“الحكم على صبي يبلغ من العمر ثلاث سنوات بالسجن المؤبد: أسوأ حلقة في سلسلة فظائع انتهاكات النظام الأمني المصري”

 

نشرت التايم تقريرا يتناول بالتحليل أحدث وأفظع “سخافات” القمع للدولة المصرية، فما دلالات تلك التصرفات من قبل أجهزت الدولة؟ وما أسباب ظهور الارتباك على الرئيس المصري خلال خطابة المتلفز؟ وما دلالاته؟ وبعد تصاعد النقاشات العامة حول قمع الدولة المصرية في ظل ممارسة الإعلام دوره “التنفيسي” عن غضب المصريين، هل يتوجب على النظام المصري القلق من قيام ثورة غضب أخرى؟

ببساطة تصف التايم الوضع في مصر من خلال ثلاثة أحداث متقاربة: حيث الحكم على طفلٍ دارجٍ بالسجن مدى الحياة من قبل القضاء العسكري، وإطلاق ضابط شرطة الرصاص على سائق وسط شوارع القاهرة المزدحمة في وضح النهار؛ على إثر مشادة كلامية، وقاضٍ يحكم بالسجن على كاتب روائي؛ بسبب مشهد “مناف للآداب” في رواية.

استياء في الشارع ووسائل الإعلام

وكنتيجة لمثل تلك الأحداث وغيرها، تواجه قوات الأمن المصرية غضبت متناميا؛ بسبب انتهاكاتها المتزايدة لحقوق الإنسان، كما انتقلت الانتقادات ودعوات الإصلاح لأجهزة الأمن من الشارع لوسائل الإعلام، وحتى للبرلمان الذي لطالما عرف بأنه مجرد ورقة للتغطية على خطايا النظام، كما تزايد الاستياء في الشارع ووسائل الإعلام من انتهاكات الشرطة والقضاء، حتى من الأصوات الداعمة للرئيس عبدالفتاح السيسي، ففي يوم 12 فبراير، تظاهر الآلاف من الأطباء في مظاهرة نادرة من نوعها، في ظل الوضع الأمني، على إثر حادثة ضرب ضابط شرطة اثنين من الأطباء وإلقاء القبض عليهم.

تحديات تواجه السيسي ونظامه

تقول التايم إن تلك الضجة من الانتقادات للحكومة تشكل تحديا خطيرا للسيسي الذي أتى للسلطة بانقلابٍ عسكري في يوليو 2013م، إذ عمل على إحكام قبضته في حكم البلاد مما خلق دولة استبدادية، لكنه الآن صار يعاني في إدارته للعديد من المؤسسات؛ بما في ذلك القضاء الذي يحافظ بدورة على بقاء النظام وحمايته.

وقد أشارت التايم لظهور شعور السيسي الجلي بالضغوط من خلال ردوده في خطابه العاطفي الذي بث على التليفاز الأربعاء الماضي. قال السيسي في خطابه الذي استمر 90 دقيقة: ” أنا لن أسمح، محدش يفكر إن طولة بالي وخلقي الحسن معناه إن البلد هتوقع، اللي هيقرب ليها هشيله من فوق وش الأرض، إنتوا مين؟”

وتقول التايم إنه منذ الانقلاب العسكري والإطاحة بالرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، لطالما شن النظام القضائي وقوات الأمن حملة عنيفة قمعية ضد منتقدي الدولة، فمنذ الانقلاب اعتقلت السلطات المصرية عشرات الآلاف من المصريين، من بينهم النشطاء والطلاب والمارة في حملة أمنية تهدف إلى إخماد “الاضطراب” المستمرة منذ اندلاع الثورة المصرية في 2011م، والتي أطاحت بالرئيس حسني مبارك.

انتهاكات وغياب المُساءلة

ومع كل محاولات الدولة لقمع المعارضة، أثار العديد من الحوادث الأخيرة غضب المصريين، حتى الساخرين منهم، ولعل الأبرز في إثارة غضبهم هو عدم خضوع أي من القضاة أو المسئولين في الأمن للمساءلة عن أي انتهاكات.

فعلى سبيل المثال تقول التايم: إنه في 18 فبراير، أطلق رقيب شرطة النار على سائق في الرأس، بعد مشادة بينهما مما أدى إلى قتله، وتمكن الشرطي من الفرار من مسرح الجريمة  في الدرب الأحمر بالقاهرة؛ بسبب تصاعد الغضب من الناس وتجمهرهم.

كما تشير التايم لحادثة أخرى: فعقب الحادث بيومين، أصدرت محكمة الاستئناف على  أحمد ناجي الكاتب الروائي حكمًا بالسجن على خلفية اتهامه  “انتهاك الآداب العامة”، بسبب بعض المقتطفات في إحدى رواياته؛ إذ تحتوي على بعض مقاطع فيها ممارسة الجنس وتعاطي المخدرات بين شبابٍ ساخطين على الأوضاع في مصر. اجتاحت وسائل الإعلام ردة فعل غاضبة عقب صدور الحكم، بل وحمَّل البعض السيسي المسئولية  عن الحكم. وقد اتهم ابراهيم عيسى، أحد المعارضين البارزين لنظام مبارك، والذي دعم الانقلاب بالعسكري، في مقالٍ له، السيسي بالحكم “الثيوقراطي”، وحسب ما تقول التايم يعتبر هذا الاتهام خطيرا؛ لأن أحد مبررات انقلاب السيسي على حكم الرئيس مرسي بالأساس كانت المخاوف من أن تفرض جماعة الإخوان المسلمين مثل ذلك القمع الثيوقراطي.

علاوة على ذلك تذكر التايم ملابسات الحادث الأفظع، إذ أصدرت المحكمة العسكرية حكمًا على أحمد قرني شرارة، الطفل البالغ من العمر ثلاث سنوات  بالمؤبد، وهو من بين 116 شخص آخر متهمين في قضية  مظاهرات الفيوم يناير 2014م المناهضة للحكومة. تقول التايم: إن مثل تلك المحاكمات الجماعية، حيث صدور تهم جنائية على العشرات والمئات لارتكابهم جريمة واحدة، سواء أكان ذلك في المحاكم المدنية أو العسكرية، أصبح أمرا شائعا منذ الانقلاب العسكري  في يوليو 2013م.

في الملابسات المحيرة للقضية، تقول التايم في تقريرها: عندما وصلت الشرطة لبيت الطفل المتهم لإلقاء القبض عليه في عام 2014م، قدمت عائلته ما يثبت أنه مجرد طفل صغير. إلا أن قوات الشرطة رفضت تصديق الأوراق المقدمة، ومع ذلك ألقوا القبض على والد الطفل بدلا منه، اعتقلت الشرطة الأب مدة4 أشهر. وبعد صدور الحكم في 16 فبراير، وانتشار الخبر بأن طفل عمره 3 سنوات حكم عليه بالمؤبد في جريمة قتل متهم فيها 116 شخص، صرح المتحدث باسم القوات المسلحة أن اسم الطفل قد أدرِج خطأً في ملف القضية، وأن السلطات كانت تقصد طالبا عمره 16 عاما يحمل نفس الاسم.

بالتأكيد كانت قضية شرارة تطرفا من قبل النظام، لكن يبدو أن مثل تلك الأخطاء صارت أمرا شائعا في المحاكمات الجماعية. يقول ناثان براون الخبير في شئون القضاء المصري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن:

يتم اختيار القضاء العسكري تحديدًا لأنه سريع وإجراءاته أقل، لذا فمثل تلك الأخطاء أمر من السهل تفهمه.

تقول التايم: إن مدى عبثية القضية ظهر للرأي العام عندما ظهر الطفل مع والدته في لقاء تليفزيوني، أُجرى في غرفت المعيشة ببيت الطفل، حيث ظهر الطفل مبتهجًا غير مدرك لما يواجهه من محنة وحكم قضائي بالمؤبد. في بيان له بشأن القضية، يقول جو ستورك نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: إن تلك القضية تعد مثالاً “لسخافة” القمع في مصر اليوم.

تاريخ حافل من القمع

من الواضح في خطاباته وأفعاله، يبدو أن السيسي يشن حملة موسعة ضد معارضيه؛ ففي قضية سابقة في السنوات الأخيرة، حكم القضاء على المئات بالاعدام في إحدى المحاكمات الجماعية، واعتقل ثلاثة صحفيين بتهمة التعاون مع الإرهابيين، ومن المثير للسخرية  أن أحد الأدلة في القضية هو تسجيل فيديو لحصان في تقرير إخباري عن تربية الأغنام.

يقول المحللون: إن الاستمرار في التضييق على المعارضين يظهر أن النظام المصري نفسه لديه بعض التخوفات على الاستقرار السياسي في البلاد. ويمكن أن يكون لذلك آثار عكسية؛ فمظاهرات الربيع العربي 2011م ماتزال حية في أذهان المصريين. وقد كان الاستياء الشعبي من انتهاكات الشرطة أحد العوامل الرئيسة للثورة، وعلى الرغم من نفي وزارة الداخلية المتكرر، يقول النقاد: إن قوات الأمن المصرية والقضاء كليهما يتصرف بدون رقابة جدية.  يقول براون: “أعتقد أن هذا النظام لم يعد قادرًا على تقديم رؤية متماسكة، أو حتى تقديم أي نجاحاتٍ سياسية حقيقية للشعب”، لكنه يضيف “لا يعني هذا بالضرورة أن تقوم انتفاضة قريبا، لكنه بالضرورة يعني أن عدم التنسيق وفشل السياسات، وعدم وجود مساءلة في داخل النظام صار الآن مواضيع مطروحة في المناقشات العامة”.

ومن جانب آخرتعتبر دوافع النقاش الدائر في وسائل الإعلام حول انتهاكات الدولة الأخيرة مبهمة. تقول رشا عبدالله ،الخبير في وسائل الإعلام المصرية وأستاذ مشارك في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن وسائل الإعلام المصرية تعاملت مع قضية الطفل المحكوم عليه بالمؤبد باعتبارها “كارثة في حق الإنسانية”، وليس باعتبارها دليلا على فشل النظام. وتضيف: “إن غضب وسائل الإعلام يتبدد بمرور الوقت، ولا يؤدي إلى أي تصعيد لإحداث تغيير. وربما أيضا يكون آلية للتنفيس.” فحسب قولها خلال فترة حكم الرئيس مبارك، أدى بعض هؤلاء الإعلامين نفس الدور حينها ليجعلوا الناس تتعاطف مع ما يقولون، وينفسوا عما بداخلهم. إلا أنه على المدى الطويل يمنع ذلك حدوث أي تنفيس أو تحرك معاد أو عنيف تجاه ما يحدث. وفي النهاية، لا ينبغي أن يغفل المصريون ومعهم السيسي أن لمصر ذكرى حديثة، حيث يمكن للانتفاضات الشعبية أن تسقط حكومات.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد