نشرت مجلة «ريدرز دايجست» الأمريكية تقريرًا أعدته آيشواريا كومار، حول السر الذي يقود أبطال لعبة الشطرنج للفوز في هذه اللعبة، موضحة أن ما يعوِّلون عليه ليس فقط المهارة العقلية، ولكن أيضًا التمارين البدنية.

تقول آيشواريا كومار: «في يومٍ عاصف من أوائل شهر مارس (آذار)، قرر فابيانو كاروانا الذهاب بعيدًا. غادر شقته الكائنة في سانت لويس، وقاد سيارته لمدة ثلاث ساعات باتجاه الغرب، حتى وصل إلى مجمع يملكه أحد أصدقائه، مساحته ألفا فدان في ريف ميزوري».

العائلة

منذ سنة واحدة
مترجم: الشطرنج لا يحقق ذلك.. هذا ما يخبرك به العلم لرفع معدل ذكاء طفلك

في تمام الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم التالي، خرج فابيانو كاروانا ليمارس رياضة الجري لمدة ساعة مع شريكه في التدريب، كريستيان شيريلا. وإذا رأيته وهو يركض، لربما اعتقدته لاعب كرة قدم؛ فهو شخص يبلغ طوله خمس أقدام وستة إنشات (167 سم)، ويتمتع بساقين قويتين، وجدوله اليومي مشغول؛ ما بين ركضٍ لمسافة خمسة أميال، وممارسة التنس لمدة ساعة، وكرة السلة لمدة نصف ساعة، والسباحة لمدة ساعة.

لكن كاروانا في الواقع ليس لاعب كرة قدم، بل أحد أبطال لعبة الشطرنج الأمريكيين، ويحمل لقب «أستاذ دولي كبير»، ويحتل المركز الثاني على مستوى العالم. وشريكه في التدريب، كريستيان شيريلا، ليس سوى البطل الروماني الذي يحمل أيضًا لقب «أستاذ كبير» في اللعبة ذاتها.

وهما يبذلان كل هذا الجهد؛ لأن هذا ما يتطلبه الاستعداد لمباراة في الشطرنج. نعم، الشطرنج.

لماذا يحتاج لاعب الشطرنج إلى ممارسة تمارين بدنية؟

ربما يقول قائل إن هذا النوع من التدريبات يبدو سخيفًا، فلماذا يحتاج مثل هذين الشخصين إلى ممارسة تمارين بدنية استعدادًا لمباراة من هذا النوع، بينما كل ما يفعلانه هو الجلوس لساعات ومدّ ذراعيهما بمقدار قدم على فترات متقطعة لتحريك قطع الشطرنج؟

يشير تقرير المجلة الأمريكية إلى أدلة تؤكد أن أمثال هؤلاء الأبطال يحتاجون إلى هذه التمارين البدنية في الواقع:

– ألغيت بطولة  العالم للشطرنج عام 1984 بعد خمسة أشهر عُقدت خلالها 48 مباراة؛ لأن البطل الروسي أناتولي كاربوف خسر 22 رطلًا، حتى «بدا وكأنه يحتضر»، على حد وصف بطل الشطرنج والمعلق موريس آشلي.

– في عام 2004، خسر الفائز باللقب، الأوزبكي رستم كاسيمجانوف، 17 رطلًا خلال بطولة العالم للاتحاد الدولي للشطرنج في ست مباريات.

– في أكتوبر  (تشرين الأول) 2018، رصدت شركة «بولار» الأمريكية معدلات ضربات قلب لاعبي الشطرنج خلال إحدى المسابقات، ووجدت أن البطل الروسي البالغ من العمر 21 عامًا، ميخائيل أنتيبوف، والذي يحمل لقب «أستاذ كبير» حرق 560 سعرًا حراريًّا في ساعتين، وهي كمية السعرات التي يحرقها البطل السويسري روجر فيدرير في ساعة من لعب التنس.

Embed from Getty Images

كيف يتأثر الجسد بالجهد العقلي المكثف الذي يبذله أبطال الشطرنج؟

يؤكد التقرير أن التوتر ينهمر كالمطر على رؤوس الأساتذة الكبار في مباريات الشطرنج؛ مما يؤدي إلى زيادة معدلات ضربات القلب والتنفس، ويجبر أجسادهم على إنتاج الطاقة. وفي الوقت ذاته، يتناول اللاعبون كميات أقل من الطعام أثناء المنافسات؛ وذلك ببساطة لأنهم لا يملكون الوقت ولا الشهية.

يؤدي الإجهاد أيضًا إلى تغيير أنماط النوم واضطرابه، مما يؤدي بدوره إلى مزيد من الإعياء، ويمكن أن يقود ذلك إلى مزيد من فقدان الوزن. وإذا كان الدماغ يحصل على عدد ساعات نوم أقل، ولو حتى ساعة واحدة، فإنه سيحتاج إلى المزيد من الطاقة للبقاء مستيقظًا أثناء لعبة الشطرنج (المرهقة ذهنيًّا)، كما يشير كاسيمجانوف.

تتضافر كل هذه العوامل مجتمعة لتؤدي إلى فقدان الوزن بمتوسط يصل إلى رطلين في اليوم، أو حوالي 10 إلى 12 رطلًا على مدار دورة ألعاب تستمر لمدة عشرة أيام.

الوصفة السحرية للبقاء على القمة: مزيج من النظام الغذائي واللياقة البدنية 

لمكافحة هذا القدر من الإجهاد، بدأ لاعبو اليوم دمج أنظمة غذائية ولياقة بدنية صارمة؛ لزيادة إمدادات الأوكسجين إلى المخ أثناء البطولات، ومنع غيبوبات السكر، والحفاظ على طاقتهم. وينقل التقرير فوائد هذه الوصفة عن موريس آشلي الذي يقول: «هناك علاقة وثيقة بين اللياقة البدنية والأداء العقلي».

ويشير آشلي إلى أن بطل العالم فيشفاناثان أناند، وهو أول هندي يحمل لقب «أستاذ كبير» في لعبة الشطرنج، يمارس تمارين القلب كل ليلة؛ للتخلص من الإرهاق وحتى لا تلاحقه لعبة الشطرنج أثناء النوم. ويمارس كاسيمجانوف تمارين القلب لمدة ساعة، وينفق ساعة أخرى في ممارسة تمارين الأوزان لبناء العضلات قبل البطولات.

لكن لم يستطع أي من هؤلاء الأساتذة الكبار إتقان روتين لياقته البدنية على غرار ما فعله بطل العالم الحالي، ماجنوس كارلسن.

ماذا فعل بطل العالم ماجنوس كارلسن للحفاظ على اللقب؟

يتابع التقرير: في عام 2017، أدرك كارلسن أنه يواجه مشكلة. شعر الرجل الذي يحتل المركز الأول لمدة أربع سنوات، بأنه قد يخسر تتويجه باللقب ويتراجع عن عرشه العالمي.

صحيحٌ أنه كان ما يزال يفوز بمعظم البطولات، لكن مبارياته كانت تستغرق وقتًا أطول، وكانت انتصارته تبتعد رويدًا عن شاطئ الحسم. إذ كان يحرز الفوز في الساعات الأخيرة من المباريات. ولاحظ أن اللاعبين الأصغر سنًا بدأوا يلحقون به.

حين وصل الحال إلى تلك المرحلة، لم يجد كارلسن بُدًّا من زيارة مركز للتدريب الأوليمبي في العاصمة النرويجية، أوسلو، بصحبة والده، لطلب المشورة المتخصصة في مظانِّها.  وكان اقتراح المتخصصين بسيطًا، لأول وهلة: «قلِّل من عصير البرتقال الذي تشربه أثناء المباريات».

كان كارلسن يعتمد على مزيجٍ متساوٍ من عصير البرتقال والماء لزيادة الطاقة منذ أن كان طفلًا، لكن جسده الآن، وقد شارف على أواخر العشرينات من عمره، لم يعد يحرق السكر بالسرعة ذاتها مثلما كان طفلًا، مما قد يؤدي إلى غيبوبة سكر.

بدلًا من عصير البرتقال والماء اقترح خبراء التغذية أن يشرب مزيجًا من حليب الشوكولاتة والحليب العادي، لأنه يحتوي على نسبة أقل من السكر، لكنه في الوقت ذاته سوف يمنح جسمه الكالسيوم والبوتاسيوم والبروتين.

يقول والده: «هذا المزيج أبقى السكر في دمه عند مستوى معقول، دون تغيير كبير، وتراجع شعوره بالتعب خلال اللحظات الرئيسية في البطولات».

Embed from Getty Images

لكن هذا التغيير لم يكن سوى بداية تحوُّل أكبر في حياة كارلسن. منذ ذلك الحين، أخضع جسده أيضًا للتدريب البدني ليكون مستعدًا لخوض مباراة الشطرنج. وقبل بطولة العالم في العام الماضي، كان يذهب للتزلج كل يوم، وغرّد على «تويتر» قائلًا إن هذه التمارين لم تمنح ساقيه فقط قوة أكبر، بل عززت أيضًا قوة إرادته. واستأجر طباخًا شخصيًّا ليصحبه في سفرياته، ويتأكد من أنه يتناول المزيج الصحي من البروتينات والكربوهيدرات والكالسيوم.

وخلال البطولات، يركز كارلسن على الاسترخاء والحفاظ على الطاقة. ويمضغ العلكة أثناء المباريات لزيادة وظائف المخ دون فقد الطاقة، ويربت على ساقيه تربيتًا إيقاعيًّا؛ للحفاظ على عقله وجسده في حالة تأهب.

اعتدل في جلستك.. هل يصل ما يكفي من الأكسجين إلى دماغك؟

نجح كارلسن حتى في تحسين هيئة جلوسه؛ إذ يدّعي أن العديد من لاعبي الشطرنج يشرئبون برؤوسهم إلى الأمام جدًا، مما قد يؤدي إلى فقدان 30% من سعة الرئة.

وفقًا لكيث أوفرلاند، وهو معالج عظام عمل مع مركز التدريب الأوليمبي الأمريكي، فإن إمالة الرأس بمقدار 60 درجة للأمام يزيد الضغط على الرقبة بمقدار 60 رطلا تقريبًا، مما يؤدي في النهاية إلى حدوث صداع وعدم انتظام في التنفس، وتقليل الأكسجين الذي يصل إلى الدماغ.

بدلًا من ذلك، يريح كارلسن أسفل ظهره على الكرسي حتى يحتفظ بمنحناه الطبيعي، ويضع قدميه بثبات على الأرض، ويميل للأمام بزاوية 75 درجة تقريبًا. في هذه الوضعية، لا تكون رأسه متدلية للأمام جدًّا بحيث تحد من تدفق الأكسجين إلى الدماغ، ولا متأخرة إلى الوراء بدرجة تتطلب حرق طاقة إضافية.

كما خفَّض كارلسن جدول أعماله إلى 6 – 8 بطولات في السنة (من 12 – 14 بطولة يخوضها لاعبو النخبة)، والاستمتاع بإجازة لمدة شهر ليستعيد لياقته بعد كل بطولة.

أقلِع عن التدخين والسكر.. ودرِّب جسدك على الإصغاء إليك

بالعودة إلى ميزوري، يتحول التقرير إلى كاروانا وشيريلا اللذين كانا متسمرين في غرفة الطعام لمدة ست ساعات للعب الشطرنج. بعد ذلك، يبدو كاروانا منهكًا، ونظارته مائلة. ومع ذلك، يلتقط حفنة مكسرات ويتوجه إلى الخارج للعب التنس لمدة ساعة أخيرة قبل تناول وجبة العشاء.

بعد العشاء، يمتنع عن تناول فطيرة الشوكولاتة، ويمررها لجليسه، قائلًا: «لا يحتوي نظامي الغذائي اليوم على حلوى».

في العام الماضي، أقلع كاروانا عن الكحول قبل بطولة العالم. وهذه المرة، اختار الإقلاع عن السكر. وهي عادة صحية تعلمها من كارلسن، الذي بدأت تظهر عليه مؤخرًا علامات تشير إلى أنه شخص عادي يصيبه ما يصيب البشر. وبعد ثمانية انتصارات متتالية، تخلى بطل العالم النرويجي (كارلسن) عن عشر مباريات في مسابقة أغسطس (آب).

يختم التقرير بالقول: إنها النافذة التي كان ينتظرها كاروانا. وفي عقله، كان يعرف ما يجب عليه فعله: يحتاج فقط إلى أن يتماسك جسده ويصمد حتى تحقيق الفوز. يقول: «في بعض الأحيان، يتعين عليك تعريض جسدك للصدمة حتى يحسن الإصغاء إليك».

عام

منذ 3 سنوات
مترجم: هل تجعلك لعبة الشطرنج أكثر ذكاءً؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد