تناولت تقارير الأسبوع الماضي، طلب السلطات الروسية من تطبيق المواعدة «تيندر» تسليمها الصور والرسائل التي يتبادلها المستخدمون الروس، وترى مجلة «فورين بوليسي» في تقريرٍ عن الأمر أنَّ هذا الخبر يُمثل المرحلة الأخيرة في مراحل تضييق الخناق على حرية التعبير التي يُطبقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بلده، وهو الأمر الذي اتخذ منعطفًا «سخيفًا» في الآونة الأخيرة في رأي المجلة.

يشير التقرير إلى أنه في العام الماضي، ألغت السلطات حفلاتٍ لعشراتٍ من مغنيي الراب والهيب هوب الروس، وذلك لحماية الشباب من المحتوى غير الأخلاقي على حد قولها. وفي أبريل (نيسان) الماضي، غُرِّمَ رجلٌ وصف بوتين بأنَّه «معتوه إلى درجةٍ مذهلة»، إذ كان ذلك انتهاكًا لقانونٍ جديد يحظر الإساءة إلى السلطات.

ووفقًا للموقع الإخباري الروسي «ميديا زونا»، فقد نظَّم المكتب الإقليمي، التابع للهيئة الروسية الحكومية للرقابة على الاتصالات (الروسكومنادزور)، في مدينة كوستروما، تدريبًا للصحافيين المحليين في الأسبوع الماضي على تغطية المواضيع الحساسة، مثل المخدرات، والانتحار، والإساءة إلى السلطات.

«فورين بوليسي»: ماذا تعرف عن اضطهاد بوتين لـ«التتار المسلمين» في القرم؟

ولأنَّ ذكر التفاصيل في طرق الانتحار ممنوع في روسيا، فقد أُعطي الصحافيون ما يشبه دليلًا للتعامل مع مثل هذه الأخبار، تفاديًا لانتهاك القانون. ومما جاء في الدليل أن يكتب الصحافيون «وفاة رجل في حادث بعد أن صدمه قطار» في حال كان ذلك الرجل قد انتحر.

وبحسب المجلة، «تيندر» ليست شركة التكنولوجيا الغربية الأولى التي تواجه تدقيقًا من الهيئة الروسية للرقابة على الاتصالات، والتي اضطلعت بدورٍ رقابي ازداد قوةً في الأعوام الأخيرة. ففي عام 2016، حُجب موقع التواصل الشبكي «لينكد إن» في روسيا بعد رفضه تخزين بيانات المستخدمين الروس في البلاد. وفي بيانٍ صدر وقتها وأوردته المدونة الإلكترونية «تك كرانش»، أُفيد بأنَّ موقع «لينكد إن» قد امتثل لكافة القوانين النافذة، إلا أنَّ الشركة لم تتمكن من التوصل إلى تفاهمٍ مع مكتب هيئة الرقابة لرفع الحجب.

وفي أبريل (نيسان)، فُرضت على موقع تويتر غرامةٌ بقيمة 46 دولارًا لرفضه أن يكشف للسلطات مكان تخزين بيانات المستخدمين الروس.

لكنَّ فكرة خوض مسؤولي الاستخبارات في رسائل المستخدمين الروس على تطبيق «تيندر» تحديدًا، تبدو مثيرةً للدهشة في رأي المجلة. إذ إنَّه ليس مكانًا لتبادل الآراء السياسية، ناهيك عن الآراء أو الأفكار التي قد تقوّض النظام.

القمع يصل إلى المواعدة على «تيندر»!

بحسب المجلة، كان من الإجراءات الأولى التي اتخذها بوتين عندما صعد إلى السلطة عام 2000، إسكات الصحافة والإعلام المُستقل. إلا أنَّ شبكة الإنترنت ظلت كما هي إلى حدٍّ كبير لسنوات، وازدهرت فيها ثقافة إلكترونية قوية.

وعندما عاد بوتين إلى الرئاسة عام 2012، بعد أن تبادل هو ورئيس الوزراء الحالي ديمتري ميدفيديف منصبيهما لفترةٍ واحدة، قُوبل بأكبر احتجاجاتٍ في الشوارع شهدتها روسيا منذ عقود. وبعد إخضاع وسائل الإعلام التقليدية خلال الفترتين الأوليين لبوتين، مرر البرلمان مجموعةً من القوانين غامضة الصياغة تتراوح ما بين غريبة إلى تعسفية.

أشار التقرير إلى أنَّ رايتشل دنبر، نائبة مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، تُصنِّف تلك القوانين إلى قسمين رئيسيين. تقول دنبر: «إنَّها سيطرة من أجل هدفٍ مزعوم وهو مكافحة التطرف، ثم الهدف الآخر وهو فرض الالتزام والأعراف الثقافية والقيم التقليدية، تحت مُسمى حماية الأطفال والأسرة، وحماية الأخلاق».

إذ فُرض حظرٌ على الصعيد الوطني على أشكال الدعاية للمثليين «أو أي مناقشات في قضايا المثليين والمثليات، ومزودجي الميل الجنسي، ومغايري الهوية الجنسية، وغيرهم بالقرب من القُصَّر»، وصارت الرقابة على تداول أخبار الانتحار مُشددة للغاية، ووُصمت المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلًا أجنبيًّا وتنخرط في الأنشطة السياسية بالعملاء للأجانب. وبموجب قانون عام 2013، صار بالإمكان سجن الأشخاص الذين يُهينون المتدينين.

أما في مطلع هذا العام، فقد اعتمد بوتين مقترحين قانونيين يفرضان غرامةً على نشر الأخبار الكاذبة أو ازدراء السلطات.

Embed from Getty Images

قوانين غامضة

أشارت المجلة إلى أنَّ تانيا لوكوت، الأستاذة المساعدة في جامعة مدينة دبلن، والتي تدرس حرية الإنترنت وشؤون الحكم في روسيا، علَّقت على تلك القوانين قائلةً: «ما عدد الأساليب المُبهمة التي تحتاجها لمقاضاة الأشخاص عندما يقولون أشياء لا تعجبك؟».

لكن بحسب التقرير، يشك الخبراء في نية السلطات الروسية وقدرتها على تطبيق هذين القانونين بالكامل في أنحاء البلاد. ومع ذلك يظل تأثيرهما قائمًا في ما يتعلق بإخافة المواطنين. إذ يُميز هذين القانونين غموضٌ كفيل بتمكين السلطات الروسية من ملاحقة أي شخص تقريبًا بسب تصريحاتٍ قالها، سواءٌ على شبكة الإنترنت أو خارجها.

وتقول تانيا: «عندما تُبقي الناس حذرين ومتحفزين، لا يعرفون ما يمكن أن يتوقعوه منك، تكون السيطرة عليهم في غاية السهولة». وتفيد المجلة بأنَّه في حين تمكن نظام الرقابة الشامل المفروض في الصين من مواكبة تطور الإنترنت، ما يزال نظيره الروسي متأخرًا.

وتضيف تانيا معلقةً على ذلك الأمر: «لقد بدأوا للتو يدركون ماهية الإنترنت وكيفية عمله؛ أنَّه ليس مجرد محتوى معروض ومعلومات تُبث، لكنَّه بنية تحتية كذلك. ومن أجل التحكم في شبكة الإنترنت في روسيا، عليك أن تتحكم كذلك في البنية التحتية».

لذا، فإنَّ القانون الروسي اتجه إلى الاهتمام بالجزء التقني في السنوات الأخيرة، بينما كان النظام يبحث عن طرقٍ لفرض سيطرةٍ أكبر على الشبكات والبيانات. إذ حظر التشريع الذي اعتُمد عام 2017 الشبكات الخاصة التي يمكنها إخفاء نشاطات التصفح، وخدمات الرسائل مجهولة الهوية. ما جعل المسؤول عن تلقِّي شكاوى شبكة الإنترنت في روسيا، والذي يعينه بوتين، يصف القانون بأنَّه «جنوني».

وكجزءٍ من السياسة الجديدة المُطبقة على تطبيق «تيندر»، أعلن مكتب الروسكومنادزور أنَّه أضاف التطبيق إلى سجل «شركات نشر المعلومات»، والتي تشمل خدمات تبادل الرسائل. وبحسب المجلة، فإنَّ المواقع أو التطبيقات المُدرجة في هذه القائمة يتوجب عليها تخزين الرسائل التي يتبادلها المستخدمون على الخوادم الروسية لستة أشهر على الأقل. ويتوجب عليهم أيضًا تسليم تلك المعلومات إلى أجهزة الأمن إذا طُلب منهم.

ويوم الخميس الماضي، نقلت وكالة الأنباء الحكومية في روسيا «تاس» عن ألكسندر زهاروف، مدير الروسكومنادزور، قوله إنَّ تطبيق «تيندر» أوضح استعداده منح البيانات التي يملكها إلى أجهزة الأمن. لكنَّ الشركة المسؤولة عن التطبيق لم تستجب لطلبات مجلة «فورين بوليسي» بالتعليق على المسألة.

Embed from Getty Images

ماذا عن الشركات الكبرى؟

بحسب التقرير، أفاد نايت شينكان، مدير قسم الأبحاث الخاصة بمؤسسة «فريدوم هاوس»، بأنَّه على الغرب أن يتوخى الحذر من انخراط السلطات الروسية في مثل تلك المسائل، موضحًا: «ينبغي فحص أي طلبٍ مُقدم، لاحتمال استغلاله في الملاحقات السياسية أو أي اعتداءات أخرى».

وتضيف المجلة أنَّ تلك القوانين الروسية تثير مشكلاتٍ معقدة لشركات التكنولوجيا الغربية، بينما تواجه تدقيقًا متزايدًا في بلادها من أجل حماية بيانات المستخدمين.

ففي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أشارت شركة «آبل» -التي تدَّعى تأييدها لخصوصية المستخدم في الولايات المتحدة- إلى أنَّها ستمتثل لقوانين تخزين بيانات المستخدمين الروس على خوادم البلد، وإمكانية اطلاع الأجهزة الأمنية على البيانات الخاصة لآلافٍ من عملاء «آبل» الروس.

وتشير المجلة إلى أنَّ حجب موقع «لينكد إن» عام 2016 فُسّر بأنَّه تحذيرٌ للشركات الأكبر من مخاطر عدم امتثالها للقانون.

ولم يتضح بعد كيف سيسير الأمر مع الشركات العملاقة مثل فيسبوك وتويتر، اللتين التزمتا الصمت بشأن خططهما. وتعتقد المجلة أنَّ موسكو على الأرجح ترغب في انصياع هاتين الشركتين للقوانين الروسية، إلا أنَّها ستواجه صعوباتٍ إذا حاولت حجبهما.

إذ تقول تاتيانا ستانوفايا، مؤسسة مركز الأبحاث «آر بوليتيك»، إنَّه فيما يتعلق بمواجهة عمالقة التقنية، صار الكرملين أسير سياسته الخاصة، وأوضحت: «لا يرغب الكرملين في حجب موقع فيسبوك. أظن أنَّه صار مفهومًا أنَّ هناك جيل جديد من الروس قد كبر ويعيش في شبكة الإنترنت. قد تحدث ثورة إذا حُجبت عنه تلك المواقع».

تطبيقات المواعدة.. هل جعلت التكنولوجيا حياتنا العاطفية أسهل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد