أدَّت قطر دورًا رئيسًا في الجسر الأمريكي الجوي، وكان هذا دليلًا إضافيًّا على أن هذه الدولة الغنية بالغاز تتفوق على المسرح العالمي على الرغم من صغر حجمها.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لبن هوبارد، مدير مكتبها في العاصمة اللبنانية بيروت، تحدث فيه عن الخطوات المتسارعة والمبادرات الذكية التي تتخذها قطر والتي تفسح لها مجالًا كبيرًا واسعًا في عالم السياسة الدولي على الرغم من حجمها الصغير.

استهل الكاتب تقريره بالقول: بينما طغت الفوضى العارمة على جهود الولايات المتحدة في لحظاتها الأخيرة في أفغانستان من أجل إجلاء أكثر من 120 ألف شخص من مواطنيها وشركائها الشهر الماضي، وجدت دولة صغيرة وثرية نفسها فجأة في موضع استثنائي يسمح لها بتقديم يد العون للجميع، مع أن هذه الدولة كان عديد من الأمريكيين يكادون يجدون مكانها على الخريطة بشق الأنفس، بحسب الكاتب.

دولي

منذ 3 أسابيع
«واشنطن بوست»: لماذا فشلت أمريكا في إقامة نظام ديمقراطي في أفغانستان؟

واستقبلت قطر، شبه الجزيرة الرملية الجافة بسبب أشعة الشمس والتي تقع على الخليج العربي، حوالي 60 ألف أمريكي وأفغاني، أي أكثر مما فعلت أي دولة أخرى. وبفضل علاقاتها مع كلٍّ من الولايات المتحدة، تستضيف قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، ومع طالبان أيضًا، يمكن لقطر أداء دور قوي بصفتها وسيطًا بين أفغانستان الجديدة التي تحكمها طالبان وبين الغرب.

ويبدو أن هذا البلد الغني بالغاز الذي لطالما استخدم ثروته الهائلة لأداء دورٍ «أكبر من حجمه الحقيقي» يحظى بلحظته المميزة اليوم في دائرة الضوء العالمية.

صعود قطري على مختلف الأصعدة

يلفت التقرير إلى أنه في الوقت الذي تقدم فيه قطر أطنانًا من المساعدات الغذائية والطبية لأفغانستان، وتستضيف وزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين، اللذين توجَّهَا إلى قطر هذا الأسبوع، فقد حققت إنجازًا آخر لافتًا للانتباه في عالم كرة القدم؛ إذ وقَّعت عقدًا مؤخرًا مع أحد أساطير كرة القدم، ليونيل ميسي، وضمَّته إلى فريق باريس سان جيرمان الذي تمتلكه (يمتلك ناصر الخليفي، ملياردير ورجل أعمال قطري ورئيس شبكة بي إن سبورت ورئيس رابطة الأندية الأوربية، نادي باريس سان جيرمان الفرنسي). كما تستعد البلاد لاستضافة كأس العالم لكرة القدم العام المقبل. 

Embed from Getty Images

يقول مايكل ستيفنز، الزميل الأول في معهد أبحاث السياسة الخارجية والخبير في السياسات الخليجية: «لطالما أرادت قطر أن تكون لاعبًا عالميًّا سواءً من خلال استضافة أحداث رياضية ضخمة أو التعاقد مع لاعبين كبار أو تقديم نفسها بوصفها محورًا إقليميًّا للسياسة والدبلوماسية العالمية. ولم تُوفق دائمًا في تحقيق هذا التوازن على النحو المناسب، ولكن يبدو هذه المرة أنها قدَّمت المبادرات الصحيحة في الوقت المناسب».

وقد نالت المساعدة القطرية في الجسر الجوي الأفغاني استحسان الرئيس بايدن، ووصل كل من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن إلى العاصمة القطرية الدوحة يوم الإثنين وتناولا طعام العشاء مع أمير البلاد البالغ من العمر 41 عامًا، الشيخ تميم بن حمد آل ثانٍ. 

وقال السيد بلينكن في مؤتمر صحفي عُقد يوم الثلاثاء: «بذل عديد من الدول جهودًا للمساعدة في جهود الإخلاء والنقل في أفغانستان، لكن ليس هناك دولة فعلت أكثر مما فعلت قطر». وأضاف: «لم تكن الشراكة بين قطر والولايات المتحدة يومًا أقوى مما هي عليه الآن». ووصف وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثانٍ، الذي كان يقف بجانبه، الولايات المتحدة بأنها «أهم حليف لنا».

تحوُّل في العلاقات الأمريكية القطرية

يرى الكاتب أن هذه اللحظة المشرقة، التي كانت ترفرف فيها الأعلام الأمريكية إلى جانب الأعلام القطرية، قد مثَّلت تحولًا كبيرًا للغاية في العلاقات الثنائية بين البلدين على نحو مختلف تمامًا لما كانت عليه الحال مع الإدارة السابقة التي دعمت في البداية حصارًا ضد قطر بقيادة السعودية والإمارات والبحرين ومصر. واتَّهمت هذه الدول، بدعم من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قطر بدعم الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية لدول عربية أخرى، وهي الاتهامات التي نفتها قطر. وجدير بالذكر أن ذلك الحصار قد أُنهِيَ في وقت مبكر من هذا العام قبل تنصيب بايدن رئيسًا للبلاد.

والآن أصبحت علاقات قطر مع الأطراف المتطرفة مثل طالبان وإيران، هي نفسها العلاقات التي تسببت في توجيه الاتهامات لها بدعم الإرهاب؛ إنها ميزة لا تقدر بثمن، إذ تسمح لقطر بلعب دور الوسيط والترويج لما يسمى بـ«الدبلوماسية الوقائية».

Embed from Getty Images

وقالت مساعدة وزير الخارجية القطري، لولوة الخاطر، في مقابلة معها: «يسمح لك أحيانًا الحجم الصغير بلعب هذا الدور بالضبط لأنك لا تهدد أحدًا. إنها دولة صغيرة لا تُقلق أحدًا، ولن نشن حربًا ضد أي أحد». وتشارك قطر، التي يبلغ عدد سكانها 300 ألف مواطن، إيران حقلَ غازٍ طبيعي ضخمًا منحت عائداته شعب قطر دخلًا يزيد عن 90 ألف دولار سنويًّا للفرد الواحد، وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم، وفقًا لكتاب حقائق العالم الذي تصدره وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

قطر على المسرح العالمي

يلفت التقرير إلى أن قطر استخدمت هذه الأموال لتمويل رؤيتها للمنطقة والترويج لها، رؤية تشمل الإسلاميين السياسيين، من خلال قناة الجزيرة، وشبكة الأقمار الصناعية التي تمتلكها. وكذلك من أجل تقديم العرض الناجح لاستضافة كأس العالم 2022. وحافظت قطر على علاقات جيدة مع مجموعة من الجماعات الإسلامية، بما فيها حماس في غزة والإخوان المسلمين في مصر وطالبان في أفغانستان.

وأثبتت هذه العلاقات فائدتها للغرب الذي اعتمد عليها للتفاوض بشأن إطلاق سراح الرهائن في دول مثل سوريا. كما استضافت قطر محادثات السلام مع طالبان، التي فتحت مكتبًا لها في الدوحة عام 2013 بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة، بحسب الكاتب.

ووُقِّع اتفاق إدارة ترامب مع طالبان الذي يحدد جدولًا زمنيًّا للانسحاب الأمريكي في الدوحة العام الماضي. ومنذ إخلاء السفارة الأمريكية في كابول الشهر الماضي، نقلت الولايات المتحدة عملياتها الدبلوماسية الأفغانية إلى الدوحة. وقال السيد ستيفنز: «ليس هناك شك أنهم أدُّوا دورًا جيدًا، وشعروا أن هذا الأمر جعلهم حليفًا مفيدًا للغرب ومحاورًا أيضًا في القضايا الإقليمية الأوسع، وهذا ما أرادوه دائمًا». 

Embed from Getty Images

وقال مسؤولون قطريون إن قطر قدَّمت في الأيام الأخيرة 68 طنًا من المساعدات الغذائية والطبية للعاصمة الأفغانية كابول. كما سافر مسؤولون وفنيون قطريون إلى كابول للقاء طالبان والعمل مع نظرائهم في تركيا بشأن كيفية إعادة فتح مطار المدينة الدولي.

وقالت السيدة لولوة الخاطر إن قطر تستخدم نفوذها للضغط على طالبان للوفاء بتعهداتها بأن تصبح أكثر اعتدالًا ووسطية. وأضافت: «نحاول أن نشجع طالبان على أن تشكِّل حكومة أكثر شمولية تمثِّل الجميع. أما فيما يخص تمثيل المرأة، فلسنا متأكدين من أن هذا الأمر سينجح، ولكن على الأقل نحن ندفع باتجاهه». 

وقدمت طالبان من جانبها تأكيدات علنية بأنها ستمنح عفوًا لمسؤولي الحكومة السابقة وجنودها، وستسمح للنساء بالعمل والدراسة، والأنشطة التي كانت محظورة إلى حدٍّ كبيرٍ في ظل حكومة طالبان السابقة من عام 1996 إلى 2001 التي فرضت تفسيرًا صارمًا ووحشيًّا للشريعة الإسلامية. 

وسنرى في الأيام القادمة المدى الذي ستصل إليه طالبان للوفاء بهذه الوعود. ولم تُعيِّن الجماعة حكومة كاملة بعد، وقمعت بعنف احتجاجات النساء في كابول. وفي أجزاء أخرى من البلاد، اتُهم مقاتلوها بتعقب أعدائهم القدامى ومطاردتهم من منزل إلى آخر. 

مشكلات الإخلاء في قطر

ولا تزال قطر تتحمل تبعات الإخلاء في داخل البلاد؛ إذ إنه في حين أن ثلثي الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم قد انتقلوا إلى بلدان أخرى، لا يزال حوالي 20 ألف شخص في قطر وهي التي توفر لهم الطعام والرعاية الطبية. 

وأُسكِن بعض هؤلاء الأشخاص، بمن فيهم الأفغان الذين عملوا في مؤسسات إعلامية مثل «نيويورك تايمز»، في فيلات جديدة تمامًا بُنيت لكأس العالم. ولكن معظم الذين أُجلوا من أفغانستان يعيشون في قاعدة العُدَيد العسكرية التابعة للولايات المتحدة، حيث كان الازدحام ودرجات الحرارة المرتفعة والمرافق الصحية المحدودة من المشكلات الرئيسة التي يعاني منها الناس هناك. 

دولي

منذ 3 أسابيع
مترجم: هل يستطيع بايدن حل مشكلة اللاجئين الأفغان؟

وقالت السيدة لولوة إن هذه المشاكل قد حُلَّت وأن الحكومة القطرية والجمعيات الخيرية المرتبطة بها بنَت مزيدًا من أماكن الإيواء ودورات المياه والعيادات الميدانية، وتوفر أكثر من 55 ألف وجبة طعام يوميًّا. 

ويختم الكاتب تقريره مع السيد ستيفنز الذي قال إنه من غير الواضح متى ستجني قطر ثمار مساعدتها في أفغانستان، ولكنها مثل جميع دول الخليج تبحث عن طرق لرفع مكانتها لدى واشنطن. وأضاف: «إنهم جميعًا يريدون أن يكونوا في حسابات بايدن الجيدة. فهم يعلمون أن هذه الإدارة ليست مهتمة كثيرًا بدول الخليج؛ لذا فهم يريدون أن يقدِّموا أنفسهم بوصفهم قوةً إضافيةً وليس مصدرًا للمشكلات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد