يكتسب الإنسان اللغة دائمًا عبر السماع، فيتكلم الطفل تلقائيًا بلغة والدته، وهي اللغة التي تصاحبه طوال حياته تحت اسم «اللغة الأم»، وفي معظم الأحوال يكون لدى الأطفال قدرة كبيرة على تعلم واكتساب اللغة، ولكن رغم ذكاء الأطفال وثراء مواهبهم في هذا التعلم، إلا أنه يتم بشيء من التعقيد في طرقه ووسائله.

هذا الموضوع تناولته الأستاذة الجامعية كاثرين وايت في مقال نشره موقع «ذا كونفيرزيشن»، وتحدثت بشيء من التفصيل حول الطرق المختلفة التي يستوعب بها الأطفال الكلمات التي يسمعونها، خلال سنوات النمو الإدراكي والعاطفي والاجتماعي.

تقول كاثرين: عندما نتدبر في كيفية تعلم الأطفال للكلمات، قد يخطر على بالنا هذا النوع من السيناريو: حين يشير شخص بالغ إلى كائن ما (على سبيل المثال: كلب) فيقول بوضوح كلمة واحدة وهي: (كلب!)، فإن الطفل يعي على الفور ماذا تعنى الكلمة.

غير أن كل شيء تقريبًا عن هذا السيناريو يعتبر خاطئًا! بحسب الكاتبة، فمعنى الكلمة لا يكون واضحًا تمام الوضوح. ذلك أن معظم الكلمات تأتي وسط جمل طويلة دون أي مسافات قبلها أو بعدها، مما يعني أن بداية الكلمة أو نهايتها ليست واضحة. وإدراك الأطفال لمعاني الكلمات يأتي على مدى فترة زمنية أطول، ولا يفهمون الجملة كاملة في الحال.

وتتحدث الكاتبة عن البحث الذي أُجرِي في مختبر تنمية اللغة عند الأطفال في جامعة ووترلو، حول كيفية تعامل الصغار مع جانب معقد آخر من تعلم الكلمات، ألا وهو: اختلاف الألسن وتنوع أساليب التعبير.

كيف تربي طفلك على الذكاء العاطفي؟ 5 نصائح تشرح لك

الأطفال يفهمون بعضهم البعض

يشير هذا التنوع اللغويّ إلى حقيقة أن كلمة مثل «كلب» تُنطَق بشكل مختلف في كل مرة نسمعها. حتى الشخص الواحد من الممكن أن يتكلم بها بطريقة مختلفة في كل مرة، فيمكن أن يتحدث بطريقة سريعة أو بوتيرة بطيئة، ومن الممكن أن يهمس بها مرة وأن يصرخ بها مرة أخرى. وهكذا يتنوع النطق أكثر باختلاف المتحدثين.

وتشرح الكاتبة قائلة: عندما يستمع الكبار إلى اللغة، يكون هذا التباين والاختلاف في نطق الكلمات ومعانيها معقدًا بدرجة كبيرة حين نتعامل معه، تخيل طفلًا رضيعًا أو فتى صغير السن لا تزال معرفته اللغوية في مرحلة النمو يواجه هذا التباين.

Embed from Getty Images

وتؤكد أن إحدى الفئات التي تنطق الكلمات بشكل مختلف للغاية هم الأطفال. فعلى سبيل المثال، عندما يقول طفل صغير كلمة، مثل «Flower» يمكن أن تكون مختلفة تمامًا عن طريقة نطقها من البالغين، وقد تبدو أشبه بـ«Fowa».

مع هذه التغييرات وحذف الأصوات، ليس من الغريب أن يفهم الآباء أطفالهم بشكل أفضل من البالغين الآخرين (لأن الأطفال قد يقومون بتغييرات مختلفة عن بعضهم البعض).

ثم تتساءل الكاتبة: لذلك، هل يمكن للمتعلمين الصغار التعرف على الكلمات التي ينطق بها الأطفال الآخرون؟

وللإجابة عن هذا السؤال، قالت الكاتبة: لمعرفة ما إذا كان الأطفال الصغار يفهمون كلمة مثل «Flower»، يمكن اتباع الطريقة التالية: إظهار صور لهم، ربما صورة زهرة وحذاء، ثم تشغيل تسجيل يطلب منهم النظر إلى الزهرة، حتى يدرك الطفل معنى الكلمة.

لقد اكتشف الباحثون أن الأطفال الذين يبلغون عامين يجدون صعوبة في إدراك كلام الأطفال الصغار. بمعنى آخر، عندما يسمعون طفلاً ينطق «Fowa»، قد لا ينظرون إلى الصورة الصحيحة.

في الواقع، هذا صحيح حتى لو سمعوا أصوات أنفسهم! وهذا يعني أنه على الرغم من أن الأطفال الصغار يخطئون في النطق، إلا أنهم لا يستوعبون هذه الأخطاء عندما يستمعون إلى الكلام الآخرين.

وتضيف الكاتبة: خلصت دراسة أجريناها إلى أن الأطفال في عمر عامين يجيدون فهم كلام الأطفال في سن السادسة وما فوق، بذات السرعة والدقة التي يستمعون بها للبالغين.

هذا رائع؛ لأنه حتى الأطفال في عمر السادسة ما زالوا يصدرون أصواتًا مختلفة عن البالغين. لكن الأطفال الصغار لم يواجهوا أي مشكلة مع هذه الكلمات المنطوقة. ومن المثير للاهتمام، أننا وجدنا أن هذا صحيح سواء كان الأطفال الصغار لديهم خبرة سابقة مع الأطفال الآخرين أم لا».

ومن الأشياء المهمة المرتبطة بذلك هو أنه على الرغم من أن معظم الجهود التى بُذِلَت في تنمية اللغة قد ركزت على الحصيلة التي يتلقاها المتعلمون الصغار من البالغين، إلا أن نتائج الدراسة التي يستعرضها المقال تشير إلى أن الأطفال الصغار قد يتمكنون من استخدام كلام الأطفال الآخرين لمساعدتهم على التعلم أيضًا.

اللهجات.. الملاحظة والتكيُّف

يشير المقال إلى أن سماع صوت طفل يمثل أحد أنواع التباين اللغوي. لكن ما الذي سيحدث إذا تحدث المتكلم بلهجة مختلفة؟ مثلا: عندما يقول متحدث باللغة الفرنسية كلمة «pig» باللغة الإنجليزية، فقد تبدو أكثر للمستمع الإنجليزي وكأنها كلمة «big»، نظرًا لطريقة نطق الصوتين «b» و«p» باللغتين الفرنسية والإنجليزية.

وبالنظر إلى تنوع الخلفيات اللغوية في كندا –على سبيل المثال– فإن 19.4% من الكنديين يتحدثون بأكثر من لغة في المنزل، وأكثر من 7.7 مليون كندي يتحدثون بلغة البلد الأصلية التي هاجروا منها، وفقًا لإحصائيات كندا. وهذا نوع من التباين اللغوي الذي سيواجهه العديد من الأطفال الكنديين.

كما تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 20 شهرًا أو أقل لا يكونون قادرين في بعض الأحيان على معرفة معاني الكلمات عند سماع لهجة جديدة لأول مرة.

على سبيل المثال: توصلت دراسة في «جامعة تورنتو» إلى أن الأطفال الصغار أحاديي اللغة الذين يتعلمون اللغة الإنجليزية عندما يستمعون إلى كلمة «dog» باللهجة الأسترالية، فإنهم لا ينظرون إلى صورة الكلب، على الأقل ليس في المرة الأولى.

وتستدرك الكاتبة: «لكن في إحدى الدراسات، توصلنا إلى أن الأطفال يمكنهم التعرف بسرعة على لهجة جديدة بعد بضع دقائق فقط من الاستماع إليها. وفى هذا البحث، استمع الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 20 شهرًا كلمات مثل «ball» مع نطق الحرف المتحرك بلهجة مختلفة. وبعد دقيقتين من سماع الكلمات المنطوقة باللهجة بالاقتران مع صور لمعانيها، لم يكن الأطفال الصغار قادرين فقط على فهم تلك الكلمات ذات النبرة الخاصة، بل كانوا أيضًا قادرين على فهم كلمات أخرى بتلك اللهجة، حتى لو لم يسمعوها من قبل».

وتتساءل الكاتبة: كيف نعرف أنهم تعلموا هذه اللهجة بعينها بدلا من الاعتياد على التغييرات التي طرأت على الحرف المتحرك؟ وتجيب: «في الواقع، اكتشفنا أنه حتى الأطفال الرُّضَّع يمكنهم تذكر اللهجات المحددة التي يستخدمها شخصان مختلفان».

كل هذا التباين في طريقة الحديث يجعل الطريق إلى تعلم اللغة ثريًا ومعقدًا إلى حد كبير، بحسب المقال، لكن المتعلمين الصغار لديهم الأدوات اللازمة للإبحار في لُجَج هذه التعقيدات.

8 سلوكيات شائعة تؤذي الأمهات بها أطفالهن دون أن تشعرن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد