في 12 مارس (آذار) 1933، بدأ الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت سلسلة من حلقات البث الإذاعي عرفت باسم «أحاديث حول المدفأة»، وهو نمط جديد من التواصل؛ هدف إلى الوصول مباشرة إلى الجمهور. أراد روزفلت حينئذ أن يتصل مباشرة بالناس، بدلًا عن أن يترك صفحات الجرائد تفسر سياساته للعامة.

دامت فترة حكم روزفلت أطول من أي رئيس آخر في تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث لم يسرِ عليه الاتفاق غير الرسمي – حينها – والذي يحدد مدة ولاية الرئيس بفترتين فقط. صحيح أن التوازنات التي بناها الآباء المؤسسون في الدستور، والبيروقراطية الضخمة في البلاد، لا تسمح بتجاوزات كبرى كما في أنظمة الحكم الفاشية، إلا أن روزفلت كان قريبًا من تلك الصورة نوعًا ما، وقد كان لـ«أحاديث حول المدفأة» دور كبير في تعزيز قبضته على السلطة لمدة طويلة.

بالإضافة إلى ما قيل، فإن الحكومات الديمقراطية غالبًا ما تنتج أفضل المتحدثين. الديمقراطية بطبعها تلهم الخطباء؛ غالبًا لأنهم مضطرون لذلك؛ إذ إن الفوز في الانتخابات يتطلب أصواتًا، لكن هناك جانبًا مظلمًا آخر في خطباء الديمقراطية: الديماجوجية.

ويجد كل جيل من المواطنين في الأنظمة الديمقراطية أن عليهم اكتشاف أنفسهم، وهم يستخدمون التاريخ مرشدًا، التاريخ كما نعلم حكيم وشرير في الوقت ذاته، وفيما يلي 10 من أشهر الخطب المؤثرة عبر التاريخ، والتي ترتبط في الأغلب بقيم الليبرالية والديمقراطية، كما عرضها موقع «ريل كلير هيستوري».

10. بريكليس.. خطاب التأبين

ألقي بتاريخ 431 قبل الميلاد.

بعد المعارك القليلة الأولى التي وقعت بين الاتحاد الديالي بزعامة أثينا، والعصبة البيلوبونيسية بزعامة اسبرطة، ضمن أحداث ما يُعرف باسم الحرب البيلوبونيسية، جهز الأثينيون – كعادتهم – جنازة لتأبين قتلاهم، وفيها تحدث القائد الإغريقي بيركليس مدافعًا عن نمط الحياة في أثينا، وعن ديمقراطيتها، في مقابل طرق الحكم الأخرى، وكيف أن تلك الأنظمة تشكل عقول الرجال وتحرك أفعالهم.

شكل دفاع بريكليس عن الديمقراطية إلهامًا للفلاسفة والمفكرين ورجالات الدولة والمعلمين على مدار آلاف السنين، وقد حاول بيركليس مداواة قلوب أهالي القتلى قائلًا: «أعلم أنه من الصعوبة بمكان أن تشعروا بالسعادة، حين يذكركم الحظ السعيد للآخرين مرارًا بالسرور الذي أضاء قلوبكم يومًا ما. سيملؤكم الشعور بالحسرة لاحتياج هذه النعم، فقد شعر بها المرء منكم من قبل، وكانت جزءًا من حياته قبل أن تنتزع منه».

9. ونستون تشرشل.. خطاب الستار الحديدي

ألقي في  5 مارس 1946.

يحظى رئيس الوزراء البريطاني السابق، ونستون تشرشل، بالاحترام الشديد بين الأمريكيين؛ فهو يوقظ فيهم الشعور بالكرامة، ويروق لروحهم الكريمة. نتحدث هنا عن الخطاب الذي ألقاه تشرشل في كلية وستمنستر، فلتون بولاية ميسوري، عام 1946، وقد اعتبر هذا الخطاب إعلانًا لبداية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث كان المحفز الرئيس لإثارة الأمريكيين تجاه السياسات العدائية للسوفيت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ومما قاله تشرشل في خطابه: «في المرة الأخيرة رأيت الهول قادمًا، وبكيت بحرقة لرفيقي الريفي وللعالم، لكن أحدًا لم يُعرني اهتمامًا. حتى العام 1933 – أو ربما 1935 – كان بالإمكان إنقاذ ألمانيا من مصيرها المروع، وكان بإلإمكان إنقاذ الجنس البشري من المآسي التي سببها هتلر، أكثر الحروب تدميرًا عبر التاريخ كان يمكن إيقافها بسهولة بالغة، لو تم التحرك في الوقت المناسب. في نظري كان من الممكن تجنب الحرب، دون إطلاق رصاصة واحدة. وكانت ألمانيا ستصبح اليوم أكثر قوة وازدهارًا، لكن أحدًا لم يكن على استعداد للسماع؛ حتى صرنا جميعًا محشورين في تلك المعضلة، لا يجب لهذا الأمر أن يتكرر مجددًا».

8. تشرشل: «سنحارب على الشواطئ!»

ألقي في 4 يونيو (حزيران) 1940.

بفضل جهود القوات الجوية والمبادرات الطوعية للصيادين وتجار البحر الإنجليز، نجحت جهود إجلاء مئات الآلاف من القوات البريطانية والفرنسية من شاطئ ميناء «دنكرك»، آخر الموانئ المتبقية في أيدي الجيش الفرنسي الذي تعرض للهجوم من قبل القوات النازية، وجد تشرشل نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ إذ كان عليه إلقاء خطاب إذاعي يزف فيه نبأ الهزيمة للشعب.

ومما جاء في الخطاب «سنحارب في البحار والمحيطات، سنحارب وكلنا ثقة وقوة في الجو، سوف ندافع عن جزيرتنا مهما كلفنا الأمر، سنحارب على الشواطئ، سنحارب في الشوارع والحقول، لن نستسلم مطلقًا، وإذا حدث وتعرضت هذه الجزيرة أو جزء منها للإخضاع والتجويع – وهو ما لا أؤمن به للحظة – فإن امبراطوريتنا وراء البحار، وقواتنا المسلحة، وأسطولنا سوف يواصلون الكفاح».

7. ماو تسي تونغ.. خطاب «خدمة الشعب»

ألقي في 8 سبتمبر (أيلول) 1944.

لم يكن الشيوعيون بارعين في كتابة الخطابات أو إلقائها؛ ذلك أنهم لم يكونوا مضطرين إلى التنافس على عقول الناس أو قلوبهم، كان لديهم جمهورهم الأسير دومًا. ويعد خطاب «خدمة الشعب» الذي ألقاه الزعيم الشيوعي الصيني عام 1944 وسيلة تذكير جيدة بالإخفاقات الواسعة للنظام الاشتراكي. تذكرنا بالنفاق الصارخ للدول الاشتراكية.

كانت «خدمة الشعب» في الحقيقة تعني القيام بعمليات القتل خارج القانون، بالمحاكمات العلنية، وانتخابات الحزب الواحد، بحظر الأدب والفن، وبالرقابة على الصحافة. خدمة الشعب هنا هي في معسكرات العمل، وفي قصور الحكم الباهظة التي يتم تشييدها، وفي الكوارث البيئية غير القابلة للتفسير، وفي الاضطهاد الديني، بالاستعراضات العسكرية المبهرجة، والشرطة السرية التي لا تتورع عن تهديد الناس.

6. رونالد ريجان.. خطاب غزو شواطئ نورماندي

ألقي في 6 يونيو 1984.

بعد أربعة عقود من استعادة الشواطئ الفرنسية من أيدي الألمان، ألقى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان خطابًا كئيبًا للرجال الذين قاتلوا هناك. وبعد أن قام بتمجيد القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والبولندية والكندية التي دكت تحصينات العدو في نورماندي، وفي ظل الحرب الباردة التي كانت تستعر مع القوة العظمى الأخرى في العالم.

وجه ريجان حديثه إلى السوفيت قائلًا: «من المناسب التذكير هنا بالخسائر العظيمة التي لحقت بالشعب الروسي خلال الحرب العالمية الثانية، لقد هلك 20 مليون شخص، وهو الثمن المريع الذي يُشهد العالم أجمع على ضرورة إنهاء الحرب، أنا أخبركم من كل قلبي أن الولايات المتحدة لا تريد الحرب. نحن نريد أن نمسح عن وجه العالم تلك الأسلحة المريعة التي في أيدي البشر اليوم. نريد رسالة من الاتحاد السوفيتي بأنهم يرغبون في التحرك إلى الأمام، وأنهم يشاركوننا الرغبة والحب من أجل السلام، وأنهم سيكفون عن طرقهم المعهودة في الغزو».

5. باتريك هنري: «أعطني حريتي أو أعطني الموت!»

ألقي في  23 مارس 1775.

في أواخر مارس عام 1775، شهدت كنيسة القديس يوحنا في ريتشموند بولاية فيرجينيا، توقيع اتفاقية فيرجينيا الثانية، وفيها انطلقت أحد أقوى دعوات حمل السلاح عبر التاريخ. بالنسبة لباتريك هنري فقد كان السيل قد بلغ الزبى، ولم يعد هناك سوى خيارين في الأفق: الحرية أو الموت. كان التاج البريطاني يتسلح لمواجهة مستعمراته في أمريكا الشمالية، متجاهلًا عرائض الإصلاح التي كانت ترد إلى لندن عبر الممثلين الكولونياليين.

Imacon Color Scanner

باتريك هنري .. المصدر :ويكيبيديا

«سيدي، لقد فعلنا كل شيء ممكن لأجل تجنب العاصفة التي تهب الآن، قدمنا العرائض! قمنا بالاحتجاج! تضرعنا! وانبطحنا أرضًا إرضاءً للعرش، ولم نلق أمام ذلك سوى الاستخفاف والإهانة والازدراء، والمزيد من العنف والقسوة»

4- دوجلاس ماكارثر: «الواجب.. الشرف.. الوطن»

ألقي في 12 مايو (أيار) 1962

كان الجنرال دوغلاس ماكارثر شخصية مثيرة للجدل، كان عسكريًا أكثر من اللازم بالنسبة لجمهورية دستورية، وصريحًا أكثر من اللازم بالنسبة لجنرال، وكان يجادل عن بعض السياسات الصارمة أكثر من اللازم. دون ويليام مانشستر سيرة حياة الجنرال في كتابه «القيصر الأمريكي»، حيث يكشف مدى الأهمية التي مثّلها نظام الحكم الجمهوري بالنسبة للجنرال. فكر ماكارثر بشكل عميق في النظام الجمهوري، والتأثيرات التي يمكن أن تحدثها الحرب في قيم وخصائص المواطن.

يقول الجنرال عن المحارب الأمريكي في خطابه الأخير إلى طلبة الكلية الحربية في ويست بوينت قبل عامين من وفاته: «اسمه وشهرته هما حقوق يحصل عليها كل مواطن أمريكي منذ الولادة. في شبابه وقوته، حبه وإخلاصه، أعطى الموت كل ما يملكه، إنه لا يحتاج مديحَا مني، ولا من أي شخص آخر؛ فقد كتب تاريخه بيده، وسطره بالدم على صدور الأعداء».

3- إبراهام لينكولن.. خطاب جيتسبرج

ألقي في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1863.

ألقى هذا الخطاب وسط حرب طاحنة بين طرفين تشاركا يومًا في جمهورية واحدة، ويستكمل فيه الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لينكولن مسيرة طويلة – بدأت بيركليس – تحتفي بنضال الديمقراطية الطويل ضد الحكومات الاستبدادية في أوروبا: «…حكومة الشعب، بالشعب، ولأجل الشعب، يجب ألا تختفى من الوجود».

يرمز خطاب جيتسبرج للنداء المستمر لأجل حكم الشعب لنفسه، ويؤكد أن ضياء الديمقراطية الذي يشع على  العالم لا يمكن أن يختفي بسهولة من أمريكا الشمالية، وقد تمكن لينكولن من صياغة كل هذا في 272 كلمة فقط.

2- فريدريك دوجلاس: «ماذا يعني الرابع من يوليو بالنسبة لعبد؟»

ألقي في 5 يوليو (تموز) 1852

«ما الذي يعنيه الرابع من يوليو بالنسبة لعبد؟»، كان هذا عنوان خطبة لفريدريك دوجلاس، وهو عبد أمريكي سابق، أصبح لاحقًا أحد دعاة التحرر من العبودية والدفاع عن حقوق السود، وقد ألقى هذه الخطبة أمام جمع من العبيد في روتشيستر، نيويورك، بالتزامن مع عيد الاستقلال الأمريكي.

ومما جاء في تلك الخطبة: «ما الذي يعنيه يوم الرابع من يوليو بالنسبة لعبد أمريكي؟ أنا سأجيب، هذا اليوم يوضح له – أكثر من أي يوم آخر – كم القسوة والظلم الذين صار ضحية دائمة لهما. بالنسبة له، احتفالكم زائف، الليبرالية التي تتباهون بها ليست مقدسة بحال، عظمتكم القومية ليست أكثر من غرور منتفخ، أصوات ابتهاجكم فارغة ومتحجرة، صيحات الليبرالية والمساواة التي تنطلق من حناجركم ليست أكثر من مزحة سخيفة، شجبكم الطغاة صفاقة لا مثيل لها، كل هذه الصلوات والتراتيل والمواعظ والأعياد، كل هذه المواكب الدينية والجلال، ليست – بالنسبة لعبد – سوى تنميق للخديعة والضلال والعقوق والنفاق، حجاب رقيق يغطى هذه الجرائم التي تشين أمة من المتوحشين، لا يوجد في هذه الساعة على وجه الأرض أمة متورطة في ممارسات أكثر دموية ورعبًا من شعب الولايات المتحدة الأمريكية».

1- مارتن لوثر كينج: لدي حلم

28 أغسطس (آب) 1963

ليس من قبيل الخطأ أن تحتوى قائمة أفضل الخطب عبر التاريخ على اثنين من الأمريكيين الأفارقة؛ إذ يرمز الأمريكيون السود إلى مستقبل العالم: مواطنون كاملو الأهلية في جمهورية ديمقراطية، ومشاركون نشطون في النظام الأخلاقي الليبرالي، بإمكان العالم أن يحصد كثيرًا من المعرفة من خلال الخطابات التي يوفرها مارتن لوثر كينج وفريدريك دوجلاس، كلا الرجلين كانا يتعلمان من العدو والصديق، ويطوعان هذه المعرفة – طبقًا لظروفهما – في سبيل الدعوة إلى الحرية والكرامة، في مقابل النفاق والسلطة، وكلا الرجلين آمنا بأن بالإمكان أن نجعل من العالم مكانًا أفضل.

يقول كينج: «هناك شيءٌ يجب علي قوله لأبناءِ شعبي الذين يقفون على عتبةٍ ساخنةٍ توصلهم إلى قصر العدالة. يجب علينا ونحن نسعى للحصول على مكاننا الشرعي أن لا نرتكب أفعالًا غير شرعية. دعونا لا نروي ظمأنا للحرية بالشرب من كأس المرارة والكراهية. علينا أن نقود كفاحنا إلى مستوىً عالٍ من الكرامة وضبطِ النفس. ولا يجب أن نسمح لاحتجاجنا أن ينحطّ إلى درجةِ العنفِ الجسدي. يجبُ علينا أن نبلغ القمم المهيبة لاجتماع قوة الجسد مع قوة الروح. إن روح النضالِ الجديدة – التي صبغت نضال مجتمع السود – قوية ورائعة، وهي لا يجبُ أن تقودنا إلى الارتيابِ في جميع البيض؛ لأن العديد من إخواننا البيض، الذين يوجدون اليوم بيننا، أدركوا أن قدرهم مرتبط  بقدرنا، وحرّيتهم لا تنفصل عن حريّتنا. فنحنُ لا يمكننا أن نمضي وحدنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد