مسعًى مُكلف يحتاج قدرًا جيدًا من الصبر والمثابرة، ما يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية، كما تقول مارثا، لا تملك إلا القليل منه.

تقول مارثا إن الاستراتيجية المثلى على المدى القصير بالمفاوضات التي قد تكون خيارًا صالحًا تحت الظروف الصحيحة. النظرة التقليدية للجهادين أنهم بشكل عام لا يقبلون المساومة. وتعرض مارثا وجهة نظر دانيال بنيامين وستيفن سايمون، وكلاهما مسؤولان سابقان في الحكومة ومؤلفا كتاب «عصر الإرهاب المقدّس»، يُجادلان بأنّ الإرهابيين اليوم لا يريدون الجلوس على الطاولة بل يريدون تدميرها. وبعض الجهاديين كذلك بالفعل. أشد الجماعات الجهادية تطرفًا في سوريا رفضت أي تنازلات –بما في ذلك وقف إطلاق النار للحفاظ على أرواح مدنيين- حتى لو كانوا سيواجهون هزيمةً مؤكّدة.

لكن الأمور لا تسير دائمًا على هذا الحال، تذكرُ مارثا أن بعضَ المجموعات المعتدلة نسبيًا من مخيم الجهاديين تعقدُ الصفقات. مثلَ أحرار الشام (مجموعة حليفة –أحيانًا- لجبهة النصرة) التي التحقت بتركيا للمفاوضات مع روسيا وإيران. حتّى جبهة النصرة –المُتشددة- مُنقسمةٌ على ذاتها حولَ إذا ما كانت ستتعاون مع جهود تركيا لتوحيد المعارضة السورية.

أبعدَ من ذلك: المنظمات المتمردة يُمكن تقويضها والالتفاف عليها إذا قُدّمت عروض استرضائية لأفراد من أعضائها. في الحرب الأهلية في الجزائر قدّمت الحكومة الحصانة لأفراد متمردين وقادت بذلك كثيرًا منهم ليُسلّموا للدولة أو لينبذوا القتال. وبمواجهة الحركة المتضائلة لهجوم عسكريّ قوي نَمت بطريقة أكثر عشوائيّة ووحشيّة حتى تم استبدالها من الداخل بقادتها الذين كانوا يُعارضون إيذاء إخوانهم المسلمين. وهنا قفزت الجماعة الجديدة في جيب القاعدة.

تؤكّد مارثا –دونَ شك- بأنّ «القاعدة» و«داعش» ليستا حركة طالبان، وأنَّ طالبان اليوم تختلف عن المنظمة التي آوت أسامة بن لادن قبل أحداث سبتمبر. فطالبان لديها اليوم قيادة جديدةٌ ولم تَرعَ الإرهاب الدوليّ ضدّ الولايات المتحدة، وتُهاجم أهدافًا عسكريةً في أفغانستان على العموم. لا يعني هذا أن تكون الولايات المتحدة مشوّشة إزاء أهداف طالبان الكبرى، ولا يعني أن تنسى أنّ «القاعدة» مُناصرةٌ بولاءٍ لطالبان. ولكن ببساطة، ترى مارثا أنه لا بديل عن شيءٍ من التسوية في أفغانستان. نفسُ المنطق يمكن أن يُطبق على جماعات جهاديّة أخرى مُتحالفة مع القضية الجهادية. وفي أسوأ الأحوال يجبُ حساب كُلف وفوائد الانخراط في معركة.

Embed from Getty Images

أفراد من جماعة طالبان في أفغانستان.

خلاصة ما تُجادل به مارثا أنّ الهزيمة العسكرية لـ«داعش» في سوريا، وحتّى في العراق، لا تعني نهاية الإرهاب والتطرف. توعدت «داعش» بمتابعة نضالها ودعت لهجمات في الغرب. وتنتفع «القاعدة» وشبكة حلفائها من سقوط المنافس الأكبر في الشرق الأوسط.

لم تُحل معظم المشاكل الأساسية التي أدَّت لصعود المنظمات الجهادية. لا توجد طريقةٌ سهلة للتعاطي مع تهديد مُعقّد ومُكلف ومتطاير. ولكن الأمر يستحقُ التفكير في كافة الخيارات بما فيها المفاوضات مع أطراف محدّدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك