نشرت صحيفة «الجارديان» مقالًا كتبته إليف شفق، العالمة السياسية ومؤلفة رواية «قواعد العشق الأربعون» الشهيرة. تتناول إليف في مقالها حنين الأوروبيين «المؤذي» لعودة الإمبراطوريات القديمة، الذي لا يقتصر على أوروبا فقط، بل هو نمط عالمي سائد في هذه الأيام، بحسب طرحها.

تشير إليف لقول الشاعر الأمريكي روسي المولد جوزيف برودسكي: «يلوم الروس الحكومة على كل شيء، ويلوم الأمريكيون الأبوين، ويلوم البولنديون التاريخ». وتقول إنَّ الشاعر لو كان حيًا اليوم، فعلى الأغلب سيضيف مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لحديثه؛ فهم يرون أنَّ فقدان ماضيها «الوهمي» سببٌ لكل شيء. كانت بذور هذا الحنين موجودةً بالفعل قبل استفتاء الخروج بوقتٍ طويل، لكن بعد عدة سنوات من التقشف والتفرقة، بالإضافة إلى النقاشات التحريضية حول اللاجئين، والتذمر من الوضع الراهن، تولد إحساسٌ بالحنين إلى «أيام الماضي الجميلة».

يعتقد 63% من البريطانيين أنَّ الحياة كانت أسهل وأفضل في الماضي، وبحسب الكاتبة استغل المتعصبون للخروج من الاتحاد الأوروبي هذا الحنين العاطفي من أجل مصالحهم السياسية، لكنَّ التاريخ أزيلت منه الفصول المظلمة، ونزع عنه تعقيده وجرى تبسيطه وتلميعه. والحقائق لم تعد مهمة، ومن أجل خطابٍ جذاب تجري الآن التضحية بالدقة التاريخية.

وتذكر تصريحًا وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون قال فيه: «لو كانت خطة تشيكرز نفذت، كان هذا سيعني أنَّ قادتنا رضخوا عمدًا لحكمٍ أجنبي، لأول مرة منذ عام 1066». وتوضح أنَّ بوريس كان يتبع السائد وقتها. وبينما يهذي المتعصبون للخروج من الاتحاد الأوروبي بالحديث عن استثنائية بريطانيا، يجب ألا نغفل أنه ليس شيئًا جديدًا أو استثنائيًا، فهم فقط ينضمون للموجة الخطيرة السائدة التي تنتشر على حدود أوروبا.

تضرب الكاتبة مثالًا بتركيا، وهي الدولة التي خرجت من رحم إمبراطورية متعددة الأعراق. وتقول: إنَّ التراجع الشديد التي شهدته الديمقراطية فيها يقدم دروسًا للتقدميين حول العالم؛ فهو يثبت أنَّ التاريخ لا يسير للأمام بالضرورة، ويمكن أن ينزلق إلى الوراء. ويكشف المسار التركي عن الفرق الكبير بين الديمقراطية وحكم الأغلبية، وعن الخطوات القليلة التي تفصل استقرار حكم الأغلبية عن التحول إلى السلطوية.

Embed from Getty Images

وتوضح أنَّ الكثيرين كتبوا عن سياسة الانعزال الشعبوية في تركيا، بينما لم يُذكر كثيرًا أنَّ هذا التراجع ارتكز على خطاب الحنين للإمبريالية. فبعدما نشرت إليف رواية بعنوان «صبي المعماري»، وعندما كانت تتحدث عنها في أكثر مناطق إسطنبول تنوعًا ثقافيًا، رفع أحد الشباب الحاضرين يده ليخبرها بأنَّه يشعر بالإهانة لذكرها أنَّ الجيش العثماني كان يصطحب عاهرات في حملاته؛ فسألته إن كان يشكك في حقيقة الأمر، فرد: «لا أشكك على الإطلاق، بل أتفهم أنَّ هناك أمورًا مماثلة تحدث، لكن هذا لم يكن ما أعنيه، ما أعنيه هو: لماذا تذكرين الأمر؟ لماذا لا تكتبين عن أمجاد إمبراطوريتنا بدلًا عن ذلك؟ هذا ما نريد سماعه».

تصف الكاتبة الحنين الإمبريالي هذا بأنَّه يتعمد الانتقائية الشديدة؛ فهو يخفي كل الجوانب المظلمة من التاريخ، ويفرض نسخةً أحادية مشوهة ومنحازة؛ يخبرنا بما يسمح لنا تذكره وما يجب علينا نسيانه؛ ويتظاهر أيضًا بأنَّ التاريخ بسيط، وهو لم يكن كذلك مطلقًا. وتضيف: ما قاله ذاك الشاب كان يتسق تمامًا مع أيديولوجية الحكومة التركية؛ فالرئيس التركي يقول: «إنَّ الجمهورية التركية هي امتداد للإمبراطورية العثمانية». وفي خطاب في الذكرى المئوية لوفاة السلطان عبد الحميد الثاني، قال أردوغان: «يصر بعض الناس على أن يؤرخوا لبداية هذه البلاد منذ 1923. ويصر البعض الآخر بلا كلل على أن يفصلونا عن جذورنا وقيمنا التاريخية».

ثم تنتقل الكاتبة للحديث عن حضور الحنين الإمبريالي في الثقافة السائدة في تركيا، فتقول: إن المسلسلات والأفلام أصبحت مبنيةً على الحاجة إلى تمجيد الماضي؛ فمسلسل «قيامة أرطغرل»، الذي حقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا، يركز على أحداث إمبراطورية القرن الثالث عشر، ممجدًا الحروب والمحاربين. ويركز مسلسل «عاصمة عبد الحميد» على تراجع العثمانيين، ويلوم اليهود على تدمير إمبراطوريتهم في معاداةٍ شديدة للسامية بحسب الكاتبة. كل هذا في الوقت الذي يوصف فيه الكتاب والأكاديميون والصحافيون بالخونة أو بيادق القوى الغربية؛ لمجرد تجرؤهم على التشكيك في العثمانية الجديدة. ويستهدف سياسيو حزب العدالة والتنمية أكبر جامعتين في تركيا، وهما: البسفور، وجامعة الشرق الأوسط التقنية؛ لأنَّهما ليستا وطنيتين بما يكفي. وانسحبت منظمة «أوبن سوساييتي» من تركيا، بعد أن أعلن أردوغان أنَّ مؤسسها «اليهودي المجري سوروس» هو من دعم مظاهرات ميدان تقسيم عام 2013. ولا يزال عثمان كافالا، الناشط ورجل الأعمال حسن السمعة، قابعًا في السجن بصورةٍ غير قانونية منذ أكثر من عام، واعتُقِل أيضًا العديد من الأكاديميين بتهم «سخيفة»، وفُصل آلاف آخرون أو وضعوا في القوائم السوداء. وحتى تشارلز داروين أزيل من المناهج التعليمية؛ لأنَّه لم يكن تركيًا مثلما تسخر الكاتبة.

ووفقًا للكاتبة، بتغيير بعض التفاصيل السابقة، يمكن أن ينطبق الأمر على المجر أيضًا؛ إذ يهاجم رئيس وزرائها جورج سوروس أيضًا، مع أنَّه قد تلقى منحةً من تمويله، ومنع مؤخرًا برامج الدراسات الجندرية معللًا ذلك بأنَّ «وجهة نظر الحكومة أنَّ الناس مولودون إما ذكور وإما إناث، ولا نعتبر أنَّ من اللائق أن نتحدث عن أنواع جنسية بناها المجتمع بدلًا عن الأجناس التي نولد بها». وتمامًا مثل تركيا، يساعد الهوس بالإمبراطورية العظمى على تأسيس خطاب قبلي شعبوي.

Embed from Getty Images

وتغني فرقة تدعى «كارباتيا» عن المجر العظمى، والتي يصفونها بالجنة بحسب الكاتبة. ويحضر محبوها الحفلات مرتدين قمصانًا تحمل خرائط إمبراطوريتهم المفقودة. وتمامًا مثلما في تركيا، تتلاعب النخبة السياسية بهذه المشاعر، ودائمًا ما يتحدث فيكتور أوربان عن مملكة المجر، متباكيًا على انحسارها وخسارة أراضٍ شاسعة.

وتقول الكاتبة: إنً من الضروري الانتباه، خصوصًا إلى الدول التي كانت إمبراطورياتٍ سابقة في أوروبا، وفي محيطها؛ وذلك لنفهم هذه القارة اليوم، فهذه هي الأماكن التي ينتشر فيها الحنين للإمبريالية، وينتشر بسرعة. نجحت كرواتيا في كأس العالم الأخير، وشاهدها أغلبنا وهللنا للفريق الذي بدا ضعيفًا، وكان حدثًا جللًا أن تؤدي الدولة البلقانية الصغيرة بشكلٍ جيد كهذا، واحتفل معها العديدون من أنحاء العالم، لكنَّ هذا الشعور العظيم بالتضامن دُمِّر لاحقًا؛ ففي أثناء الاحتفالات التركية في مدينة زغرب، دعا الفريق المغني ماركو بيركوفيتش للغناء، وهو الرجل الذي يغني كلمات تمجد الأوستاشيين، الذي حاربوا إلى جانب النازيين.

مثله مثل جميع القوميين المتعصبين، يستخدم بركوفيتش الرموز التاريخية بإفراط، ويبدأ حفلاته بتحية الأوستاشيين، التي تعادل التحية النازية. ويُذكر أنَّ حركة أوستاشا قد بنت معسكرات اعتقال للآلاف من اليساريين التحرريين من الكروات، والصرب، واليهود، وأهالي روما، وأرسلتهم إلى حيث يلقون حتفهم، وكان معسكر يسنوفاك أسوأها سمعة، وقُتل فيه ما يقدر بـ100 ألف شخص.

وينتعش الحنين للإمبراطورية في روسيا أيضًا، إحدى الإمبراطوريات العتيقة. وتنقل الكاتبة ما قاله شون ووكر في كتابه «The Long Hangover: Putin’s New Russia and the Ghosts of the Past»، والذي يقول فيه: إنَّ الماضي لُمِّع واستُغل لتفادي الحقائق المنبوذة في الحاضر. ويؤمن نحو نصف الروس اليوم أنَّ من الطبيعي أن تكون لهم إمبراطورية، وهو تغير كبير عن المزاج الشعبي في التسعينات.

Embed from Getty Images

وتوضح الكاتبة إنَّ الحنين للإمبريالية ليس مجرد إحساس، بل هو حافز يحول التذمر الشعبي إلى شكلٍ خطير من القبلية السياسية. ويوضح ماشا جسن، في كتابه «The Future is History»، كيف غيَّر هذا الحنين من نسيج المجتمع الروسي، فبمجرد اعتقاد الناس باستثنائية إمبراطورياتهم، يبدأون في قراءة التاريخ بانتقائية. فمثلًا يؤمن أكثر من 25% من الروس أنَّ حكم ستالين كان جيدًا للبلاد. ويوضح تحليل جسن كيف يجلب الحنين للإمبريالية معه مزيدًا من القومية، والانعزالية، والتفرقة الجنسية، ومعاداة المثلية.

حلت هذا العام الذكرى المئوية لزوال حكم أسرة هابسبرج في النمسا، حيث يحاول القبليون جاهدين استعادة ماضيهم الرومانتيكي. وتأسس عام 2004 تحالف الأسود والأصفر، وهي حركة ملكية تهدف لإعادة الملكية الوراثية إلى النمسا وأراضي ما بعد نهر الدانوب. ويدَّعي أعضاؤها أنَّ أوروبا الوسطى كانت فريدةً من نوعها، ويترحمون على وحدة النمسا وسلوفاكيا وسلوفينيا وكرواتيا والتشيك. وتضيف الكاتبة أنَّ الكثير من مشاعرهم تدعمها حكومة كورتس وحزبه «حزب الشعب المحافظ»، والذي يريد عرض الجنسية على الإيطاليين المتحدثين بالألمانية. وعلى صعيدٍ آخر يستمر حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو أول حزب يميني قومي في برلمان البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، في استخدام مصطلحاتٍ تعود للعصر النازي، مثل مصطلح «Überfremdung»، والذي يعني الاختراق الأجنبي. وهذا الشهر نشرت مجلة «كومبات» المقربة من الحزب ملفًا خاصًا بعنوان: «The shame of Versailles: how the victorious powers enslaved Germany» أو «عار فرساي: كيف استعبدت القوى المنتصرة ألمانيا».

وتشير إليف إلى أنَّ هذا الحنين للإمبريالية يكون عدوانيًا في العلن وتوسعيًا في السر. ويمكن أن يبدأ بمجموعة صغيرة من الوطنيين الأبرياء، لكنَّه لا يقف عندهم أبدًا، فبمجرد ظهور الحنين للإمبراطوريات يصبح الصدام حتميًا، والخطوة التالية هي الاعتقاد بأنَّ دول الجيران هي في الواقع جزء منهم ينتظر الانضمام إلى بلده الأم.

لكنَّها توضح أنَّه «للذاكرة مسؤولية، وعلينا تذكر الماضي بكل ظلمه وأعماله الوحشية، لا بصورة أمجاده المُلمَّعة فقط».

وتضيف الكاتبة في الختام أن خطاب العودة إلى الماضي الذهبي ليس بريئًا، ولا هو السبيل للتقدم. الحنين للإمبراطورية مادة سامة تُفسد البلد تلو الآخر، ولا داعي لأن نفترض بثقة أنَّها لن تؤثر بنفس القدر في بريطانيا لأنَّه «بلد مختلف»؛ فهذا بالضبط ما سيقوله أي قومي إمبراطوري في المجر، أو تركيا، أو كرواتيا، أو النمسا، أو ألمانيا.

وبينما تشهد أوروبا شكلًا جديدًا من الحنين السياسي، آخر ما يريده السياسيون البريطانيون هو اتباع هذه القاطرة المدمرة حتمًا، فلا بلد استثنائي، كلنا في الفوضى سواء.

مترجم: هذه الانتقادات توجهها كاتبة «قواعد العشق الأربعون» لسياسات أردوغان

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد