يمثل القرن السابع عشر فترة مهمة من تاريخ إنجلترا، والتي لفتت انتباه المؤرخين لأجيال كاملة. فقد حدث في هذا العصر العاصف ثلاثة أحداث كبرى كانت لها تأثير عميق على إنجلترا سياسيًّا واجتماعيًّا: الثورة الإنجليزية The English Revolution، واستعادة الملكية عام 1660 The Restoration of Stuarts، والثورة المجيدة The Glorious Revolution عام 1688. وتهدف هذه المقالة لإلقاء الضوء على شكل الزواج في القرن السابع عشر بإنجلترا والذي واكب تلك الأحداث.

في القرن السابع عشر، لعب الزواج والأخلاقيات المرتبطة به دورًا مهمًّا في حياة الناس الاجتماعية بشكل أهم مما يلعبه اليوم. فالعائلة كانت تتمحور حول الزوجين، واللذان مثلا الوحدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وكان للزوج السلطان على زوجته وأولاده بشكل يشبه سلطان الملك على شعبه. وقد مثلت الزوجة “الوعاء الأضعف” كما تعبر عنه آيات العهد الجديد من الكتاب المقدس، وقد اعتبروها مخلوقًا جسديًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا وحتى روحانيًّا أدنى من الرجل. وبالتالي حق الرجل وقتها السيطرة عليها.
في مجتمع متأثر بقيم المصلحين البروتستانت أو المعروفين بالبيوريتانيين Puritans، كانت الاستقامة الجنسية ووضع الإنسان المتزوج قد أعطى للمرأة احترامًا ومكانة اجتماعية، وضعًا في الاعتبار أنه كان من الصعب جدًّا على المرأة الحصول على استقلالية معيشية بدون زوج كل ذلك جعل الزواج ذا أهمية كبرى.
نظريًّا كان الزواج في عمر صغير جدًّا أمرًا طبيعيًّا. فقد كان الحد الأدنى لسن الزواج للفتاة قانونيًّا هو 12 عامًا وللشاب 14 عامًا. بالإضافة إلى أنه كان من الممكن أن تحدث الخطبة عند سن سبع سنوات مع الحق في فسخ الخطبة عند وصولهما لسن الزواج، ورغم ذلك كان الزواج في هذا السن المبكر نادرًا؛ حيث كان متوسط الزواج 25 عامًا.

ومن المدهش أنه لم يشترط قانونيًّا مراسم الكنسية ولا وجود حضور كي يصح الزواج؛ حيث كان ذلك قانونيًّا من القرن الثاني عشر وحتى عام 1753. وهذا مكن بعض المحبين من الزواج سرًّا دون علم ذويهم.
كان على الفتيات استشارة عائلتهن وأقاربهن في اختيار الزوج خصوصًا من يتمتعون ببعض الأملاك، ولهذا فقد اعتبرت الفتيات الفقيرات أكثر حرية في اختيار زوج المستقبل حيث لم يلعب المال هنا دورًا مؤثرًا، ورغم ذلك كان متوقعًا من العائلة إعطاء مباركتها لتلك الزيجة.
كما كانت هناك معايير عديدة تحدد إن كانت الزيجة صالحة أم لا منها السن المتقارب، والخلفية المتقاربة، والأوضاع المالية، والمعتقد الديني. كما كان مدى الانسجام والتوافق يلعب دورًا أيضًا. كان على الزوج والزوجة احترام بعضهما البعض وعدم الالتفات للمظهر بقدر الجوهر. وكان نظرية “أن الحب يأتي بعد الزواج” منتشرة.

والمقاييس الأساسية بالنسبة للزوجة هي مدى قدرتها على إدارة المنزل بكفاءة. وكان هذا أهم شيء بالنسبة للرجل حينما يفكر في اختيار الزوجة، وخاصة لدى العائلات الفقيرة. وكان لفظ “الرفيقة” أو Helpmate هو المصطلح الذي أحب البروتستانت أن يستخدموه في الإشارة للمرأة الصالحة.
هل ذلك يعنى أن الحب الرومانسي لم يلعب دورًا في زيجات القرن السابع عشر؟

'The Cholmondeley Sisters', 1600-1610. Double portrait of the sisters sitting in bed, each holding a baby. From the Tate Gallery, London. (Photo by Art Media/Print Collector/Getty Images)

الصورة هي لوحة زيتية معروفة للأخوات تشلمندلي، 1600-1610 وهي تصور أختين تجلسان في السرير وكلاهما يحمل طفلًا بحيث يبدو أنهما متطابقتان وهو بخلاف الحقيقة.

من خلال ما تُرك من مذكرات وأوراق تعود للقرن السابع عشر، نستطيع القول إن الحب الرومانسي لعب دورًا في الحياة الزوجية على مختلف الطبقات الاجتماعية؛ حيث تحوي كثير من تلك الأوراق مفردات غنية تصف مشاعر “الحب” و”الانجذاب”.. كما تحوي أوراق الكنائس سجلات لعدد من الزيجات التي تمت سرًّا دون علم العائلة.

كان وضع المرأة كزوجة إنجليزية في القرن السابع عشر يُحدد بالطبيعة الأبوية التي تحكم العلاقات داخل العائلة، والتي جعلت من المرأة تابعًا لزوجها. وكان القانون متحيزًا بقوة لصالح الرجل بحيث لم يكن للمرأة المتزوجة حقوق مالية مستقلة عن زوجها. كما كان يحق للرجل ضرب زوجته، وكان ذلك يعتبر ممارسة شائعة مع الأسف لدى الرجال تجاه زوجاتهم.
كذلك كانت العلاقة الزوجية الحميمة بين الزوج والزوجة يُنظر لها كشيء غير مرغوب فيه حيث نُظر للزواج كأنه الرابطة التي تربط المسيح بكنيسته. واعتبرت الخيانة الزوجية جريمة عقوبتها مشددة تصل للإعدام.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الرجل لم يكن يحاكم بصرامة على جريمة الزنا كالسيدة. وكان على الفتيات الحفاظ على عذريتهن حتى يتزوجن.
حاول المصلحون البروتستانت (البروتانيين) وقف أي مظهر من مظاهر العبث بين الجنسين بمنع المواكب الاحتفالية أو أي نوع من أنواع التسلية، وخصوصًا الرقص والذي اعتبروه غير أخلاقي.

ورغم أن البروتانية كانت لها تأثير معتبر على طريقة تفكير الناس، ولكن هناك هوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. نستطيع أن نبرهن على هذا من خلال معرفة أن 25% من نساء القرن السابع عشر بإنجلترا كن حوامل عند عقد قرانهن، وتبرير ذلك هو أن القدرة على إنجاب الأطفال لدى المرأة كانت ذات أهمية كبيرة فوجود علاقة قبل الزواج قد تؤكد تلك القدرة من عدمها.
كما أن نموذج الإخلاص الزوجي تنافى مع الواقع خصوصًا في الدوائر الاجتماعية العليا. فقد مثلت التغيرات السياسية باستعادة الملكية أو ما عُرف بـThe Restoration of Stuarts تغييرًا في المناخ الأخلاقي، وتحررًا في الآداب العامة. فممارسة الزنا أصبحت نوعًا من أنواع الموضة في المجتمع الراقي، وهو ما سجلته عدد من الوثائق المعروفة بـالـRestoration Comedies مثل كوميديا سيدة الريف أوThe country Wife لويليام وايكيرلي William Wycherley.

عمومًا، يجب أن ندرك أن نمط الحياة المتحررة كان في الغالب شأن صفوة أهل لندن. أما في الريف فقد ظلت قيم الأجيال السابقة المحافظة تسيطر عليهم دون أي تغيير. ومن الجدير بالذكر أن نعرض أن من أكثر المواضيع تناولًا في مسرحيات تلك الفترة Restoration plays كان عرض الفَرق بين مُجتمع لندن المائل للمتعة، ومجتمع الريف “المُتسم بالعفة”.

وكما ذكرنا أن من أهداف الزواج الرئيسية وقتها إنجاب الأطفال ليس فقط لضمان وريث ولكن أيضًا لأن الزوج لم يكن ليُعد رأسًا للعائلة إلا بعد أن يُرزق من زواجه بأطفال. ولم تكن الخصوبة فقط تفسر كعيب اجتماعي بل كعقاب محض من الرب. ولهذا كانت الزوجة تحت ضغط نفسي كبير من أول يوم لزواجها إلى أن ترزق بطفل.
كان تعميد الطفل المولود طقسًا مهمًّا جدًّا، وهو طريقة لتعريف المجتمع أن الزواج قد أثمر وحقق هدفه. أما في الدوائر الأرستقراطية، فقد أصبح مناسبة اجتماعية تجتمع فيها صديقات المرأة للمشاهدة.
تحفل مصادر القرن السابع عشر في إنجلترا بصور العديد من الزيجات، والتي كانت بعضها زيجات سعيدة كزيجة صاموئيل بيبيز Samuel Pepys وأوليفير كرومويل Oliver Cromwell. وفي المقابل كانت هناك زيجات بلا حظ.

Oliver, Richard and Elizabeth Cromwell. Portrait of Oliver Cromwell (1599-1658), English military leader and politician, with his wife and son. (Photo by The Print Collector/Print Collector/Getty Images)

الصورة لأوليفر كرومويل مع زوجته وابنه ريتشارد. ويعتبر أوليفر كرومويل أحد أشهر العسكريين الإنجليز وقائدًا سياسيًّا كبيرًا.


تحفل سجلات الكنيسة بحالات عنف منزلي وعدم توافق شديد بين الزوج وزوجته. وبعكس حاضرنا اليوم، كانت احتمالات الفرار من تلك العلاقات الفاشلة محدودة للغاية، حيث كان التحرر يحدث فقط بموت أحد الزوجين. وكان تحول المرأة لأرملة هو في الحقيقة الفرصة الوحيدة لتحقيق الاستقلال الاجتماعي.
وقد عملت قوانين الكنيسة على تأكيد قدسية الزواج وعدم التفريق بين المتزوجين. ولم يكن الطلاق على شاكلته اليوم شيئًا معترفًا به. ولتنفيذ الطلاق كان يجب البرهان على أن الزواج فيه ما يعيبه مثل أن يكون الزواج قد تم في مرحلة الطفولة، أو وجود عجز جنسي دائم أو فتور، أو اكتشاف أن الزوجين أقارب. وبحدوث التفريق وإعلان أن الزواج باطل يعطى الزوجان فرصة للزواج مرة أخرى. ولكن في تلك الحالة تحرم الزوجة من جميع حقوق الميراث ويعتبر الأطفال غير شرعيين.
لقد كان هناك بديل آخر للفرار من زيجة غير سعيدة، وهو التفريق “في السرير والمائدة” حيث كان حلًّا محتملًا أمام جريمة الزنا أو القسوة المفرطة، وفي تلك الحالة لا يؤثر ذلك على حقوق الزوجة في الميراث ولا أحقيتها في أولادها. ولكن تبقى لهذا الحل مساوئ تتمثل في استمرار رابط الزواج كما هو فلا يحق لأحد من الزوجين الزواج مرة أخرى.
أما الحل الثالث فقد كان إجراء يطلق عليه Divotium a vincula matrimonii وهو إجراء أقرب ما يكون للطلاق ولكنه ينفذ عبر قرار من البرلمان. ولكنه كان إجراءً طويل الأمد ومكلفًا للغاية.
والجدير بالذكر أن الطلاق بشكله القانوني المنضبط تأسس في أواخر عام 1857.

لم يشهد القرن السابع عشر مجهودات للمرأة البريطانية لتحقيق أوضاع اجتماعية أفضل ولكنه شهد نموًا بطيئًا ولكن منتظم في مسألة ضرورة الالتفات إلى رأيها بالنسبة لاختيار الزوج الذي سترتبط به، وضرورة وجود المودة بينهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد